ميونخ- شانغريلا 2026: هل ترسم سياسات الأمن والدفاع غير التقليدية ملامح حرب باردة جديدة؟
كانطباع مباشر؛ تكشف محصلة خلاصات منتدى ميونخ للأمن في منتصف فبراير 2026 وحوار شنغريلا في نهاية مايو، أن البيئة الأمنية الدولية لم تعد تعيش توتراً عابراً أو أزمة ظرفية محدودة، بل دخلت مرحلة انتقال مفتوح تتسم باضطراب طويل المدى ولايقين استراتيجي متصاعد. فالأزمات لم تعد منفصلة، والمسارح لم تعد معزولة، والتحالفات لم تعد مستقرة بالمعنى التقليدي، كما أن الخلاف بين القوى الكبرى لم يعد محصوراً في المصالح والسياسات، بل امتد إلى تعريف الأمن ذاته: ما الأمن؟ ومن يملك حق تحديده؟ وبأي أدوات يتحقق؟
وتبدو منتديات ميونخ وشنغريلا، في هذا السياق، كمرآتين مختلفتين لأزمة واحدة. ففي ميونخ برز القلق الأوروبي من مستقبل الأمن الأطلسي، ومصداقية الالتزام الأمريكي، واستمرار الحرب الروسية الأوكرانية، وتراجع اليقين بشأن شكل النظام الدولي قيد إعادة التشكل. وفي شنغريلا ظهر القلق الآسيوي من تصاعد حدة التنافس الأمريكي الصيني، وعسكرة الإندوباسيفيك، وما يتعبه من تزايد تكلفة الأمن وقفزات ميزانيات الدفاع إلى مستويات غير مسبوقة، وآثار التحولات الهيكلية لمؤسسات الدفاع، والقواعد الصناعية العسكرية لاستيعاب التحولات الكثيفة والمتسارعة.
حتى الآن؛ ما تزال القوة الأمريكية مركزية؛ لكنها باتت أكثر اشتراطاً وانتقائية تجاه الحلفاء. فيما يفتح الصعود الصيني مجالاً واسعاً للمنافسة والقلق. بينما تواصل روسيا الرهان على القوة الصلبة لإعادة التموضع في قلب النظام الجديد ضمن معادلة تعدد الأقطاب. كما تحاول القوى المتوسطة والصغيرة جاهدة تأمين هامش الحركة، وتجنب الانجرار الكامل إلى اصطفافات قطبية.
نظرياً، عكست منصات ميونخ وشنغريلا أن الحوار الدولي لم يعد يستند إلى قاموس أمني مشترك. فالأمن في الخطاب الأمريكي يعني الردع، والتحالف، والقدرة العسكرية، وتقاسم الأعباء. وفي الخطاب الصيني يعني التعددية، وفي خطاب “آسيان” يعني التوازن، وفي منظمة شنغهاي للتعاون يرتبط الأمن بالسيادة، وعدم التدخل، والترابط الاقتصادي. وعلى صعيد الجنوب العالمي، فيرتبط الأمن بالشرعية والقانون الدولي والتنمية وقضية المناخ، والبعد الأخلاقي؛ مما يكشف عمق الانقسام في تصور مصادر التهديد ووسائل التعامل معها.
وعملياً، ربما تظهر نقاشات ميونخ وشنغريلا، أن العالم قطع شوطاً في استعادة أجواء الحرب الباردة، لكن بصيغة مختلفة عن النموذج الكلاسيكي الذي حكم حقبة الحرب البادرة في القرن العشرين. فالعالم لا يعود إلى ثنائية صلبة بين الناتو ووارسو، ولا إلى انقسام أيديولوجي بين معسكرين مغلقين؛ لكنه يشهد اندفاعاً نحو منطق الردع والاصطفاف وسباق التسلح، وعسكرة الممرات البحرية، والحروب الهجينة، والتنافس على مناطق النفوذ، وتحويل الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة إلى أدوات ضغط جيوسياسي.
