الجديد في مناورات باليكاتان: مشاركة اليابان بوحدات قتالية وتركيز عملياتي على الدفاع المتقدم
تنطلق اليوم مناورات باليكاتان (Balikatan) السنوية، بمشاركة الفلبين والولايات المتحدة الأمريكية واليابان وأستراليا ونيوزيلندا وفرنسا وكندا. ومن المُتوقَّع أن تكون هذه النسخة، والتي سوف تجري كما هو معتاد في الفلبين، بين يومي 20 إبريل و8 مايو 2026، هي الأكبر على الإطلاق؛ حيث سيشارك فيها أكثر من 18000 عسكري (5000 من الفلبين، و12000 من الولايات المتحدة، و1000 من اليابان)، وستولي مزيداً من التركيز العملياتي على عمليات الدفاع المتقدم.
وتحمل مناورات هذه السنة متغيرات مهمة، أولها أن هذه هي المرة الأولى التي سوف تشارك فيها اليابان في هذه المناورات بوحدات قتالية سوف تطأ أرض الفلبين بعد 81 سنة. وثانيها أن الجوانب العملياتية سوف تتركز على حماية المناطق المُتنازَع عليها في بحر الصين الجنوبي، وثالثها أن تعدد المشاركين يعكس تحولاً أوسع نحو التعاون الدفاعي متعدد الأطراف في منطقة المحيطين الهندي والهادئ “الإندوباسيفيك”.
نبذة عن مناورات باليكاتان وتطورها:
مناورات “باليكاتان” (وتعني باللغة التاغالوغية “كتفاً بكتف”)، هي تدريبات عسكرية سنوية مشتركة تجري بين الفلبين والولايات المتحدة منذ عام 1991، ولكنها اتخذت طابعاً روتينياً منذ عام 2001، وذلك بناءً على معاهدة الدفاع المشترك لعام 1951 واتفاقية القوات الزائرة بين الدولتين.
وتهدف هذه التدريبات إلى تعزيز القدرات الدفاعية والأمن البحري، حيث تشمل عادةً مجموعة واسعة من الأنشطة، بما في ذلك الأمن البحري، والعمليات البرمائية، والمساعدات الإنسانية، والاستجابة للكوارث. وفي بداية انطلاقها، ركزت على التعاون في مكافحة الجماعات المسلحة مثل “جماعة أبو سياف” في جنوب الفلبين، وشملت تقديم معدات ومعلومات استخباراتية أمريكية.
وبمرور الوقت، تطورت من مكافحة الإرهاب إلى تدريبات دفاعية شاملة، ولم تَعُد تقتصر على الطرفين فقط، بل بدأت تشمل دولاً مُشارِكَة وأخرى مُراقِبَة مثل أستراليا واليابان؛ لتصبح أحد أبرز مظاهر التعاون العسكري الأمريكي في جنوب شرق آسيا، مع تركيزها على العمليات البرية والأمن البحري والدفاع الساحلي.
ولقد ازدادت أهمية هذه المناورات في السنوات الأخيرة مع تصاعد التوترات بين الصين والفلبين في بحر الصين الجنوبي؛ فقد شهد عام 2023 أكبر مناورات منذ أكثر من 30 عاماً من حيث حجم القوات المشاركة، ومن حيث تركيزها على العمليات البرمائية.
وفي عام 2024، تركزت المناورات في الأجزاء الشمالية والغربية من الفلبين، قُرْب مواقع مُتنازَعٍ عليها مع بكين في بحر الصين الجنوبي، وتجاوزت لأول مرة “البحر الإقليمي” التابع للفلبين، والذي يبلغ طوله 12 ميلاً بحرياً في بحر الصين الجنوبي، وهو ما يُمثِّل تحدياً مباشراً لمطالب الصين السيادية، والمتمثلة في “خط النقاط التسع” الذي يشمل حوالي 85% من بحر الصين الجنوبي.
وشهدت النسخة الأخيرة من المناورات، والتي تمت في الفترة من 21 إبريل إلى 9 مايو 2025، مشاركة 17 ألف جندي من الفلبين والولايات المتحدة، إلى جانب مشاركة رمزية من أستراليا واليابان باعتبارهما مراقبين، وتم خلالها نشر أنظمة صاروخية أمريكية مضادة للسفن من نوع (NMESIS) للمرة الأولى، بهدف تعزيز قدرات منع الوصول البحري، وذلك في جزر استراتيجية شمال الفلبين وقرب مضيق تايوان لتعزيز الدفاع الساحلي.
