ركائز رؤية الأمن الخليجي ما بعد حرب إيران
شكل النظام الإيراني منذ اندلاع الثورة الإسلامية عام 1979، تهديداً صريحاً وكامناً لدول الخليج العربية، ولكن حالة العدوان الإرهابي الإيراني على هذه الدول لم تكن في أي وقت سابق مثلما هو الوضع بعد اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026، حيث قام هذا النظام على نحو مفاجئ بتوسيع هجماته بشكل ملحوظ لتشمل دول الخليج والأردن، عبر استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، في مسار اتسم بالتصعيد المتدرج، واتساع رقعة الاستهداف. وعلى الرغم من التزام دول المنطقة بضبط النفس وردع هذه الاعتداءات عبر إفشالها؛ فإن تساؤلات جادة تُطرح اليوم حول مستقبل منظومة الأمن الإقليمي الخليجي.
صد الاعتداءات الإيرانية:
خلال الفترة من 28 فبراير إلى 4 إبريل 2026، شنت إيران سلسلة هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة على سبع دول عربية (دول الخليج الست والأردن)، بلغ مجموعها 5,938 صاروخاً ومسيّرة، وفق رصد “وكالة الأناضول”. وكانت دولة الإمارات العربية المتحدة الأكثر تعرّضاً للهجمات بـ521 صاروخاً و2,141 طائرة مسيّرة بإجمالي 2,662 حتى يوم 4 إبريل الجاري، تلتها الكويت بإجمالي 1,045 (336 صاروخاً و709 طائرات مسيّرة)، ثم السعودية بإجمالي 970 (87 صاروخاً و883 طائرة مسيّرة)، فالبحرين بإجمالي 641 (188 صاروخاً و453 طائرة مسيّرة)، وقطر بإجمالي 320 (216 صاروخاً و102 طائرة مسيّرة ومقاتلتان)، والأردن بإجمالي 281 صاروخاً وطائرة مسيّرة، فيما كانت سلطنة عُمان الأقل استهدافاً بـ19 طائرة مسيّرة مع أضرار محدودة.
وتشير البيانات إلى أن نحو 81% من الهجمات الصاروخية والجوية الإيرانية استهدفت دول الخليج مقابل نحو 19% لإسرائيل؛ ما يعكس التركيز الأكبر للهجمات على الدول العربية الخليجية منذ بداية الحرب، وليس على مصدر العدوان على إيران.
وعلى الرغم من الخطاب العلني للنظام الإيراني الذي زعم فيه أن هجماته تركز على استهداف مصالح وأصول أمريكية في المنطقة؛ يكشف نمط الاعتداءات الإيرانية الإرهابية اتساعها لتشمل الكثير من المنشآت المدنية والاقتصادية الخليجية بهدف الإضرار بهذه الدول، بما في ذلك المطارات والموانئ البحرية والفنادق ومحطات الطاقة ومنشآت النفط والغاز، والهدف من ذلك هو إحداث أكبر تأثير عالمي ممكن؛ بالنظر إلى مكانة وأهمية دول الخليج في الاقتصاد العالمي، ومحاولة الضغط بأسلوب غير مباشر على الولايات المتحدة لوقف الحرب.
كما ركزت الاعتداءات الإيرانية على تهديد حرية الملاحة في مضيق هرمز الاستراتيجي وصولاً إلى إغلاقه بشكل كامل أمام حركة السفن والناقلات؛ وهو ما تسبب في أزمة طاقة عالمية، حيث يمر عبر هذا الممر البحري نحو 20% من صادرات النفط والغاز الطبيعي المُسال في العالم، إضافة إلى نحو 20% إلى 30% من تجارة الأسمدة العالمية.
ومن مظاهر هذه الاعتداءات الإيرانية السافرة كذلك، توظيف الخلايا الإرهابية التي تستهدف الإضرار بالأمن والاستقرار الداخلي في دول مجلس التعاون. فخلال أقل من شهر، تمكنت دول الخليج من القبض على 9 خلايا إرهابية تتبع الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني، وإحباط مخططات إرهابية كانت تعتزم تنفيذها، تتضمن عمليات اغتيال وتخابر وتعاوناً مع إيران واستهداف منشآت حيوية واختراق الاقتصاد الوطني في تلك الدول. وشمل ذلك القبض على 3 خلايا إرهابية في البحرين، ومثلها في الكويت، إضافة إلى خليتين في قطر، وتفكيك شبكة إرهابية والقبض على عناصرها في دولة الإمارات.