ولدينا عنوانان لهما دلالاتهما الاستراتيجية؛ الأول هو عنوان “تحت الهدم” أو”Under Destruction” الذي اختارته المجموعة المنظمة لمنتدى ميونخ، واستحضر في النقاشات صراحة وضمنياً أجواء الحرب الباردة الجديدة من بوابة الأمن الأوروبي ونقطة التحول التي شكلتها الحرب الروسية الأوكرانية في هذا الصدد، ومن زاوية التساؤل حول مصداقية الضمانات الأمريكية تجاه الحلفاء، والخوف من تراجع اليقين واتساع الشروخ داخل المنظومة الأطلسية. وفي شنغريلا، أُعيد إنتاج المشهد من بوابة آسيا والمحيطين الهندي والهادئ؛ حيث تتقدم الصين بوصفها المنافس الاستراتيجي المركزي للولايات المتحدة، وتتزايد الضغوط الأمريكية على الحلفاء والشركاء لرفع إنفاقهم الدفاعي -بنفس صيغة الناتو- وتطوير قدراتهم القتالية، وتحديد مواقعهم داخل بيئة إقليمية شديدة الاستقطاب. وفق العنوان الثاني الدال أيضاً الذي طرحه وزير الحرب بيت هيغسيث (عهد جديد من المثالية البراغماتية).
هذا المشهد يصنع المفارقات التي تعزز فرضية أن العالم لا يعود إلى حرب باردة كلاسيكية، بل يتجه إلى تعددية مضطربة تحمل ملامح باردة. فهناك استقطاب؛ لكنه ليس بين كتلتين حصراً. ويوجد سباق تسلح؛ لكنه لا يقتصر على الأسلحة التقليدية والنووية، بل يمتد إلى البحر والفضاء والسيبراني والذكاء الاصطناعي. إضافة إلى أن التنافس المعياري، ما يزال له ظل؛ لكنه لا يدور بين الرأسمالية والشيوعية، بل حول مفاهيم السيادة، وحدود التدخل، وقواعد القانون الدولي، وأولويات حرية الملاحة، وأولويات التنمية، والهيمنة التكنولوجية.
مظاهر أمنية جديدة:
تكشف المقارنة بين منتدى ميونخ للأمن وحوار شنغريلا 2026 أن التحول في البيئة الأمنية الدولية لا يقتصر على عودة التنافس بين القوى الكبرى، بل يمتد إلى تغير طبيعة الأمن ذاته وأدوات إدارته. فقد لم تعد السياسات الدفاعية محصورة في الردع العسكري التقليدي أو التحالفات السياسية، بل اتسعت لتشمل الممرات البحرية، وسلاسل الإمداد، والمعادن الحرجة، والفضاء السيبراني، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية تحت سطح البحر، والقطب الشمالي؛ ومن ثم تبدو الحرب الباردة الجديدة أقل انضباطاً من سابقتها، وأكثر تشابكاً بين العسكري والاقتصادي والتكنولوجي والجغرافي.
- عودة الردع إلى مركز السياسة الدولية: أبرز ما يجمع بين ميونخ وشنغريلا هو عودة الردع بوصفه اللغة الرئيسية للسياسة الأمنية. فالخطاب الأمريكي في المنصتين ينطلق من معادلة واحدة: لا سلام بلا قوة، ولا أمن بلا إنفاق دفاعي، ولا تحالف بلا قدرة قتالية، ولا دبلوماسية فعالة من دون ردع. وهي معادلة تعكس جوهر ما تسميه واشنطن “السلام من خلال القوة”؛ لكنها تكشف في الوقت ذاته عودة واضحة إلى منطق الحرب الباردة؛ حيث يصبح السلام نتيجة لتوازن الخوف لا نتيجة لتوافق سياسي مستقر.
غير أن هذه العودة إلى الردع لا تعني بالضرورة أن العالم دخل حرباً باردة مكتملة؛ لكنها تعني أن التفكير الأمني أصبح أكثر ميلاً إلى التحسب لمواجهة طويلة المدى. فالسياسات الدفاعية لم تعد تُبنى على افتراض أن التنافس قابل للاحتواء بسهولة، بل على افتراض أن القوة العسكرية ستظل الضامن الأساسي للاستقرار في أوروبا وآسيا والممرات البحرية.
وتحت هذه المظلة تظهر حروب باردة متعددة، وليست حرباً واحدة، فالمواجهة لم تعد محصورة في الردع النووي أو الانتشار العسكري، بل تشمل الطاقة والمعادن الحرجة، وسلاسل الإمداد، والاستخبارات، والحرب السيبرانية، وحملات التضليل، والنفوذ في الجنوب العالمي. ويمكن النظر إلى التنافس متعدد الأطراف (أمريكي –صيني- روسي) في إفريقيا، على نحو ما ظهر بوضوح في إفادة الجنرال داغفين أندرسون أمام الكونغرس في مايو 2026، والذي يشير إلى اتساع مجالات الحرب الباردة الجديدة إلى ساحات الموارد والموانئ والمعادن الحرجة.
