عصر دفاعي جديد: تطورات نوعية في منظومات الدفاع اليابانية في بيئة إقليمية عالية المخاطر

الرئيسية مقالات
أحمد عليبه رئيس وحدة الاتجاهات الأمنية - مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة
عصر دفاعي جديد: تطورات نوعية في منظومات الدفاع اليابانية في بيئة إقليمية عالية المخاطر

 

عصر دفاعي جديد: تطورات نوعية في منظومات الدفاع اليابانية في بيئة إقليمية عالية المخاطر

 

 

 

بدأت ملامح التغيير في عقيدة اليابان الدفاعية تنتقل من الأطر النظرية إلى اتجاهات عملية، تعكس ما تمر به اليابان من مرحلة تحوُّل استراتيجي تشهد إعادة تعريف دورها العسكري في شرق آسيا، وانتقالها من نموذج دفاعي تقليدي إلى نموذج ردع نشط قائم على القدرات الهجومية بعيدة المدى.

ولم تَعُد التوجهات الدفاعية الجديدة في اليابان تقتصر على مظاهر التطور النوعية للصناعات الدفاعية الاستراتيجية التي شهدت طفرة في السنوات الأخيرة، وإنما تشمل تطوراً تدريجياً مرناً في العقيدة العسكرية، في إطار الاستجابة للتحديات الأمنية التي تشهدها البيئة الإقليمية الآسيوية بشكل عام.

هذه التحولات ترتبط بشكل مباشر بإعلان قوات الدفاع الذاتي اليابانية، في نهاية مارس 2026، عن نشر أول نظام صاروخي طويل المدى مُطوَّر محلياً هو (Type 25)، والذي يدخل الخدمة عملياً في شهر أبريل الجاري، علاوة على نشر صاروخ مُطوَّر من طراز (Type 12) المضاد للسفن، في معسكر كينغون بمقاطعة كوماموتو، وقذيفة انزلاقية فائقة السرعة (HVGP) للدفاع عن الجزر في معسكر فوجي بمقاطعة شيزوكا.

التطور الراهن في المنظومات الدفاعية اليابانية:

يُعد صاروخ Type 25 SSM نسخة مُطوَّرة من الصاروخ Type 12 القديم، والذي يعود إلى عام 2012، وصُمِّم في الأصل للدفاع الساحلي؛ حيث زاد مدى الصاروخ المُطوَّر إلى حوالي 1000 كلم، أي بزيادة حوالي (800 كلم عن المدى القديم المُقدَّر بحوالي 200 كلم في صاروخ Type 12).

ويتيح هذا المدى الجديد للوحدات البرية الوصول إلى أهداف بعيدة في اتجاه العمق الساحلي، أي استهداف مواقع تقع بعيداً من السواحل اليابانية، بما في ذلك الأصول البحرية والبرية المُحتمَلَة في جميع أنحاء شرق آسيا.

كما أنتجت اليابان صاروخاً جديداً هو Type 25 HGP، والذي يندرج ضمن فئة جديدة من الصواريخ الفرط الصوتية Hypersonic Missiles، حيث تصل سرعته إلى 5 ماخ، ويتحرك بسرعات فائقة على مسارات غير متوقعة، مما يجعل اعتراضه أكثر صعوبة.

وتعكس عملية التطوير التي شملت الصاروخين اتجاه طوكيو إلى بناء منظومة دفاعية متعددة الطبقات، سواءً بالنظر إلى طبيعة تشكيل المنظومة أو خريطة نشرها، حيث تعتزم وزارة الدفاع نشر صواريخ (Type 25) عالية الدفع في معسكر كاميفورانو في هوكايدو ومعسكر إبينو في ميازاكي خلال العام الجاري 2026، هذا بالإضافة إلى ضم نُسَخ سطحية من نفس الفئة يمكن إطلاقها من المدمرات البحرية، ونُسَخ أخرى من المقاتلات الجوية، وهذه الأخيرة من المقرر دخولها الخدمة الفعلية في عام 2027.

بالتوازي مع ذلك، أعلنت وزارة الدفاع اليابانية عن أول مدمرة (جي إس تشوكاي) – فئة “كونغو” التابعة لقوات الدفاع الذاتي البحرية، والتي أصبحت أول سفينة حربية يتم تزويدها بصواريخ “توماهوك” كروز بعيدة المدى.

وتعتمد هذه المدمرة على نظام الإطلاق العمودي (إم كيه-41) ومنظومة إيجيس (AEGIS) القتالية، وهو ما يتيح لها تشغيل صواريخ يصل مداها إلى نحو 1600 كلم، بما يجعلها قادرة على استهداف مواقع برية بعيدة من عرض البحر. وتخطط بحرية الدفاع الذاتي لإجراء تجارب إطلاق حي للصواريخ من على متن المدمرة خلال العام الجاري 2026، للتأكد من كفاءة هذه القدرة الجديدة التي تم الانتهاء منها تقريباً في الولايات المتحدة.