ويُشكِّل انعقاد مناورات باليكاتان هذا العام حدثاً مهماً يحمل في طياته رسائل أمريكية واضحة مفادها أن الحرب ضد إيران لا تمنع الجيش الأمريكي من الاستمرار في التزام تدريبي يجري منذ عقود. كما تبث اليابان برسالة إلى دول الجوار مفادها أن ثمة تحولات تجري بالتدريج، ليس فقط في العقيدة الدفاعية اليابانية، ولكن في الجوانب الإجرائية والعملياتية أيضاً.
مشاركة اليابان بوحدات قتالية للمرة الأولى:
أعلنت اليابان أنها سوف تنشر وحدات قتالية للمشاركة في مناورات “باليكاتان 2026″، والتي اعتادت أن تشارك فيها رمزياً في السنوات الأخيرة؛ لتكون هذه أول مرة منذ الحرب العالمية الثانية تطأ فيها أقدام القوات القتالية اليابانية الأراضي الفلبينية.
جاء هذا الإعلان أولاً على لسان رئيس أركان القوات المسلحة الفلبينية، الجنرال روميو براونر جونيور، الذي صرَّح يوم 24 مارس الماضي، أنه من المُتوقَّع أن ترسل قوات الدفاع الذاتي اليابانية وحدات قادرة على القتال قوامها 1000 جندي للمشاركة في مناورات باليكاتان هذا العام. وقال جونيور: “هذه هي المرة الأولى منذ 81 سنة التي ستتواجد فيها قوات قتالية يابانية على الأراضي الفلبينية مجدداً” مضيفاً: “في السابق كنا على طرفي نقيض، أما هذه المرة فنحن في صف واحد”.
وقد أعقب ذلك تصريح للمتحدث باسم هيئة الأركان المشتركة اليابانية، يوم 26 مارس، ذكر فيه أن “وحداتٍ من قوات الدفاع الذاتي البرية والبحرية والجوية ستشارك في التدريبات، وأن اليابان سوف تُصدِر مزيداً من التفاصيل حول حجم الانتشار والأنشطة التدريبية المحددة في منتصف شهر إبريل”.
ولا ريب في أن هذه الخطوة تُمثِّل تحولاً تاريخياً في انخراط اليابان الأمني في منطقة جنوب شرق آسيا من جانب، وتسلط الضوء على تعميق العلاقات الدفاعية بين طوكيو ومانيلا في ظل تصاعد التوترات الإقليمية من جانب آخر.
بالنسبة لليابان، تعكس هذه الخطوة التطور التدريجي لسياستها الأمنية؛ فبينما لا يزال دستور البلاد السلمي يفرض قيوداً على استخدام القوة، فقد وسَّعت طوكيو بشكل مضطرد دور قوات الدفاع الذاتي في التعاون الأمني الدولي. وبالنسبة للفلبين، توفر العلاقات الدفاعية الأعمق مع اليابان طبقة إضافية من الردع، حيث تسعى مانيلا إلى تعزيز قدرتها على الاستجابة للتحديات الأمنية الإقليمية، وتُقدِّم لها اليابان سفن الدوريات وأنظمة المراقبة وغيرها من أشكال المساعدة الدفاعية البحرية.
ويأتي توسيع دور اليابان في مناورات باليكاتان في أعقاب دخول “اتفاقية الوصول المتبادل بين اليابان والفلبين” حيز التنفيذ في 11 سبتمبر 2025 بَعْد المصادقة عليها داخل الدولتين. وتسمح هذه الاتفاقية بتعاون عسكري أكبر بين الدولتين من خلال تبسيط إجراءات نشر القوات والمعدات العسكرية في أراضي كل منهما للتدريب المشترك ولعمليات الاستجابة للكوارث.
وكانت تقتصر مشاركة اليابان في مناورات باليكاتان السابقة على وجود مراقبين أو أفراد يشاركون في التدريب على المساعدات الإنسانية والإغاثة في حالات الكوارث. أما الآن، فسوف تشارك الوحدات اليابانية في المناورات في سيناريوهات تدريبية تتضمن عمليات دفاعية مع حمل الأسلحة، وهو ما يُمثِّل تحولاً كبيراً عن مشاركاتها السابقة.
الجوانب العملياتية “الدفاعية” الجديدة:
وفقاً للسياق الاستراتيجي الراهن، وبناءً على تصريحات مسؤولين فلبينيين، تهدف مناورات باليكاتان 2026 بشكل أساسي إلى ردع ما تصفه “العدوان في بحر الصين الجنوبي ومضيق تايوان”، لتكون بمثابة استعراض “للاستعداد القتالي” وتعزيز معاهدة الدفاع المشترك بين الولايات المتحدة والفلبين.