- من التحالفات السياسية إلى التحالفات القتالية: تتجلى إحدى التحولات الكبرى في طبيعة التحالفات نفسها؛ إذ لم تعد التحالفات مجرد أطر سياسية أو مظلات حماية عامة، بل أصبحت تقاس بقدرتها على إنتاج قوة قتالية فعلية، وبمدى قابليتها للانتشار، وبقدرتها على تحمل أعباء الردع. وقد قد لخصت مقولة هيغسيث “شراكات لا محميات” هذا التحول الذي يعيد بدوره إلى الواجهة أحد أهم ملامح الحرب الباردة، وهي التحالفات بوصفها أدوات تعبئة واصطفاف وردع؛ مع الأخذ في الاعتبار أن النسخة الراهنة أكثر اشتراطاً وتعقيداً.
- عسكرة الممرات وسلاسل الإمداد والمعادن الحرجة: من أبرز الفوارق بين الحرب الباردة القديمة والأجواء الراهنة أن التنافس لم يعد يدور فقط حول الحدود البرية أو التوازن النووي، بل حول الممرات البحرية، وسلاسل الإمداد، والطاقة، والمعادن الحرجة، والبنية التحتية تحت سطح البحر. فقد أصبح الأمن البحري أحد أكثر التعبيرات وضوحاً عن تداخل الاقتصاد بالقوة في النظام الدولي الراهن.
ويحسب لحوار شنغريلا، تناول ملف الأمن البحري بشكل أكثر تفصيلاً؛ وهو أمر متوقع بالنظر إلى تداعيات أزمات الشرق الأوسط على الممرات البحرية، واتساع الجدل حول حرية الملاحة وفق قواعد القانون الدولي. وتكتسب هذه النقطة أهمية إضافية عند مقارنتها بمضيق هرمز، في ضوء السياسة الإيرانية الرامية إلى كسر قواعد القانون الدولي، والاستخدام القسري لقوة الردع بمنطق المساومة.
على الصعيد الأوروبي والأطلسي، يتصل الأمن البحري بالبحر الأسود، وشمال الأطلسي، والبحر الأحمر، والقطب الشمالي، وحماية الكابلات البحرية والبنية التحتية الحيوية. فهذه الممرات تشكل تقليدياً مسارات عبور حيوية للتجارة العالمية، لكن مع الوقت تزايدت قيمتها الاستراتيجية؛ ومن يملك القدرة على حمايتها أو تعطيلها يمتلك نفوذاً مباشراً على الطاقة وحركة التجارة وسلاسل الإمداد، والوصول إلى الأسواق.
كما أن البنية التحتية تحت سطح البحر باتت جزءاً أساسياً من التنافس فالكابلات البحرية، وأنابيب الطاقة، والشبكات المرتبطة بالاتصالات والبيانات أصبحت أهدافاً محتملة في الحروب الهجينة. وخطورة هذا المجال أنه يصعب فيه تحديد المسؤولية، كما يصعب ردعه بالأدوات التقليدية، على غرار ما حدث في الحرب الروسية الأوكرانية، بما يضيف بعداً جديداً لأجواء الحرب الباردة؛ حيث توصف أمنياً كصراعات منخفضة الحدة، واسعة الأثر، وغامضة الفاعلين.
- القطب الشمالي كجبهة ناشئة للصراع الجيوسياسي: تتسع دائرة التنافس الجغرافي بين القوى العالمية إلى القطب الشمالي؛ وهو ما شكل قاسماً مشتركاً في ميونخ وشنغريلا، على اعتبار أنه يشكل مسرحاً واحداً متعدداً ما بين آسيا وأوروبا والولايات المتحدة؛ وهو ما تجسد في الصراع على غرينلاند؛ ومن ثم تطورت القضية في ظل مظاهر الحرب الباردة الجديدة من قضية مناخ كانت تهمين عليها أزمة ذوبان الجليد، ثم التكيف مع الظاهرة لاستثمارها في فتح طرق شحن جديدة تربط أوروبا بآسيا؛ لكنه لاحقاً فتح باب المنافسة الشرسة على الموارد والطاقة والملاحة والبنية التحتية؛ ومن ثم ظهرت التنافسات العسكرية بين الناتو وروسيا والصين.