وبطبيعة الحال، فإن كشف هذه الخلايا الإرهابية وتفكيكها يمثل إنجازاً مهماً للأجهزة الأمنية الخليجية؛ لكن الإنجاز الأكبر تمثل في نجاح دول الخليج في إفشال أكثر من 90% من الهجمات الإيرانية من خلال ما تملكه من منظومات دفاعية متطورة. فعلى مدى عقود من الزمن؛ استثمرت دول المنطقة بكفاءة في بناء منظومات دفاع جوي وصاروخي متطورة ومتعددة الطبقات، وتُعد من بين الأكثر تقدماً في المنطقة؛ بهدف حماية بنيتها التحتية الحيوية من الصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة. وتشمل هذه المنظومات بشكل رئيسي نظام “ثاد” (THAAD) الأمريكي للدفاع الصاروخي بعيد المدى، ومنظومة “باتريوت” (PAC-3) الشهيرة، بالإضافة إلى طائرات الإنذار المبكر (AWACS). وتمثل تجربة دولة الإمارات في هذا الصدد النموذج الأمثل خليجياً؛ حيث تصدت لنحو 96% من الاعتداءات الإيرانية، واستطاعت تأمين الأمن والسلامة لجميع القاطنين على أرضها.
وعلى المستوى السياسي، أكدت دول المجلس بوضوح أنها في موقف الدفاع عن النفس في مواجهة هذه الاعتداءات الإرهابية الإيرانية، وعملت على حشد المواقف الدولية؛ وهو ما تجلى في مجمل القرارات والمواقف الدولية المتوالية التي تدين الاعتداءات الإيرانية وتدعم دول مجلس التعاون في مواجهة هذا العدوان السافر، وأبرزها قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2817 الصادر بأغلبية 13 صوتاً، والذي يدين بـ”أشد العبارات الهجمات الإيرانية الشنيعة”، ولم يكتف بذلك بل اعتبر هذه الاعتداءات تهديداً للأمن والسلم الدوليين؛ ما يدرجها ضمن اختصاصات المجلس. ومن ذلك أيضاً اعتماد مجلس حقوق الإنسان بالإجماع مشروع قرار “آثار العدوان العسكري الذي تشنه إيران”، والمقدم من البحرين باسم دول مجلس التعاون والأردن، والذي حظي بدعم واسع واستثنائي من أكثر من 100 دولة.
ولكن الأمر اللافت هنا هو أن قرار إيران باستهداف دول الخليج العربية ينطوي على مفارقة لافتة. ففي السنوات الأخيرة، أدت دول الخليج أدواراً محورية في التوسط لخفض التوترات بين إيران والقوى الغربية، وسهَّلت عبر قنواتها الدبلوماسية ونفوذها الإقليمي الحوار في كثير من الأحيان أثناء الأزمات. وفي ظل هذه الحقائق، تبدو الهجمات الإيرانية على دول الخليج مثيرة للاستغراب؛ نظراً لكونها من بين الأطراف القليلة القادرة على مساعدة طهران في إدارة التوترات مع واشنطن والحفاظ على قدر من الاستقرار. بيد أن إيران ومن خلال هذه الاعتداءات السافرة، قوضت الدور الإيجابي الذي كان يمكن أن تؤديه دول الخليج، وعززت أزمة الثقة في طهران ونظامها؛ الأمر الذي سينعكس حتماً على تحديد ملامح التفاعلات الإقليمية في المستقبل.
وقد أشار معالي الدكتور أنور بن محمد قرقاش، المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس دولة الإمارات، إلى هذا الأمر بوضوح، قائلاً إن دولاً خليجية عدة أدت أدواراً مختلفة في مسار تهدئة التوترات الإقليمية عبر الدبلوماسية والمفاوضات، لافتاً إلى أن قطر أدت دوراً مهماً جداً في تبادل الرسائل بين إيران والولايات المتحدة، ودولة الإمارات أيضاً أدت دوراً في هذا الجانب، كما أن سلطنة عُمان أدت دوراً مهماً وأساسياً كميسر في المفاوضات، إضافة إلى الدور البناء والإيجابي من السعودية والدول الأخرى في المنطقة. واعتبر معاليه أن استهداف دول الخليج زاد من عزلة إيران، في وقت كانت هذه الدول أقوى صوت إقليمي تجاه عدم الانجرار إلى مسار الحرب.
