تعديلات دستور بيونغ يانغ: التخلي عن توحيد الكوريتين وتحولات في سلطة القيادة والسيطرة النووية

الرئيسية مقالات
محمود قاسم باحث متخصص في قضايا الصراعات المسلحة، ونائب رئيس تحرير دورية "اتجاهات آسيوية"
تعديلات دستور بيونغ يانغ: التخلي عن توحيد الكوريتين وتحولات في سلطة القيادة والسيطرة النووية

 

تعديلات دستور بيونغ يانغ: التخلي عن توحيد الكوريتين وتحولات في سلطة القيادة والسيطرة النووية

 

 

 

كشفت التعديلات الدستورية التي أقرتها كوريا الشمالية عن تحولات جذرية في الفكر الاستراتيجي لــبيونغ يانغ؛ حيث أعادت صياغة مفاهيم ظلت راسخة لعقود في دستور البلاد ووثائقها الرسمية، يأتي في مقدمتها شكل وطبيعة العلاقة مع كوريا الجنوبية والتخلي عن فكرة توحيد الكوريتين، وإضافة بنود تتعلق بالحدود الإقليمية، وسلطة الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون، خاصة فيما يتعلق بتحكمه في السياسة النووية للبلاد وحقه في تفويض استخدام السلاح النووي إلى هيئة القيادة النووية للدولة. كما تم تغيير مسمى الدستور من “الدستور الاشتراكي لجمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية” إلى “دستور جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية”.

ورداً على هذه التعديلات، التي أقرتها كوريا الشمالية في مارس الماضي، وكشفت عنها وسائل إعلامية يوم 6 مايو الجاري، أعلنت الرئاسة الكورية الجنوبية في اليوم التالي أنها ستواصل جهودها للسلام. وجاء في رد لمكتب الرئيس الكوري الجنوبي لي جيه ميونغ القول: “سنراجع بصورة شاملة المسائل المتعلقة بتقدم عملية مراجعة دستور كوريا الشمالية”، مضيفاً: “استناداً إلى مراجعة شاملة، ستواصل الحكومة تعزيز سياسة التعايش السلمي في شبه الجزيرة الكورية”.

تعزيز سلطات الرئيس وترسيم حدود الدولة:

أضافت التعديلات الدستورية مزيداً من الصلاحيات والسلطات للزعيم الكوري، فعلى صعيد التعديلات الشكلية، تم تغيير مسماه إلى رئيس الدولة، بعدما كان يُوصَف في الدساتير السابقة بـ”الزعيم الأعلى”. كما جاءت المواد المتعلقة بسلطاته وصلاحياته في مقدمة المواد المتعلقة بمؤسسات الدولة، وهذه هي المرة الأولى في تاريخ الدساتير الكورية التي تُعرَض فيها صلاحيات وسلطات الرئيس قبل صلاحيات واختصاصات الجمعية الشعبية العليا (مجلس النواب).

ولم تذكر التعديلات الجديدة اسم الزعيم المؤسس لكوريا الشمالية، كيم إيل سونغ، ووالد الرئيس الحالي كيم جونغ إيل، إلا مرتين فقط، وذلك خلافاً للدساتير السابقة التي توسعت في الحديث عن إنجازاتهما وتاريخهما في بناء الدولة، وذكرت اسم الأول 21 مرة، والثاني 15 مرة؛ وهو ما اعتبره البعض إشارة إلى بداية عهد جديد للرئيس كيم جونغ أون، يتجاوز فيه الموروث التقليدي وإرث الأجداد.

وقد وسعت التعديلات صلاحيات الرئيس الكوري الشمالي، ومنحته حق تعيين كبار المسؤولين وعزلهم، بمن فيهم رئيس مجلس الشعب الأعلى ورئيس الوزراء، مع إلغاء الأحكام التي كانت تسمح نظرياً لمجلس الشعب الأعلى بعزل الرئيس.

وكشفت التعديلات عن قيام كوريا الشمالية، ولأول مرة منذ اعتماد دستورها في عام 1948، بإضافة بند جديد يتعلق بحدودها مع دول الجوار. وقد حظي هذا البند بأهمية كبيرة؛ لأنه أعاد تعريف كوريا الشمالية كدولة منفصلة عن كوريا الجنوبية. وذكرت التعديلات أن حدود أراضي كوريا الشمالية هي المنطقة التي تحد الصين وروسيا من الشمال وجمهورية كوريا من الجنوب.

