بين أستانا وبكين: ملامح الاستراتيجية الروسية لتأسيس كتلة اقتصادية جديدة في أوراسيا

الرئيسية مقالات
أحمد السيد الحلو باحث متخصص في الشؤون الآسيوية والروسية - مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة
بين أستانا وبكين: ملامح الاستراتيجية الروسية لتأسيس كتلة اقتصادية جديدة في أوراسيا

 

بين أستانا وبكين: ملامح الاستراتيجية الروسية لتأسيس كتلة اقتصادية جديدة في أوراسيا

 

 

 

 

شكلَّت الزيارة التي قام بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى كازاخستان، خلال الفترة من 27 إلى 29 مايو 2026، والتي جاءت مباشرة بعد اختتام زيارته إلى الصين؛ أكثر من مجرد محطة دبلوماسية ثنائية معتادة؛ فقد كشفت زيارتا بكين وأستانا عن ملامح استراتيجية روسية أوسع تَستهدِف تعزيز بنية اقتصادية أوراسية جديدة تمتد من أوروبا الشرقية عبر روسيا وآسيا الوسطى وصولاً إلى الصين ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ.

وفي الوقت الذي يتركز فيه جانب كبير من الاهتمام الدولي على التوترات الجيوسياسية بين روسيا والغرب، تبدو موسكو أكثر انشغالاً ببناء منظومة اقتصادية قارِيَّة أوراسية تقوم على توسيع الروابط التجارية والاستثمارية، وتعزيز التكامل الصناعي، وتطوير البنية التحتية للطاقة والنقل، وتسريع التحول التكنولوجي، وتعزيز السيادة المالية.

في قلب هذه الرؤية تحتل كازاخستان موقعاً استراتيجياً يَصعُب الاستغناء عنه؛ فإلى جانب كونها أكبر اقتصاد في آسيا الوسطى، فإنها تُمثل أيضاً حلقة الوصل الجغرافية بين روسيا والصين ومنطقة بحر قزوين والأسواق الآسيوية الناشئة، كما أنها تقع عند تقاطُع أهم ممرات النقل والتجارة التي تسعى موسكو إلى تطويرها خلال العقود المقبلة.

وقد تجسَّد ذلك في اعتماد بيان الركائز السبع للصداقة وحسن الجوار خلال زيارة الرئيس بوتين، وتوقيع الجانبين 15 وثيقة تعاون في مجالات متعددة. ومع ذلك، سيظل تحقيق هذه الطموحات مرهوناً بقدرة موسكو وأستانا على تجاوز عدد من التحديات المرتبطة بالتوازنات الجيوسياسية، وتمويل المشروعات الكبرى، والمنافسة بين الممرات التجارية، وتسارع التحولات التكنولوجية والاقتصادية الدولية.

أستانا في قلب الشراكة الأوراسية:

قبل زيارته إلى كازاخستان، أكد الرئيس بوتين في مقال بعنوان “روسيا وكازاخستان.. تحالف في قلب أوراسيا”، أن “كازاخستان أصبحت شريكاً اقتصادياً واستراتيجياً رئيسياً لروسيا في آسيا الوسطى، وأنها ليست مجرد دولة مجاورة”؛ وهو ما يعكس تنامي العلاقات الاقتصادية بين الدولتين، فلا تزال روسيا الشريك التجاري الأكبر لكازاخستان، فيما تُمثل الأخيرة بوابة مهمة لروسيا نحو أسواق آسيا الوسطى وأحد أبرز شركائها في فضاء ما بَعد الاتحاد السوفيتي.

وتُظهر المؤشرات الاقتصادية عُمق هذا الترابط؛ فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين الدولتين نحو 28 مليار دولار، وتجاوزت الاستثمارات الروسية 29 مليار دولار، إلى جانب تنفيذ 177 مشروعاً مشتركاً بقيمة تقارب 53 مليار دولار.

استكمالاً لهذا المسار، جاءت زيارة الرئيس بوتين لتأكيد هذا التوجه، حيث ركزت المباحثات مع الرئيس “قاسم جومارت توكاييف” على مشروعات الطاقة النووية، وتطوير ممرات النقل والطاقة والخدمات اللوجستية، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والتعاون الصناعي، وغيرها من القطاعات الحيوية.

