قانون “خدمة العلم”:
تباين مقاربات الإصلاح الهيكلي في منظومة الدفاع العراقية
أعاد طرح مشروع قانون “خدمة العلم” أو التجنيد الإلزامي في العراق إحياء الجدل حول أجندة إصلاح منظومة الأمن والدفاع، وينطلق الجدل من تباين القوى السياسية حول أولويات الإصلاح وأهدافه وجدواه العسكرية والاجتماعية، وتأثيراته المحتملة في موازين القوى في ظل تعدد الهياكل داخل منظومة الدفاع.
أولاً: دوافع وأهداف مشروع قانون “خدمة العلم”
يهدف مشروع قانون “خدمة العلم” إلى إعادة نظام التجنيد الإلزامي في العراق بعد توقفه منذ عام 2003، وذلك في إطار إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع في المجال الأمني وتوجيه الموارد البشرية داخل القطاع الأمني. ويتضمن القانون إطاراً تنظيمياً متكاملاً لإدارة عملية التجنيد، بما يشمل تحديد الفئات المستهدفة والمعفاة، وآليات الاستدعاء، ونظم التدريب.
تجديد الموارد البشرية (دورة الأجيال): أو ما يشار إليه في فلسفة القانون بتجديد دماء المؤسسة، ويقوم قانون “خدمة العلم” على إلزام المواطنين الذكور ضمن فئة عمرية تمتد من 18 إلى 45 عاماً بأداء خدمة عسكرية لفترة زمنية محددة، وفق ضوابط قانونية وتنظيمية تضعها الدولة. كما تختلف مدة الخدمة بحسب المستوى التعليمي؛ ما يعكس محاولة لتحقيق توازن بين متطلبات الخدمة العسكرية والاعتبارات المهنية والتعليمية للأفراد.
وبالتالي يستهدف القانون شريحة واسعة من جيل الشباب (عدد من يصلح للخدمة العسكرية سنوياً ما بين 500 إلى 600 ألف) من بين عدد سكان يصل إلى 45 مليوناً، فيما يقدر العدد الفعلي الذي يمكن تجنيده بنحو 100 إلى 120 ألف فرد (تتوقف على الصلاحية الطبية، إعفاء الحالات الاجتماعية، والإعفاءات المدفوعة، إضافة إلى القدرة الاستيعابية للبنية التحتية المتاحة والتي سيجري إنشاؤها وتوسيع الهيكل الإداري المصاحب لعملية التجنيد).
الجوانب التنظيمية والحقوق المرتبطة بالخدمة: ينظم القانون حقوق المجندين من خلال منح رواتب ومخصصات خلال فترة الخدمة، واحتساب هذه الفترة لأغراض التقاعد والترقية، إضافة إلى منح أولوية في التوظيف الحكومي بعد إتمام الخدمة. وفي المقابل، يفرض التزامات قانونية واضحة على المشمولين، وعقوبات التخلف (القانونية والمادية)؛ بما يهدف إلى ضمان الالتزام العام.
تأسيس قوة احتياط عسكري: تتمثل الأهمية الأساسية للقانون في إنشاء قاعدة بشرية منظمة يمكن استخدامها كقوة احتياط عسكرية؛ وهو ما يفتقر إليه النظام الأمني العراقي الذي اعتمد منذ عام 2003 على نموذج التطوع. كما يسهم القانون في تعزيز قدرة الدولة على تعبئة الموارد البشرية في حالات الطوارئ.
الأبعاد الاجتماعية والوطنية: يحمل القانون أبعاداً اجتماعية تتجاوز المجال العسكري؛ إذ ينظر إليه كأداة لتعزيز الانتماء الوطني وبناء هوية جامعة في مجتمع يعاني من انقسامات سياسية واجتماعية. كما يسهم في ترسيخ قيم الانضباط والمسؤولية، ويطرح كآلية جزئية لمعالجة البطالة من خلال استيعاب أعداد من الشباب ضمن الخدمة الوطنية بشكل عام ولو لفترة مؤقته.