وقد أشار بيان رسمي صدر عن قوات الدفاع الذاتي أن هذه الخطوات تأتي “استجابةً للبيئة الأمنية العالية الخطورة المحيطة باليابان”؛ بما يعكس تركيز تقارير الدفاع اليابانية في السنوات الأخيرة على تزايد التحديات المرتبطة بالبيئة الإقليمية، خاصةً الأنشطة العسكرية المتنامية في بحر الصين الشرقي، وتحديداً في محيط الجزر المُتنازَع عليها (جزر سينكاكو/دياويو) وقضية تايوان التي تتزايد المخاوف بشأن اندلاع صراع حولها، واستمرار تطوير البرامج الصاروخية والنووية في كوريا الشمالية.

تقليدياً، اعتمدت اليابان لعقود طويلة على أنظمة الدفاع الصاروخي، وبشكل رئيسي منظومات مثل: باتريوت (Patriot PAC-3)، مع ترك مهام الهجوم إلى حد كبير للقوات الأمريكية، أخذاً في الاعتبار أن طوكيو تُصنِّع الباتريوت ويُسمَح قانونياً بتصدير إنتاجها إلى الولايات المتحدة. ولكن التوسع السريع في ترسانات الصواريخ لدى العديد من الدول الإقليمية، شكَّل حافزاً لإعادة وجهة النظر الدفاعية اليابانية؛ وبالتالي فإن التحول الدفاعي الياباني على هذا النحو يواكب تطورات بيئة الأمن الإقليمي، التي تتسم بارتفاع مستوى التهديدات وتعقيد التفاعلات العسكرية.

تحولات العقيدة الدفاعية اليابانية إطارياً وعملياتياً:

تحمل مظاهر التطور الدفاعي السابقة سمات المرحلة الانتقالية التي تتحول فيها اليابان من استراتيجية (الدفاع الحصري) إلى استراتيجية تبني قدرات (الضربة المضادة) المدعومة بمنظومات صاروخية بعيدة المدى وقدرات تكنولوجية متقدمة.

وتتزامن هذه التطورات مع وصول “ساناي تاكايتشي” إلى رئاسة الحكومة، في ظل تبنيها سياسة دفاعية مغايرة عن السياسات الدفاعية التقليدية، أو على الأقل فتح النقاش في المجال العام حول مقاربة المتغيرات الدفاعية في ظل التحولات الإقليمية والعالمية؛ حيث سيجري تحديث الوثائق الأمنية الثلاثة (استراتيجية الأمن القومي، واستراتيجية الدفاع الوطني، وبرنامج تعزيز القدرات الدفاعية) خلال العام الجاري 2026.

وفي قلب هذه النقاشات التي يقوم بها حالياً الحزب الليبرالي الديمقراطي، فإن العنوان الرئيسي هو أن البيئة الأمنية الحالية تُمثِّل أخطر مرحلة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بما يفرض إعادة تقييم السياسات الدفاعية، بل وربما العقيدة الدفاعية نفسها التي ترسخت منذ عقود، بحيث يتم تبني مقاربات أكثر فاعلية في مجال الردع مدعومة بحجم تطور الأصول الدفاعية والتقدم الهائل في صناعات الدفاع.

عطفاً على ما سبق، تدرك طوكيو أيضاً أن الاعتماد الكامل على المظلة الأمنية الأمريكية لم يَعُد كافياً في ظل التحولات الدولية الراهنة، والضغوط الأمنية المتعددة الاتجاهات، التي تشمل الصين شرقاً، وكوريا الشمالية شمالاً، ونشاطاً عسكرياً روسياً في الشمال؛ وهو ما يخلق بيئة استراتيجية معقدة ومتزامنة التهديدات. كما أن طبيعة الحروب الحديثة شهدت تحولاً نوعياً يفرض من جهة أخرى على اليابان تطوير القدرات بشكل مستمر.

هذه الأمور مجتمعةً ترسم ملامح التغير في العقيدة الدفاعية اليابانية من الالتزام الصارم بمبدأ (الدفاع الحصري) إلى تبني مفهوم (الضربة المضادة)، ومن أبرز هذه الملامح ما يلي:

1 – التحول النظري في العقيدة الدفاعية: ظهرت بوادر التحول في العقيدة في مراجعة الوثائق الأمن والدفاع لعام 2022، والتي سمحت -نظرياً وعملياً- لقوات الدفاع الذاتي باستهداف مواقع إطلاق الصواريخ والبنية العسكرية للخصم في حال التعرض لهجوم. ورغم تأكيد المسؤولين آنذاك أن هذه القدرات تظل دفاعية الطابع، إلا أنها تعكس توسعاً واضحاً في تفسير القيود الدستورية السلمية.

2 – التحول العملياتي في تطبيق “الضربات المضادة”: شهد مفهوم “الضربة المضادة” في العقيدة الدفاعية اليابانية تطوراً ملحوظاً من حيث التطبيق، حيث انتقل من مجرد كونه إطاراً سياسياً نظرياً إلى مفهوم عملياتي فعلي، فلم يَعُد مقتصراً على مجرد حق قانوني للرد، بقدر ما أصبح يرتبط بخطط واضحة تتضمن نشر منظومات صاروخية بعيدة المدى، وتحديد دقيق لمنصات إطلاق التهديدات المعادية.