ويُلاحظ أن التعديلات لم تتطرق إلى الحدود البحرية في البحر الأصفر، بما في ذلك خط الحد الشمالي المُتنازَع عليه؛ وهو ما فسره البعض برغبة كوريا الشمالية في تجنب التصعيد مع كوريا الجنوبية على الأقل في الوقت الراهن، مع إعطاء الأولوية لتأمين الحدود البرية وتثبيت الوضع الجديد في الدستور كأمر واقع.

القيادة والسيطرة واستخدام السلاح النووي:

منحت التعديلات للمرة الأولى سلطة قيادة القوات النووية لكوريا الشمالية للرئيس الكوري، ونصت على بند جديد يتعلق بحقه في تفويض استخدام القوات النووية إلى هيئة القيادة النووية للدولة. ويؤسس هذا التفويض باستخدام القوة النووية وضعاً دستورياً يسمح باستخدامها على الفور؛ إذا ما تعرضت القيادة الكورية الشمالية لتهديد وجودي أو في حالة اغتيال الرئيس كيم نفسه.

وعلى الرغم من أن هذه السياسة كانت موجودة في وقت سابق؛ حيث تنص المادة رقم 3 من قانون السياسة النووية على: “إذا تعرَّض نظام القيادة والسيطرة على القوات النووية للدولة للخطر بسبب هجمات القوات المعادية يتم شن ضربة نووية تلقائياً وفورياً”؛ فإن الإشارة إليها في الدستور تضفي عليها مزيداً من الأهمية والمشروعية.

ولقد رسَّخت التعديلات بهذا الشكل وضع كوريا الشمالية كدولة نووية إلى الأبد مثلما حدث في تعديلات 2023، خاصة وأنها تنظر إلى تطوير السلاح النووي باعتباره الضامن الأول لبقاء الدولة ولردع العدوان. ويشير ربط القيادة النووية بالرئيس الكوري، وحقه الدستوري في تفويض استخدام القوات النووية، إلى أن السلاح النووي أصبح جزءاً من هوية الدولة، وأن التنازل عنه لم يَعُد محلاً للتفاوض؛ ما يعني أنها قد تتجه في المدى المنظور نحو التوسع السريع في التسليح وتعزيز القدرات النووية.

وتذهب بعض التقديرات إلى أن هذا التعديل أُجري بَعد تطبيق “استراتيجية قطع الرؤوس الأمريكية” على رؤساء دول، بَعد اعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، واغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي؛ ما يشير إلى مخاوف كوريا الشمالية من تكرار هذا النموذج معها، مع الأخذ في الاعتبار أن تنفيذ هجوم يستهدف الرئيس كيم ودائرته المقربة لن يكون سهلاً، في ضوء الحدود المغلقة لكوريا الشمالية، والقيود المفروضة على الأجانب الموجودين في البلاد؛ ما يجعل فكرة الاختراق الاستخباراتي أمراً بالغ الصعوبة.

التخلي عن فكرة إعادة التوحيد مع كوريا الجنوبية:

انتهت التعديلات الدستورية إلى تراجع كوريا الشمالية عن فكرة التوحيد مع جارتها الجنوبية؛ حيث حُذفت العبارات، التي كانت تؤكد “الاستقلال وإعادة التوحيد السلمي والوحدة الوطنية العظيمة” من الدستور السابق، وكذلك العبارات المتعلقة بـ”التعهد بالنضال من أجل تحقيق التوحيد الوطني”.