الاستجابة للإصلاح الأمني: تنبع أهمية القانون من ارتباطه بإطار أوسع لإصلاح القطاع الأمني؛ حيث يمكن أن يشكل إحدى أدوات إعادة التوازن داخل المنظومة الدفاعية، خاصة في ظل الاختلالات القائمة بين مكوناتها المختلفة.
ثانياً: مواقف القوى السياسية من مشروع القانون
تكشف خريطة المواقف داخل البرلمان العراقي تجاه مشروع قانون “خدمة العلم” عن انقسام متعدد الأطراف على النحو التالي:
– اتجاه التأييد: يتبنى عدد من الفاعلين السياسيين داخل البرلمان مشروع قانون “خدمة العلم” بوصفه أداة لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتعزيز الهوية الوطنية في سياق يتسم بتفكك الانتماءات وتعدد الولاءات؛ ومن ثم فقد يشكل التجنيد الإلزامي وسيلة لتعزيز الانضباط والاندماج الوطني.
كما ينظر المؤيدون إلى القانون بوصفه وسيلة لتوفير قاعدة احتياط منظمة يمكن تعبئتها في حالات الطوارئ، ويرتبط هذا الطرح بالإطار الأوسع لاستراتيجية الإصلاح الأمني (2024–2032) لإعادة تنظيم المجال الأمني، وليس مجرد إجراء إداري منفصل.
– اتجاه المعارضة: تعارض قوى رئيسية داخل الإطار التنسيقي مشروع القانون، وتستند إلى تصور مختلف لطبيعة القوة العسكرية الحديثة ووظيفة المؤسسة الدفاعية. وينطلق هذا الاتجاه من أن الجيوش المعاصرة لم تعد تعتمد على الكثافة العددية بالدرجة الأولى؛ بل على مستوى الجاهزية والاحترافية والتسليح النوعي والتكنولوجيا، والقدرة على إدارة الحرب الحديثة.
ومن ثم، فإن إعادة العمل بالتجنيد الإلزامي على نحو ما كان قائماً قبل 2003، من وجهة نظر هذا التيار؛ قد تمثل عودة إلى نموذج تعبوي تقليدي لا يتلاءم مع متطلبات البيئة العسكرية الراهنة.
– الاتجاه الإصلاحي المشروط: يظهر اتجاه ثالث داخل البرلمان يمكن وصفه بالاتجاه الإصلاحي المشروط، وهو لا يعارض فكرة التجنيد الإلزامي من حيث المبدأ؛ لكنه يربط القبول بها بتنفيذ إصلاحات هيكلية ومؤسسية مسبقة داخل المنظومة الأمنية.
ينطلق هذا الاتجاه من أن إدخال نظام تجنيد إلزامي داخل بنية تعاني من تعدد مراكز القرار، وضعف التكامل بين مكوناتها، وتفاوت المرجعيات القانونية والإدارية، قد يقود إلى نتائج عكسية، بدلاً من أن يشكل مدخلاً فعلياً للإصلاح.
ويحذر هذا الاتجاه من أن توسيع القاعدة العددية قبل إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية قد يؤدي إلى تعميق التنافس بين التشكيلات المختلفة على الموارد البشرية، وإلى زيادة الضغوط المالية والتنظيمية على الدولة؛ لذلك يضع أصحاب هذا الاتجاه أولوية إعادة الهيكلة، وتوحيد القيادة، وتحقيق قدر أعلى من التكامل المؤسسي قبل الانتقال إلى مرحلة توسيع القاعدة البشرية عبر التجنيد الإلزامي.
– الموقف الكردي: يتقاطع موقف الكتل الكردية مع موقف المعارضة، خاصة فيما يتعلق بحسابات التكلفة والعائد، ومع ذلك فإنها تضيف بعداً عملياً وسياسياً يتعلق بصعوبة تطبيق قانون موحد في ظل تباين الأطر التنظيمية، ومستويات التنسيق والثقة على المستوى الإقليمي والاتحادي، وما يرتبط بذلك من إشكاليات توزيع الصلاحيات والموارد.
ومن ثم، لا يعكس الموقف الكردي اعتراضاً على التجنيد الإلزامي بقدر ما يعكس تحفظاً على تطبيقه في بيئة لم تحسم فيها بصورة نهائية قضايا الاندماج الأمني، والتنسيق المؤسسي، والعلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم في المجال الدفاعي.
