لوحظ مؤخراً ميل الناس حتى في الغرب إلى تشكيل آرائهم وقناعاتهم بناء على المشاعر أكثر منها على الحقائق

مستقبل الغرب بين ثلاثة أنواع من اللايقين

الرئيسية مقالات
مركز تريندز للبحوث والاستشارات

اتجاهات مستقبلية
مستقبل الغرب بين ثلاثة أنواع من اللايقين

 

يواجه الغرب ثلاثة تحديات في الوقت الراهن تفرض حالة من عدم اليقين حول مستقبله، تتعلق جميعها بما بات يعرف بـ”المابعديات”، وتحديداً الجدل المثار بشأن حالات ما بعد الديمقراطية وما بعد الحقيقة وما بعد كورونا.
ويعرّف “كولين كراوتش” مفهوم «ما بعد الديمقراطية» في كتابه الصادر بالعنوان ذاته، على أنه إشارة إلى انتهاء المؤسسات التمثيلية المنتخبة كمصدر أصلي للتشريع واتخاذ القرار، حيث أصبحت القرارات تُتّخذ من مكان آخر من قِبَل آخرين في مكاتب شركات اللوبيات وردهات الشركات الكبرى المرتبطة بالنخب السياسية. أي إن صناديق الاقتراع أصبحت في النهاية لا توصل ممثلين حقيقيين لعامة الناس أو الشعب، بل توصل ممثلي اللوبيات المالية وأصحاب رؤوس الأموال المتحكّمين في الإعلام والاقتصاد. وظهر في هذا السياق مصطلحات مثل “دكتاتورية رأس المال والمصالح” و”المواطن الموسمي” الذي يُؤتى به يوم الاقتراع ثم يُقصى تماماً من دائرة الاعتبار السياسي حتى موعد الانتخابات التالية.
ويؤكد كلٌّ من “دانييل زيبلت” و”ستيفن ليبيتسكي” وهما صاحبا كتاب: «كيف تموت الديمقراطيات؟» أن الغرب دخل بالفعل عصر “ما بعد الديمقراطية”، لأن الطرح الديمقراطي يعيش أسوأ مراحله في عصر “انعدام اليقين الراديكالي” كما يُسمياه، وبسبب صعود “الشعبوية” حول العالم كما يشخص “ياشا مونك” مؤلّف كتاب «الشعب في مواجهة الديمقراطية».
لم تعد الديمقراطية، في هذا الإطار، هي الحل الوحيد المتاح كما يؤكد “دافيد لانسمان” مؤلّف كتاب «كيف تنتهي الدّيمقراطيّة»، فالناس كانوا يطالبون بالديمقراطية لأنهم كانوا يتصورون بأن البدائل الأخرى أسوأ، فماذا يحدث عندما لا يعود الناس يعتقدون ذلك، وأن هناك من البدائل الأخرى ما قد يكون أفضل وأكثر أماناً وازدهاراً؟
النوع الثاني يرتبط بحالة “ما بعد الحقيقة”، حيث يؤكد الفيلسوف الألماني “بيتر سلوتردايك” أن الديمقراطيات الغربية أصبحت كالذي فقد الثقة في الأطباء فاتجه إلى المعالجين بالوصفات السحرية والدجالين بحثاً عن أمل مستحيل، ومن هنا كان المأزق الجوهري المتولد عن انهيار مسلّمة عصمة الأغلبية العاقلة وحكمتها، وهي الفكرة التي تأسست عليها الديمقراطية.
فقد لوحظ مؤخراً ميل الناس حتى في الغرب إلى تشكيل آرائهم وقناعاتهم؛ بناء على المشاعر، أكثر منها على الحقائق، فيما يتعلق بالشؤون السياسية والعامة؛ إذ ازداد رفضهم لتقبّل الحقائق، وتنامي قبولهم للكذب، حتى المفضوح منه، وهو ما يرتبط بشكل واسع بما تروّج له وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي المؤدلجة، التي باتت تغلب عليها الشائعات أكثر من الحقائق مع قبول الناس لهذه الشائعات بشكل مثير للدهشة، كما يشير قاموس أكسفورد في تعريفه لمصطلح “ما بعد الحقيقة”، الذي لا يعني بحسب “علي حرب” مجرد التلاعب بالحقائق وإنكار الواقع- على ما هو شائع ومتداول- وإنما يعني استحالة الوصول إلى حقائق الأشياء لاستحالة التفرقة بين المعلومات Information والمعلومات الخاطئة Misinformation والتضليل المعلوماتي Disinformation.
على ضوء ذلك، فقد أصبح من أهم الأهداف الجيوسياسية للدول مواجهة المعلومات الخاطئة والتلاعب المعلوماتي من قِبل أعدائها الاستراتيجيين. إذ قد يستخدم بعضهم الإنترنت ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي لتقويض سيادة خصومه وتعطيل عمل مجتمعاتهم وبنيتهم التحتية الثقافية والمجتمعية. حتى إن “النزاعات المعلوماتية” أصبحت من أهم مناطق الصراع الحالية كما يؤكد كلٌّ من “سيلين مارانجي” و”مود كويسارد” في كتابهما الصادر هذا العام «حروب المعلومات في العصر الرقمي».
وزاد من حالة عدم اليقين تلك حول الديمقراطية ومفهوم الحقيقة عدم يقين آخر أدخله فيروس كورونا المستجد على المجتمعات الغربية، وهو ما يعبّـر عنه المفكر الفرنسي إدغار موران، قائلاً إن ما يدهشه حالياً هو أن المجتمع العام، كان يؤمن بكون العلوم هي الحقيقة المطلقة للبشرية، والممتلكة للإجابات كلها عن الأسئلة المطروحة جميعها، لكن الواقع بعد كورونا، اتخذ منحى آخر، حيث إن العلماء أنفسهم أطلقوا أحكاماً كانت معظمها معاكسة بعضها لبعض، سواء بالنسبة إلى الإجراءات المتخذة أو الأدوية المقترحة للعلاج، ومدة التجارب السريرية المرتبطة بالأدوية، وقد أطلقت هذه التناقضات العنان للعامة للتشكك في مصداقية ما يقوله هؤلاء العلماء.

 

 


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.