وتتماشى هذه التعديلات مع التحول في الخطاب السياسي والفكر الاستراتيجي المُعلَن من جانب الزعيم الكوري كيم جونغ أون، تجاه كوريا الجنوبية، منذ ديسمبر 2023، حين دعا خلال الاجتماع العام للجنة المركزية لحزب العمال الكوري الحاكم إلى تغيير جذري في التعامل مع سيول، قائلاً إنه لن “يَعتبر كوريا الجنوبية شريكاً للمصالحة والتوحيد”، وإن “العلاقة بينهما لم تَعُد علاقة بين شعبين متماثلين؛ بل أصبحت علاقات بين دولتين متخاصمتين أو دولتين في حالة قتال”. وهذه الفلسفة شكلت الأساس المرجعي لفكرة التخلي عن الوحدة والأمة الكورية المشتركة. وقد سبق ذلك، استخدام اسم (جمهورية كوريا) بدلاً من (كوريا الجنوبية أو الجنوب) في البيانات الرسمية الصادرة عن الحزب الحاكم منذ يوليو 2023.

ومع ذلك، لم تُدرِج التعديلات الدستورية الأخيرة كوريا الجنوبية كدولة معادية، على خلاف ما أُعلِنَ في أكتوبر 2024 حينما وُصفت بهذا الوصف. ويمكن النظر في هذا الأمر وفق وجهتي نظر، الأولى تعتبر ذلك مقدمة لاختبار فكرة التعايش السلمي والعمل على فتح قنوات للتواصل، خاصة بعدما قررت بيونغ يانغ في مايو الجاري إرسال فريق كرة قدم نسائي إلى منافسة دولية في كوريا الجنوبية لأول مرة منذ عام 2018.

أما وجهة النظر الثانية، فترى أن اختفاء لغة العداء من الدستور لا يشير بالضرورة إلى تطبيع العلاقات أو رغبة كوريا الشمالية في إقامة علاقات سلمية مع الجنوب؛ بل إنه محاولة لإعادة تعريف كوريا الشمالية كدولة طبيعية مثل أي دولة أخرى، تُعرِّف خصومها في وثائق الدفاع الرسمية ومراجعات الدفاع، ولا تعرفهم بهذه الصفة في نصوص دستورية.

وربما يهدف النظام الكوري الشمالي من التخلي عن إعادة التوحيد إلى تعزيز جهوده في عزل المجتمع بعيداً عن النموذج الكوري الجنوبي؛ حيث تنظر القيادة السياسية في بيونغ يانغ إلى هذا النموذج على أنه تهديد، وأن الثقافة الكورية تُعد غزواً تجب مقاومته؛ فقد وصف كيم جونغ أون، في يونيو 2021، الثقافة الكورية الجنوبية بأنها “سرطان خبيث”، يُفسد المجتمع الكوري الشمالي، وحذرت المؤسسات الرسمية من أنه إذا تُرِكَ هذا التأثير دون رقابة؛ فإنه سيجعل كوريا الشمالية تنهار.

في ضوء ذلك، تعطي فكرة التخلي عن مفاهيم الأمة الكورية المشتركة مبرراً أوسع للنظام الكوري الشمالي لفرض مزيد من القيود ضمن مساعيه للحد من جاذبية النموذج الجنوبي في البلاد؛ حيث أشارت تقارير في 22 مارس 2026، إلى أن السلطات الكورية أصدرت تعليمات في مقاطعة هامغيونغ الشمالية، بتكثيف الجهود لقطع جميع الروابط الفكرية والثقافية مع كوريا الجنوبية.

أخيراً، يمكن تأكيد أن هذه التعديلات الدستورية الأخيرة في كوريا الشمالية تُعد الأبرز والأهم في سلسلة تعديلات دستورية اتخذت نمطاً متكرراً منذ اعتماد دستورها الاشتراكي في عام 1972؛ حيث أدخلت نحو 12 تعديلاً دستورياً منذ ذلك الوقت.

ويعود ذلك إلى أن تعديلات 2026 تشير إلى تحولات كبرى في الفكر الاستراتيجي لكوريا الشمالية؛ فهي تُمثل قطيعة مع الماضي إلى حد بعيد، سواءً فيما يختص بسلطات وصلاحيات الرئيس “الزعيم سابقاً”، أم فيما يتعلق بوضع حدود للدولة للمرة الأولى، أم فيما يرتبط بالتخلي كلياً عن هدف ومفاهيم “إعادة التوحيد” مع كوريا الجنوبية، أم فيما حدث من تغييرات في سلطة القيادة والسيطرة على السلاح النووي ومن له الحق في استخدامه والتفويض باستخدامه.


اترك تعليقاً