وإذا كانت المناورات ركزت في السنوات الثلاثة الأخيرة على محاكاة “سيناريوهات معركة واسعة النطاق” لتعزيز الدفاع الجوي والصاروخي المتكامل، وردع التهديدات في المناطق المُتنازَع عليها في بحر الصين الجنوبي؛ فإن مناورات 2026 سوف تشهد تركيزاً علمياتياً جديداً نسيباً في الإطار نفسه، بحيث ستشمل تدريبات بالذخيرة الحية بما في ذلك هجوم صاروخي لإغراق قارب في المياه القريبة من بحر الصين الجنوبي، واستخدام الأسلحة المتقدمة مثل صواريخ باتريوت، وأنظمة الدفاع الجوي “أفنجرز”، وأنظمة صواريخ تايفون وNMESIS. كما سوف تشهد أيضاً إدخال تدريبات سيبرانية باعتبارها عاملاً جوهرياً في الاستجابة السريعة في الحروب الحديثة، وذلك وفقاً لرئيس أركان القوات المسلحة الفلبينية الجنرال روميو براونر جونيور.
بكلمات أخرى، فقد صُمِّمت تدريبات هذه السنة لتعزيز القدرات المشتركة في مجال الأمن البحري، وعمليات الإنزال البرمائي، والضربات البحرية بالذخيرة الحية، بهدف تعزيز قدرات الدفاع ضد التهديدات الصاروخية وحماية المناطق المُتنازَع عليها في بحر الصين الجنوبي.
ومن حيث المكان، سوف ترتكز مناطق المناورات هذه السنة في بالاوان بالقرب من بحر الصين الجنوبي، وكذلك مدينة تاكلوبان ومناطق أخرى في أنحاء الفلبين. ويُتوقَّع أن تتجاوز التدريبات نطاق “البحر الإقليمي” التابع للفلبين كما حدث في آخر مناورتيْن.
توسيع التعاون الأمني متعدد الأطراف في “الإندوباسيفيك”:
علاوةً على مشاركة اليابان بوحدات قتالية لأول مرة إلى جانب الولايات المتحدة والفلبين؛ فسوف تشارك أستراليا ونيوزيلندا وكندا بشكل رمزي. ووفقاً لوكالة المعلومات الفلبينية، سوف تشارك فرنسا بسفينة الإنزال البرمائي من فئة ميسترال، وبفرقاطة من فئة لافاييت، وبأجهزة استشعار متطورة.
وتعكس هذه المشاركات تحولاً مهماً في التعاون الأمني الإقليمي وتوسيع التعاون الدولي متعدد الأطراف في أمن منطقة “الإندوباسيفيك”. وفي هذا الصدد، قال الجنرال براونر جونيور: “بمشاركة اليابان، سوف يتسع نطاق عملياتنا الدفاعية، فنحن نعمل الآن ليس فقط مع الولايات المتحدة وأستراليا في الاستعداد للدفاع عن الأرخبيل الفلبيني، بل أيضاً عن مناطقنا المشتركة”، مضيفاً أن “التدريبات تهدف إلى الاستعداد لمجموعة واسعة من حالات الطوارئ، بما في ذلك الكوارث الطبيعية والأزمات العسكرية”.
في الإطار ذاته، أكد مسؤولون دفاعيون من اليابان وأستراليا والفلبين والولايات المتحدة على أهمية التدريبات المشتركة وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتنسيق العملياتي في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، وهو ما يشير إلى أن مناورتات باليكاتان هذه السنة تعكس توجهاً أوسع نحو تعزيز التنسيق بين حلفاء الولايات المتحدة وشركائها في المنطقة.
ومما لا شك فيه، فإن هذه الرسائل في مجملها مُوجَّهة إلى الصين، ولا سيما في ظل تصاعد حدة المواجهات بين السفن الصينية والفلبينية حول مناطق مُتنازَع عليها مثل شعاب توماس الثانية، وكذلك في ظل مساعي مانيلا في الأعوام الثلاثة الأخيرة إلى تعزيز تعاونها الأمني مع الحلفاء والشركاء داخل وخارج المجال الآسيوي. ولا ينفصل عن ذلك تزايد الاحتكاك البحري بين الصين واليابان بالقرب من جزر سينكاكو/دياويو المُتنازَع عليها بين الدولتين.
” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.