– أبعاد غير معلنة: كشف الجدل حول القانون اعتبارات أكثر عمقاً ترتبط بطبيعة النفوذ داخل المنظومة الأمنية، وبالعلاقة القائمة بين القوى السياسية وبعض التشكيلات المسلحة أو مراكز القوة داخل المؤسسات الأمنية القائمة. فبعض الأطراف لا تنظر إلى قانون “خدمة العلم” بوصفه مجرد سياسة تجنيد؛ بل بوصفه إجراءً قد يعيد توزيع الموارد البشرية داخل المؤسسة العسكرية، ويؤثر بالتبعية في توازنات النفوذ القائمة بين مكونات المنظومة الأمنية.
وفي هذا السياق، يصبح القانون بالنسبة لبعض القوى أداة محتملة لإعادة رسم خرائط القوة الصلبة، سواء عبر تعزيز موقع الجيش النظامي، أو عبر إعادة تعريف العلاقة بينه وبين بقية التشكيلات المسلحة، أو عبر التأثير في أنماط الاستقطاب والتجنيد؛ ومن ثم فإن جانباً من التحفظات السياسية تجاه المشروع يرتبط بهذا البعد غير المعلن، الذي يجعل النقاش حول القانون يتداخل مع صراعات أوسع تتعلق بإعادة تشكيل الدولة الأمنية.
ثالثاً: الإشكاليات والتحديات الهيكلية والتنظيمية
يتحدد أثر التجنيد الإلزامي، في أي سياق وطني، بمدى توافقه مع البنية المؤسسية التي يفترض أن يطبق في إطارها. وفي هذا السياق يظهر عدد من الإشكاليات في الحالة العراقية، ومنها:
- تعدد الهياكل الأمنية والعسكرية: تضم المنظومة الأمنية العراقية تشكيلات متعددة تشمل: الجيش، والحشد الشعبي، وقوات البشمركة، إلى جانب أجهزة أمنية واستخبارية وشرطية متعددة، وتعمل وفق مرجعيات قانونية وإدارية وتنظيمية متباينة في أساليب الإدارة والتجنيد والتمويل والقيادة؛ وبالتالي يصعب بناء سياسة تجنيد موحدة تطبق بصورة متجانسة على جميع مكونات المنظومة الدفاعية.
- التضخم العددي واختلال التوازن الهيكلي: تعاني المنظومة الأمنية والدفاعية من تضخم عددي (أكثر من مليون منتسب تقريباً)، مع نمو غير متوازن بين مكوناتها المختلفة؛ حيث تشير تقديرات (2024–2025) إلى أن عدد الجيش يبلغ نحو 200 ألف، والحشد الشعبي نحو 238 ألفاً، بينما يبلغ عدد قوات البشمركة نحو 110 آلاف. ويعكس هذا التفاوت خللاً في توزيع الموارد البشرية داخل المنظومة الدفاعية، ويطرح تساؤلات جوهرية حول جدوى إضافة ما يقارب 120 ألف مجند سنوياً؛ ولكنه يلفت الانتباه في الوقت نفسه إلى عدم وجود تفسير للاتجاه الانتقائي الخاص بالحشد الشعبي في ظل تضاعف حجم القوة البشرية على مدار عقد واحد (120 إلى 238 ألف منتسب) وتضاعف موارده وتمويله وقدراته بالتبعية.
- ضعف التكامل وتعدد مراكز القرار: تعمل مكونات المنظومة الأمنية العراقية بدرجات متفاوتة من الاستقلالية، سواء على مستوى القيادة أو التمويل أو العقيدة القتالية أو الإدارة اليومية. ويؤدي هذا الواقع إلى تعدد مراكز القرار، وإلى ازدواجية في التوجيه، وضعف في التكامل بين التشكيلات. وفي بيئة كهذه، يصبح من الصعب إخضاع المجندين الجدد لمعايير موحدة في التدريب والانضباط والعقيدة القتالية؛ ما يقلل من قدرة التجنيد الإلزامي على بناء قوة عسكرية متماسكة ذات مرجعية موحدة.