ويَبرز البعد الأوراسي الأوسع في مشاركة الرئيس بوتين في المنتدى الاقتصادي الأوراسي واجتماعات المجلس الاقتصادي الأوراسي الأعلى، حيث تصدرت قضايا التكنولوجيا والربط اللوجستي وتمويل المشروعات الصناعية أجندة المناقشات؛ بما يعكس سعي موسكو إلى بناء شبكة اقتصادية تربط روسيا بآسيا الوسطى والصين، والتي تُعتبَر كازاخستان الحلقة الجغرافية الأكثر أهمية في هذا المشروع.

النتائج الرئيسية للزيارة:

أسفرت زيارة الرئيس الروسي كازاخستان عن مجموعة من النتائج السياسية والاقتصادية، كان أبرزها اعتماد “البيان المشترك بشأن الركائز السبع للصداقة وحسن الجوار في القرن الحادي والعشرين”، والذي أرسى إطاراً مؤسسياً طويل الأمد يقوم على احترام السيادة، والثقة الاستراتيجية، والتعاون الاقتصادي، والتفاعل الإنساني، والتنوع الثقافي، وتعزيز الاستقرار الإقليمي.

وقد وقَّعت الدولتان على 15 وثيقة واتفاقية تعاون، أبرزها الاتفاق على مشروع بِنَاء روسيا أول محطة للطاقة النووية في كازاخستان وِفق اتفاقيات تمويل وتعاون صناعي طويلة الأمد؛ بتكلفة تُقدَّر بنحو 15 مليار دولار. وسوف يشمل المشروع التعاون بين شركتي “روساتوم” الروسية و”كازاتوم بروم” الكازاخية، في مجالات استخراج اليورانيوم وتخصيبه وتطوير التقنيات النووية المتقدمة، مستفيداً من امتلاك كازاخستان أكثر من 40% من احتياطيات اليورانيوم العالمية.

وأكدت القمة الروسية– الكازاخية على أهمية قطاع الطاقة بوصفه الركيزة الأساسية للعلاقات الاقتصادية بين الدولتين، من خلال توسيع التعاون في مجالات النفط والغاز والكهرباء والطاقة النووية والطاقة الكهرومائية.

كما برز التعاون في مجال المعادن الاستراتيجية والموارد الأرضية النادرة كأحد المسارات الاقتصادية الواعدة بينهما، خاصة في ظل تزايد الطلب العالمي على المعادن المُستخدَمَة في صناعة السيارات الكهربائية والبطاريات وأشباه الموصلات وتقنيات الطاقة المتجددة والصناعات الفضائية؛ حيث تسعى الدولتان إلى تجاوز دورهما التقليدي كمُصدرتيْن للمواد الخام عبر تطوير صناعات معالجة المعادن وإنتاج البطاريات والتقنيات المتقدمة ذات القيمة العالية المضافة.

وبهدف تسهيل التعاون الاقتصادي، تم توقيع مذكرة تفاهم بشأن مكافحة المعاملات الاحتيالية بين البنكين المركزيين في الدولتين، وهو ما يعكس توجهاً مشتركاً نحو الاعتماد على منظومة مالية أكثر استقلالية عن الدولار الأمريكي وشبكة “سويفت” للتحويلات المالية. كما تم الاتفاق على تطوير أنظمة رقمية لنقل البضائع، وتحديث الإجراءات الجمركية، ودمج الشبكات اللوجستية، وزيادة القدرة الاستيعابية لممرات النقل، مع إعطاء أولوية خاصة للممر الدولي “شمال– جنوب”، الذي يربط روسيا بإيران والخليج والهند عبر الأراضي الكازاخية. كما شهدت القمة الإعلان عن نجاح أول مشروع تجريبي للنقل الذاتي العابر للحدود بين أستانا وموسكو باستخدام شاحنات ذاتية القيادة، في خطوة تمهد لتطوير منظومات نقل ذكية داخل الاتحاد الاقتصادي الأوراسي.

وبرزت قضايا التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي كأحد المحاور الرئيسية في الزيارة، حيث أكد الرئيس بوتين أن المرحلة المقبلة من التكامل الأوراسي يجب أن تستند إلى الصناعات عالية التقنية والابتكار، وليس إلى الموارد الطبيعية فقط. في هذا السياق، تتجه الدولتان إلى توسيع التعاون في مجالات البنية التحتية السحابية، ومنصات الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والتكنولوجيا المالية، والأمن السيبراني، والخدمات اللوجستية الذكية، وأنظمة الإدارة الرقمية والأتمتة الصناعية.