- العصر النووي الجديد: تستعيد البيئة الدولية الراهنة أحد أخطر عناصر الحرب الباردة، وهو مركزية الردع النووي. ففي أوروبا أعادت الحرب الروسية الأوكرانية سؤال الردع النووي إلى واجهة النقاش، سواء من زاوية التهديدات الروسية، أم من زاوية مصداقية المظلة الأمريكية. وفي آسيا، تتداخل المخاوف النووية عبر الصين وكوريا الشمالية وامتداد المظلة الأمريكية. فقد أصبحت المخاطر أكثر تعقيداً في ظل التكنولوجيا الجديدة المرتبطة بوسائل الاتصال، والرؤوس النووية والأتمتة في عصر الذكاء الاصطناعي. إضافة إلى الانهيار الذي شهدته منظومة الحد من التسلح مع انتهاء صلاحية معاهدة “نيو ستارت” في 5 فبراير 2026. وعليه لم تعد القواعد ثنائية القطب حاكمة، على النحو السابق، كما لا يزال الرهان على بناء ضوابط متعددة الأطراف أمراً صعب المنال.
- التكنولوجيا والفضاء السيبراني كساحات صراع جديدة: أحد أعقد الملفات التي سُلط الضوء عليها في منصات ميونخ وشنغريلا تتعلق بالسباقات العالمية في التكنولوجيا والفضاء السيبراني والذكاء الاصطناعي والرقائق والمعادن والبنية الرقمية؛ وهي نقطة تلفت الانتباه إلى أن ميزان القوة العسكرية التقليدي أو الكمي لم يعد محل اعتبار حقيقي في قياس المعيار الفعلي للقوة. وبالتبعية أصبح أحد مظاهر التحول هو تسييس سلاسل الإمداد، والقيود على التكنولوجيا المتقدمة، والتنافس على أشباه الموصلات، وحوكمة الذكاء الاصطناعي، وحماية البيانات. بحكم أبعادها الأمنية، فالاقتصاد الرقمي أصبح جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي.
عطفاً على ما سبق، أصبح الفصل بين المدني والعسكري أقل وضوحاً مما كان عليه في السابق. فالتكنولوجيا التي تخدم الاقتصاد هي ذاتها تخدم الجيوش. ويمكن النظر إلى طبيعة المجمعات العسكرية الصناعية اليوم، والتي تتسابق على الاستحواذ على شركات التكنولوجيا الناشئة، وبالعكس تتنافس شركات التكنولوجيا الناشئة في الحصول على عقود دفاع.
من يتكيف ومن يقاوم؟
لا يجري التفاعل مع أجواء الحرب الباردة الجديدة وفق نمط واحد. فبعض القوى تتكيف مع الاستقطاب عبر تعزيز التحالفات والردع، بينما تسعى قوى أخرى إلى مقاومة الاصطفاف الكامل من خلال سياسات التحوط، أو الدفاع عن تصورات بديلة للتعددية والأمن، كما تتشكل مستويات متعددة من التكيف والمقاومة والمناورة.
- القوى الوسطى ونهج سياسات التحوط: على نحو ما سلفت الإشارة، فإن العالم لا ينقسم بالضرورة إلى معسكرين، وهنا تأتي مساحة القوى المتوسطة التي تقاوم الاصطفاف الكامل في القطبية الجديدة، وتبحث عن مساحات حركة داخل التنافس الكبير في الوقت ذاته. فقد طرحت مشاركة “آسيان” في حوار شنغريلا صيغة التوازن بدلاً من الاصطفاف؛ وفق معادلة مشروطة تقوم على عدم رفض التعاون مع الولايات المتحدة، لكن بشرط ألا تتحول إلى أداة في استراتيجية المواجهة مع الصين. كما أنها لا تريد أن تختزل منطقة جنوب شرق آسيا في صراع أمريكي صيني. وتتمسك بمركزية “آسيان” والحوار الدولي، والتعددية وتجنب سياسات المحاور، والتنمية والترابط الاقتصادي.