3 – التوجه نحو بناء المنظومة المتكاملة: مع التجربة العملياتية، توسَّع نطاق مفهوم “الضربة المضادة” ليشمل البنية التحتية العسكرية ومراكز القيادة والسيطرة لدى الخصم وليس مواقع الصواريخ فقط، بما يرفع من فعالية الضربات ويعزز القدرة على الردع ضمن إطار دفاعي موسع.

وفي ضوء التوجه الدفاعي الراهن لبناء منظومة متكاملة، فإنه يجري دمج قدرات الاستطلاع ISR، وأنظمة القيادة والسيطرة C2، والأنظمة الفرط صوتية (تشو-سام كايفي) اليابانية التي تتميز بقدرات التخفي (مع بصمة رادارية أقل)، إلى جانب تعزيز التكامل العملياتي مع الولايات المتحدة.

4 – تحديث المنظومات الصاروخية: تُعد المنظومات الصاروخية المُحدَّثة ترجمة عملية لتحول العقيدة الدفاعية عَبْر تطوير ونشر منظومات صاروخية متقدمة تمنح اليابان قدرات هجومية بعيدة المدى؛ بما يمكن القول إنه يُشكِّل عملية بناء قوة ضاربة يابانية، تعتمد على مجموعة من الإمكانيات العملياتية والتكنولوجية، في مقدمتها أنظمة الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، خاصة الفضائية منها. وتسعى اليابان إلى تطوير كويكبات أقمار صناعية متقدمة تتيح تحسين دقة الاستهداف وزيادة معدل إعادة الزيارة للأهداف (Revisiting Rates). وتقوم الشراكات الصناعية والتكنولوجية بدور محوري في هذا المجال، خاصةً شركة ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة.

وتحرص اليابان أيضاً على تعزيز التكامل العملياتي مع الولايات المتحدة، لما يوفره من دعم استخباراتي وتنسيق في عمليات الضربة المضادة. ويمتد هذا التعاون ليشمل شركاء آخرين مثل أستراليا والمملكة المتحدة، من خلال تدريبات مشتركة وتبادل البيانات، بما يعزز من جاهزية اليابان ضمن إطار تحالفات متعددة الأطراف.

التوازن غير المستقر بين اليابان والصين:

يمكن القول، من الناحية الواقعية، إن معادلة الردع الإجمالية بين بكين وطوكيو باتت أكثر تعقيداً، في ظل تداخل القدرات الهجومية والدفاعية لدى الطرفين في مساحة جيوستراتيجية متشابكة، وهو ما يجعل التمييز بين “الدفاع” و”الهجوم” أكثر صعوبة. وبالتبعية أيضاً تترفع أهمية تايوان كمحفز استراتيجي من وجهة النظر الصينية، حيث يُنظَر في بكين إلى أي دعم ياباني مُحتَمَل لتايوان على أنه تهديد مباشر للمصالح الصينية.

من وجهة نظر بكين، فإن عملية تحديث القدرات اليابانية تُعتبَر تجاوزاً لمفهوم الدفاع الذاتي وتحولاً نحو نهج أكثر عسكرة. وقد انعكس ذلك في تصاعد الخطاب السياسي بين الجانبين، خاصة في ظل ارتباط هذه التطورات بملف تايوان.

وقد ظهرت ملامح رد الفعل الصيني في تصاعد حدة الخطاب الرسمي نحو اتهام لليابان بالانحراف عن عقيدتها السلمية وتبني نهج عسكري توسعي. وعليه قامت الصين بزيادة جديدة في مستوى الأنشطة العسكرية المضادة، بما في ذلك: تكثيف الدوريات البحرية والجوية قرب الجزر المُتنازَع عليها، وتوسيع نطاق التدريبات العسكرية في بحر الصين الشرقي.

من هنا ظهرت النظرة المتعارضة لدى الطرفين في فهم وتقدير التحولات الدفاعية، ففي مقابل تأكيد اليابان على أن تحركاتها دفاعية في المقام الأول في مواجهة تهديدات لا يمكن تجاهلها؛ ترى الصين هذه التحركات تهديداً مباشراً يستوجب الرد؛ وهو ما يُنتِج تصاعداً في سباق التسلح في منطقة شرق آسيا من جانب، ويزيد احتمالات سوء التقدير العسكري بين الدولتين من جانب آخر.

أخيراً، تعكس محصلة هذه المؤشرات الدفاعية وتعدد زوايا المقاربات الاستراتيجية حالة توازن ردع غير مستقر بين اليابان والصين، حيث تمتلك اليابان تفوقاً نوعياً مدعوماً بالتحالفات، في مقابل تفوق صيني في الحجم والانتشار والقدرات الصاروخية الشاملة. ويؤدي تقارب مسارح العمليات وتداخل القدرات الهجومية إلى جعل أي حادث تكتيكي محدود قابلاً للتحول بسرعة إلى تصعيد إقليمي واسع ما لم يتم احتواؤه عبر آليات اتصال فعَّالة.

” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”

 


اترك تعليقاً