- الأعباء المالية والاستدامة: تمثل الكلفة المالية أحد أبرز التحديات التنظيمية المرتبطة بتطبيق خدمة التجنيد الالزامي وتشمل: الرواتب والتدريب والتسليح والبنية التحتية والرعاية الصحية، وسائر المتطلبات اللوجستية والإدارية. وفي ظل إنفاق أمني مرتفع (يصل إلى 7 مليارات دولار سنوياً) إضافة إلى مخصصات استثنائية للتسليح (نحو 5 مليارات في 2024–2025)؛ قد يتحول المشروع إلى عبء مالي مستدام إذا لم يقترن بإعادة هيكلة الإنفاق الدفاعي.
- محدودية البنية التحتية والجاهزية اللوجستية: يفترض استيعاب عشرات الآلاف من المجندين سنوياً وجود بنية تحتية متطورة تشمل معسكرات تدريب ومرافق إيواء وتجهيزات لوجستية طبية وتعليمية وأنظمة إدارة حديثة، وقدرات كافية على الإشراف والتنظيم. وهي غير متوفرة بالقدر الكافي وفق التقديرات العراقية؛ وهو ما قد يفرض نمطاً تدريجياً للاستيعاب المنظم لدفعات التجنيد الإلزامي.
- التنافس المؤسسي والاستقطاب: قد يؤدي إدخال التجنيد الإلزامي إلى خلق حالة من التنافس بين التشكيلات المختلفة على الموارد البشرية، ولا سيما في ظل اختلاف الامتيازات، والتباين في شروط الخدمة، وتعدد المرجعيات والانتماءات. كما أن البيئة السياسية والاجتماعية المنقسمة قد تؤثر في أنماط انخراط المجندين؛ بما يفتح المجال أمام أشكال من الاستقطاب الهوياتي أو السياسي، بدلاً من أن يسهم القانون في بناء هوية عسكرية وطنية جامعة. وفي هذه الحالة، قد يتحول القانون من أداة للدمج الوطني إلى ساحة جديدة لإعادة إنتاج الانقسامات.
السيناريوهات المحتملة: يتحدد المسار المستقبلي لمشروع قانون “خدمة العلم” في ضوء مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها طبيعة التوازنات السياسية داخل البرلمان، ومستوى الجاهزية المؤسسية والأمنية، ومدى ارتباط القانون بمسار إصلاحي أوسع داخل القطاع الأمني؛ ومن ثم فإن مستقبل هذا المشروع لا يرتبط فقط بإمكانية إقراره من عدمها؛ بل أيضاً بكيفية تطبيقه، والسياق البنيوي الذي سيعمل ضمنه، والآثار السياسية والتنظيمية التي قد تترتب عليه. وبناءً على ذلك، يمكن تصور عدد من السيناريوهات الرئيسية:
– التعثر والتأجيل: في ظل استمرار الانقسام السياسي بين الكتل البرلمانية من الوارد أن يتم تأجيل القانون؛ بعد توصيات سياسية عديدة بهذا الشأن، بعضها أظهرته مراكز الفكر السياسي العراقي. وفي هذه الحالة سيبقى النقاش قائماً في المجال العام دون أن يتحول إلى تشريع نافذ.
– الإقرار التوافقي المحدود: وهو سيناريو أقل ترجيحاً، ويقوم على تمرير القانون بعد إدخال تعديلات واسعة عليه تقلص من نطاقه وفعاليته، مثل تقليص مدة الخدمة، أو توسيع نطاق الإعفاءات، أو اعتماد تطبيق تدريجي محدود النطاق.
أو حتى مقايضات تشريعية مثل (القانون الجديد للحشد الشعبي) ويتيح هذا المسار تحقيق قدر من التوافق السياسي الشكلي حول المشروع؛ لكنه في المقابل يحد من أثره الاستراتيجي، ويجعل من القانون إجراءً رمزياً أكثر منه أداة إصلاح فعلي. وفي هذا السياق، قد يجري التعامل مع القانون بوصفه تسوية سياسية تتيح تمريره من دون المساس الحقيقي بالتوازنات القائمة أو بإشكاليات المنظومة الأمنية.
” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.