مستقبل الأمن الخليجي:
سعت دول مجلس التعاون الخليجي من خلال سياسة ضبط النفس إلى تجنب اتساع نطاق الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية. كما تبنت هذه الدول “دبلوماسية تقليل المخاطر” (Risk Mitigation Diplomacy) التي تقوم على الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف (بمن فيها الخصوم)، ومواصلة الحملة الدبلوماسية الدولية لإدانة الاعتداءات الإيرانية الغاشمة عليها، واستخدام الأدوات الاقتصادية والاستثمارية كوسيلة تأثير سياسي.
ويعكس تفضيل دول الخليج اتباع نهج “ضبط النفس الاستراتيجي”، إدراكاً واضحاً بأن إيران قد تسعى إلى توسيع رقعة الصراع، عبر جر دول المنطقة إلى دائرة المواجهة. ومن خلال تجنب الرد العسكري؛ نجحت دول الخليج حتى الآن في حرمان طهران من فرصة تغيير طبيعة الصراع، وتحويله إلى حرب إقليمية أوسع. وتكمن أهمية ذلك في أن توسيع نطاق الحرب يصُب في مصلحة إيران ضمن استراتيجية “حرب الاستنزاف”.
وضمن هذا السياق، دعمت دول الخليج المسار الدبلوماسي والحل السياسي، بما يُفضي إلى وقف الحرب، وبناء ترتيبات أمنية إقليمية مستدامة. لكن دول مجلس التعاون عبّرت بوضوح عن رغبتها في المشاركة في أي مفاوضات أو اتفاقيات تتعلق بمستقبل المنطقة، ورفض إغلاق مضيق هرمز وفرض رسوم على العبور أو إعلان السيادة الإيرانية عليه، كما أعلنت رفضها كذلك أية ترتيبات إقليمية لتغيير خريطة الشرق الأوسط بعد الحرب.
وبالنسبة لدول الخليج، فإنه لا يكفي مجرد وقف إطلاق النار، وإنما الأولوية تكمن في البحث عن حلول طويلة المدى تكبح مصادر التهديد الرئيسية (الصواريخ البالستية والجوالة، والمسيّرات، ومضيق هرمز، والوكلاء الإيرانيين من غير الدول في الإقليم)، ومنع تحولها إلى تهديد دائم.
ومن ثم، فإن أي اتفاق محتمل لإنهاء هذه الحرب يجب أن يعالج مثالب الاتفاقات السابقة، سواء الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015 أم اتفاق وقف إطلاق النار في يونيو 2025. وهذه المثالب تتعلق بعدم إشراك دول مجلس التعاون الرئيسية في المفاوضات، وعدم أخذ مصادر تهديد أمنها الوطني في الحسبان، وعدم توسيع الاتفاق ليشمل التهديدات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية، وتهديد وكلاء طهران للأمن الإقليمي.
ومما لا شك فيه أن هذه الاعتداءات ستسهم في إعادة النظر في الرؤية الخليجية لأمن الخليج بعد الحرب، والتي يُتوقع أن تقوم على ثلاث ركائز أو أعمدة، تتمثل في تعزيز القدرات الوطنية، والتعاون الخليجي المشترك، وتعميق الشراكات الأمنية مع الولايات المتحدة. فتعزيز القدرات الدفاعية الوطنية، وخاصة الدفاع الجوي، ودعم الصناعات الدفاعية المحلية؛ هو العمود الأول لأمن الخليج بعد الحرب. أما العمود الثاني، فيقوم على تعميق التعاون الخليجي المشترك في مجال الدفاع، والاستخبارات، ووضع آليات مؤسسية لترجمة الاتفاقات الأمنية بين دول مجلس التعاون، ولا سيّما اتفاقية الدفاع المشترك لعام 2000. كما أوضحت الخبرة الراهنة أنه سيكون من المهم لدول الخليج تعزيز الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة للحفاظ على أمن الخليج والاستقرار الإقليمي.
فضلاً عن ذلك، فإن انكشاف العداء الإيراني لدول الخليج سيجعل قادة مجلس التعاون يعيدون حساباتهم في العلاقة معها على أكثر من مستوى، أهمها التوقف عن النظر إليها كحليف إقليمي محتمل يمكن للحوار أن يغيره. وستفرز هذه القناعة توجهاً براغماتياً لإعادة النظر في العلاقات مع إيران، بما في ذلك إمكانية تحجيم التعاملات معها إلى الحد الأدنى، ولا سيّما في المجالات الاقتصادية.
” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.