أحد الأسباب الرئيسية لهذه الورطة هو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي

بريطانيا تتجه نحو شتاء كابوسي

مقالات
صمويل إيرل:كاتب في نيويورك تايمز
etisalat_brand-expo_awareness_mass_emarat_al_youm_leader-board_728x90

 

بريطانيا تتجه نحو شتاء كابوسي

 

 

 

 

 

طوابير طويلة خارج محطات الوقود، والسائقون المذعورون يتشاجرون مع جفاف مضخات الوقود. وانتشر الجنود لتوزيع الوقود في جميع أنحاء البلاد. وفي الخلفية، يمتد الوباء، وتتعفن الأغذية في الحقول، وتغرق الأسر في الفقر. هذه بريطانيا في 2021.

منذ وقت ليس ببعيد، ومع رفع رئيس الوزراء بوريس جونسون في يوليو جميع القيود المفروضة على الوباء، كان المزاج في مختلف أنحاء البلاد متفائلاً بحذر.

وفي النهاية نجح توزيع اللقاح في استعادة الحريات العزيزة إلى الحياة اليومية: زيارة الأصدقاء والعائلة في بيوتهم، وتناول الطعام في المطاعم. واستمرت حالات الإصابة بالفيروس في التكاثر، ولكن عدد حالات الدخول إلى المستشفيات والوفيات قد انخفض بشكل ملحوظ. وبدا أن الكابوس قد انتهى.

ولكن في الأسابيع القليلة الماضية، كان أي شعور بالحياة الطبيعية قد تبدد. إن أزمة الوقود الهائلة، التي ترجع في جزء كبير منها إلى الافتقار إلى سائقي الشاحنات، وفي أوج ذروتها قد أجبرت ما يقرب من ثلث محطات الوقود على الإغلاق، لا تشكل سوى مصدر الانزعاج الأكبر.

فقد ألقى تجمع المشاكل – نقص الغاز العالمي، وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الغذائية، ومشاكل سلسلة التوريد، وقرار المحافظين بخفض الرعاية العامة – بمستقبل البلاد في ظلام دامس. وحتى السيد جونسون، المعروف بتفاؤله المتسم بالبوهيمية، قد بذل قصارى جهده لإلقاء الضوء على الأوضاع.

كان الذعر الذي ساد، والذي جلب الذكريات القديمة (والأساطير) حول الاضطرابات في أواخر سبعينات القرن العشرين، قادماً منذ فترة طويلة. ولعدة أشهر، حذر قادة الصناعة في جميع أنحاء الاقتصاد من نقص مزمن في العمالة – من سائقي الشاحنات، ومن جامعي الفاكهة، ومجهزي اللحوم، والندل، وعمال الرعاية الصحية – ما يعطل سلاسل الإمداد ويعوق الأعمال التجارية.

وباتت علامات الانهيار في كل مكان: الأرفف الفارغة في محلات السوبر ماركت، والأغذية المهدرة في الحقول، والمزيد والمزيد من ملصقات الأماكن الشاغرة على نوافذ المتاجر والمطاعم. حتى إن منتجي اللحوم دعوا الحكومة إلى السماح لهم بتوظيف السجناء لسد الفجوة القائمة.

أحد الأسباب الرئيسية لهذه الورطة هو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أو على الأقل طريقة تعامل الحكومة مع «بريكست». وأدى انسحاب بريطانيا من الكتلة الأوروبية، الذي تم من دون بذل أي جهد حقيقي للانتقال السلس، إلى نزوح العمالة الأوروبية – تلك العملية التي تفاقمت بعد ذلك جراء الوباء. وقد غادر نحو 1.3 مليون مواطن أجنبي المملكة المتحدة بين يوليو 2019 وسبتمبر 2020.

ولكن، بعد أن بات من الواضح أن بريطانيا تواجه عجزاً كبيراً في العمالة، رفض المحافظون الرد. لقد تفاخروا ووصفوه بأنه «وضع مصطنع»، وقاموا بالمراوغة، وطمأنة العامة بأنه لا يوجد ما يدعو للقلق.

إن حجة التقاعس هذه غير مقنعة بالمرة. ففي هولندا، على سبيل المثال، عزز التشريع الجديد من أجور سائقي الشاحنات وظروف عملهم. وفي بريطانيا تظل الظروف من بين الأسوأ في أوروبا. واستجابة الحكومة المتأخرة – التي تقدم 5000 تأشيرة مؤقتة للسائقين من دول الاتحاد الأوروبي – هي قليلة جداً ومتأخرة للغاية.

وبدلاً من رفع الأجور، لم يواجه عامة البريطانيين حتى الآن سوى زيادة الأسعار. وقد ارتفع التضخم بأسرع من أي وقت مضى منذ عام 1997، كما أن ارتفاع أسعار الغاز عالمياً يضع المزيد من الضغوط على حياة الناس، ما يجعل الطاقة أكثر تكلفة من أي مكان آخر في أوروبا.

وفي حين ضمنت حكومات أخرى، في إسبانيا وإيطاليا، حماية الأسر المتعثرة من ارتفاع التكاليف، فإن المحافظين في بريطانيا لم يقدموا مثل هذا القدر من الرحمة. هناك ثلاثة ملايين عائلة في بريطانيا تعيش فعلاً في فقر الوقود، وهي مضطرة للاختيار بين التدفئة وتناول الطعام في الشتاء. وبعد رفع المحافظين سقف أسعار الطاقة في أكتوبر، فمن المتوقع أن يرتفع الرقم المذكور بمقدار نصف مليون.

وفي 30 سبتمبر، أنهت الحكومة البريطانية البرنامج الذي عوضت فيه الناس بما يصل إلى 80 في المائة من الدخل المفقود خلال الوباء. وفي 6 أكتوبر الجاري، سوف يخفض المحافظون الائتمان الشامل، أي برنامج الرعاية الاجتماعية الشامل في بريطانيا، بمقدار 20 جنيهاً إسترلينياً، أو 27 دولاراً، في الأسبوع — في الوقت الذي يعتمد عليه الناس أكثر من أي وقت مضى. وهو أكبر انخفاض فردي في دولة الرفاهية في التاريخ البريطاني، فإنه يتوقع دفع نصف مليون شخص آخر تحت خط الفقر، بما في ذلك 200.000 طفل.

وقد وصف كثيرون هذا الالتقاء المروع، من النقص في الوقود إلى الفقر المتزايد، بأنه عاصفة كاملة. ومع ذلك، يمحو هذا التشبيه الدور الفعال الذي لعبه المحافظون – لا سيما رئيس الوزراء – في تنسيق هذه الظروف المثيرة للاشمئزاز. والشتاء القاتم أمامنا هو صنيعة أيديهم.

ولكن من غير المرجح أن يتحمل السيد جونسون عواقب أفعاله. أما حكومته، التي تستند إلى أغلبية كبيرة، فإنها تظل آمنة. وبالنسبة له فإن الأزمات تشكل دوماً فرصاً. وهو بارع في تغيير الشكل، وغير مثقل بأي إحساس بالمسؤولية أو الأمانة، وينتعش في ظروف الشدائد. وبقية البلاد لن تكون محظوظة بحال.عن “الشرق الأوسط”


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.