وتسلك الهند بدورها مسار الاستقلالية الاستراتيجية، محتفظة بعلاقات متعددة مع الولايات المتحدة وروسيا والغرب والجنوب العالمي. كما تُنوع القوى الخليجية شراكاتها الاقتصادية والأمنية من دون ارتهان لمظلة واحدة أو قوة واحدة. وتسعى دول عديدة في الجنوب العالمي إلى تحقيق مكاسب من التعددية بدلاً من دفع كلفة الاستقطاب العالمي.
هذه السلوكيات لا تعني حياداً سلبياً، بل تعكس اتجاهاً نحو التحوط النشط. فالاصطفاف الكامل داخل معسكر واحد قد يوفر حماية مؤقتة؛ لكنه يقلص حرية القرار ويزيد مخاطر التورط. وفي المقابل، لم يعد الحياد الكامل ممكناً في ظل طبيعة التفاعلات الدولية والإقليمية الراهنة؛ لذلك تتحرك القوى المتوسطة في مساحة وسطى تجمع بين تعاون أمني مع طرف، وشراكات اقتصادية مع طرف آخر، وانفتاح دبلوماسي على أكثر من محور.
- شنغهاي والدفاع عن سياسة التعددية: عكست مشاركة منظمة شنغهاي للتعاون في النقاشات الأمنية الدولية، ولا سيما على منصة شنغريلا أن التعددية القطبية لم تعد مجرد حالة موضوعية ناشئة؛ بقدر ما أصبحت مشروعاً سياسياً تدافع عنه قوى أوراسية. فالخطاب الأوراسي يحاول تقديم تصور بديل للأمن يقوم على السيادة وعدم التدخل ورفض التكتلات الحصرية، والربط بين الأمن والتنمية والترابط الاقتصادي؛ وهو نقيض المنطق الأمريكي القائم على أن الاستقرار يتحقق عبر الردع، والتحالفات، والقدرات العسكرية.
وتعكس هذه الرؤية فكرة تعدد السرديات كأحد مظاهر الحرب الباردة الجديدة؛ فهناك سردية غربية للأمن تقوم على الردع والتحالفات وتقاسم أعباء الأمن؛ مقابل سردية لمؤسسات الأمن الآسيوي تتبنى عدم احتكار الأقطاب للأمن واعتماد سياسات التوازن؛ وسردية أخرى أوراسية تقوم على السيادة وعدم التدخل؛ وسردية مغايرة للجنوب العالمي تركز على العدالة والشرعية والتنمية. وفي المحصلة تعرقل هذه التعددية في السرديات عملية بناء توافق دولي أكثر صعوبة، حتى عندما تستخدم الأطراف نفس المفردات كمترادفات مثل السلام والاستقرار والتعددية.
حقبة ردع ممتدة بلا قواعد مستقرة:
كملاحظة ختامية، في إطار اللحظة الرمادية الحالية كجزء من زمن مرحلة الانتقال في مسار تشكل النظام الدولي، من الصعوبة بمكان بناء سيناريوهات متماسكة في ظل حالة الاضطراب واللايقين الاستراتيجي؛ وهو ما تؤكده مخرجات ميونخ وشنغريلا، فالعالم يدخل حقبة ردع ممتدة لا تستند إلى قواعد مستقرة أو توافق دولي واضح. فالقوى الكبرى تتحدث عن الاستقرار؛ لكنها تختلف جذرياً حول طريق الوصول إليه؛ لذلك، تبدو الحرب الباردة الجديدة أقل انضباطاً وأكثر خطورة من النموذج القديم.
إن الوجه غير التقليدي لسياسات الأمن والدفاع في هذه الحقبة لا يكمن فقط في عودة الردع، بل في اتساع مجالاته وصعوبات الحسم والسيطرة في ظل اتساع مجالاته إلى درجة صعوبة حصرها. كما أن الحرب البادرة لم تعد تتوقف على الحدود السياسية للدول، وإنما أصبحت تمتد عبر الممرات والموانئ والكابلات والرقائق والمعادن والفضاء السيبراني؛ ومن هنا، فإن أخطر ما يكشفه ميونخ وشنغريلا 2026 ليس أن العالم يعود إلى الماضي، بل إنه يدخل صيغة جديدة من التنافس البارد أكثر تشابكاً وأقل قابلية للضبط وأشد تأثيراً في الأمن العالمي.
” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.