اتجاهات مستقبلية
احتياطيات الطاقة وصدمة الأسواق الدولية
يواجه الاقتصاد العالمي أزمة طاقة غير مسبوقة تفوق ما سبقها من أزمات، إثر إغلاق مضيق هرمز، الشريان الحيوي لخُمس استهلاك العالم من النفط، إضافة إلى إمدادات الغاز المسال. وبينما تضطرب أسواق الطاقة، تغيب البدائل الأمريكية والفنزويلية عن تعويض الأسواق من صدمة هرمز الممتدة إلى ما بعد الحرب.
لقد قَلّ المعروض في السوق من الطاقة، وارتفعت الأسعار، ولم تجد الأسواق في استخدام الاحتياطيات إلا مهدئًا للسوق، وليس مُعوضًا عن إنتاج دول الخليج من النفط والغاز المتناقص إثر تهديد الملاحة وإغلاق مضيق هرمز.
وبينما كانت أسعار النفط تتراوح بين 60 و65 دولارًا للبرميل، تجاوزت المئة دولار إلى 110 دولارات وما فوقها في أوقات مختلفة من الصراع، بسبب الحرب واستهداف السفن ومنشآت الطاقة وإغلاق هرمز، واضطراب الإمدادات العالمية. وقد أدى استخدام المخزونات الاحتياطية إلى تراجعها، بما يضغط على السوق حتى بعد الحرب والوصول إلى نقطة استقرار مستدامة، لحاجة الدول إلى تعويض الكميات المستخدمة من المخزون الاستراتيجي.
ومع وصول المخزونات إلى مستويات متدنية؛ قد تشهد الأسواق ارتفاعًا حادًّا في الأسعار، بما يتجاوز المستويات التي شهدتها الحرب بكثير، إذ تساعد المخزونات في إبقاء أسعار النفط تحت السيطرة. ويبقى أي حل مستدام في الوقت الحالي لأزمة الطاقة العالمية مرهونًا بإعادة فتح هذا الممر الحيوي، واستقرار حركة الشحن، وحرية الملاحة بلا عقبات، والتحول من نقطة اختناق تهدد استقرار الإمدادات العالمية إلى انفراجة لإعادة استقرار سوق الطاقة.
ونظرًا لأن دولًا تمتلك احتياطيات كبيرة -كالولايات المتحدة وفنزويلا- يُتوقع منها أن تمد الأسواق بما يجعلها أكثر استقرارًا، لكن لتحقيق ذلك توجد عقبات عدة؛ منها جاهزية البنية التحتية لتعويض الكم الضخم من المفقود في السوق، وقبول الدول بتوازنات جديدة في سوق الطاقة، بما في ذلك المنافسة، واحتساب طرف على تحالف معين في علاقاتها الدولية.
ومن أجل ذلك اهتمت شركات الطاقة الأمريكية بمنصات حفر النفط بعدما تراجعت في 2025. وتتوقع إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن يرتفع إنتاج النفط الخام من 13.6 مليون برميل يوميًّا في 2025 إلى 13.7 مليون برميل يوميًّا في 2026، وهو ارتفاع قد لا يُحدث الفارق الكبير في الأسواق وقت تراجع مخزونات النفط العالمية مع تعذر التوصل إلى اتفاق يعيد فتح مضيق هرمز بلا عواقب.
ويبرز النفط الفنزويلي بوصفه خيارًا جيدًا للعديد من الدول، مع سماح واشنطن بتخفيف العقوبات على فنزويلا لزيادة الإنتاج العالمي، لكنّ طاقة فنزويلا ترتبط بالموافقة الأمريكية، خاصة بعد التدخل الأمريكي لتغيير السلطة في فنزويلا، وأصبحت إيرادات النفط محفوظة في حسابات تخضع لإشراف الخزانة الأمريكية.
ويمكن لفنزويلا توفير بديلٍ حيويٍّ لبعض الدول في آسيا، لكن الخام الفنزويلي الثقيل غير ملائم لكل الدول. كما أن فنزويلا باحتياطيات النفط الأكبر على مستوى العالم، بتقديرات تتجاوز حاجز الـ 300 مليار برميل، تنتج نحو 900 ألف برميل يوميًّا، وهو ما يمثّل أقل من 1% من الطلب العالمي. وأي زيادة محتملة من فنزويلا محدودة التأثير، ولا يمكنها تغيير قواعد اللعبة في السوق مع تحديات صناعة النفط العالمية؛ فإنتاج مليون برميل إضافي من النفط الفنزويلي يتطلّب استثمارات بنحو 20 مليار دولار.
إن الحرب تسببت -وفقًا لبعض التقديرات- في خسارة بين 600 و700 مليون برميل من إمدادات النفط العالمية، أي أن السوق لا يواجه فقط نقصًا بسيطًا، بل فجوة تراكمية ستظل تؤثر حتى بعد انتهاء الحرب، ولا يمكن لدولة أو مجموعة دول تعويض النفط الخليجي بحجم الإنتاج والاحتياطيات وتطور منشآت الطاقة على الأقل في المدى القريب.
لقد هدَّأت المخزونات النفطية الأمريكية والصينية واليابانية وغيرها من أزمة الطاقة، لكن مع تراجع المخزون وعدم القدرة على تعويضه في المدى القريب، تُطرح من جديد عودة مضيق هرمز للعمل بلا عقبات أو شروط لحرية الملاحة، مع ضمانات سياسية وعسكرية لعدم تكرار الأزمة المفتعلة في أسواق الطاقة الدولية؛ فتبعات الأزمة ستمتد لفترة قد تزيد على السنة حتى التعافي الكامل من الصدمة.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.