تحديات تنفيذ الاتفاقيات الروسية– الكازاخية:

على الرغم من الزخم الذي أظهرته زيارة بوتين إلى أستانا، وما أسفرت عنه من اتفاقيات ومشروعات استراتيجية، فإن مسار التكامل الاقتصادي بين الدولتين يواجه تحديات عديدة في سبيل تحويل الاتفاقيات المُوقَّعة إلى مشروعات عملية ومستدامة؛ يأتي في مقدمتها العقوبات الغربية المفروضة على موسكو؛ إذ لا تقتصر آثار هذه العقوبات على الاقتصاد الروسي فحسب، بل تمتد إلى الشركاء الإقليميين عَبْر تعقيد عمليات التمويل والتحويلات المالية والحصول على التكنولوجيا المتقدمة، وقد تفرض أيضاً ضغوطاً على الشركات والمؤسسات المالية الكازاخية التي تتعامل مع السوق الروسي، خشية التعرض لعقوبات ثانوية أو قيود على تعاملاتها الدولية.

وإلى جانب ذلك، تواجه المشروعات الكبرى في مجالات الطاقة النووية والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية والنقل الذكي تحديات مرتبطة بتكاليف التمويل ونقل التكنولوجيا وسرعة التنفيذ.

في الوقت ذاته، تواصل كازاخستان انتهاج سياسة خارجية متعددة الاتجاهات تقوم على تحقيق التوازن بين روسيا والصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وقد أسهم هذا النهج في تعزيز مكانة أستانا الدولية وجذب الاستثمارات الأجنبية، وهو ما يفرض حدوداً على مستوى التقارب مع موسكو، إذ تحرص كازاخستان على تنويع شراكاتها الاقتصادية وعدم الارتهان لقوة واحدة.

وعلى الجانب الأشمل، تَحُد التباينات الاقتصادية والسياسية بين دول الاتحاد الاقتصادي الأوراسي من وتيرة التكامل الإقليمي، خاصة في ظل اختلاف أولويات الدول الأعضاء وتوجهات بعضها مثل أرمينيا نحو تعزيز علاقاتها مع شركاء خارجيين. كما يواجه مشروع التكامل الأوراسي منافسة من مبادرات إقليمية أخرى تسعى إلى استقطاب حركة التجارة والطاقة والاستثمارات؛ فإلى جانب المشروعات الروسية، تبرز مبادرة “الحزام والطريق” الصينية، والممر الأوسط المدعوم من تركيا والاتحاد الأوروبي، وعدد من مشروعات الطاقة والنقل البديلة التي قد تؤثر في توزيع تدفقات التجارة عبر المنطقة؛ الأمر الذي يفرض على موسكو وأستانا تطوير مزايا تنافسية قادرة على الحفاظ على جاذبية الممرات الأوراسية.

المثلث الناشئ.. روسيا– كازاخستان– الصين:

بغض النظر عن التحديات السابقة، فإنه لا يمكن النظر إلى زيارتيْ الرئيس الروسي إلى الصين وكازاخستان باعتبارهما حدثين منفصلين، بقدر ما أنهما حلقتين مترابطتين ضمن استراتيجية روسية أوسع تَستهدِف تشكيل مثلث اقتصادي يضم روسيا وكازاخستان والصين، سوف يتزايد تأثيره تدريجياً في إعادة رسم خريطة الاقتصاد الإقليمي.

في أضلاع هذا المثلث، توفر روسيا الموارد الطبيعية والقدرات الصناعية والتكنولوجية، بينما تُمثل الصين السوق الأكبر ومركز التصنيع العالمي، في حين تؤدي كازاخستان دور حلقة الوصل الجغرافية التي تربط بين الطرفين عبر شبكات النقل والطاقة والتجارة العابرة للقارات.

ويستند هذا التوجه إلى مجموعة من المشروعات الاستراتيجية، التي تعزز الترابط بين الدول الثلاث؛ فخلال زيارة بوتين إلى أستانا، برز مشروع إنشاء ممر لنقل الغاز الروسي إلى الصين عبر الأراضي الكازاخية كأحد أهم الملفات المطروحة؛ حيث تشير التقديرات إلى إمكانية نقل ما يصل إلى 35 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً.

ومن شأن هذا المشروع أن يعزز مكانة كازاخستان بوصفها دولة عبور رئيسية للطاقة، وأن يرفع مستوى الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين موسكو وأستانا وبكين. كما يتكامل هذا المسار مع مشروعات أخرى، مثل تطوير خط أنابيب “إيشيم–أستانا”، والتوسع في شبكات الغاز داخل كازاخستان، واستمرار التنسيق مع شركة “غازبروم” بشأن مشروعات التصدير والنقل.

وعلى الرغم من وجود مسارات منافسة، مثل مشروع “قوة سيبيريا–2” بين روسيا والصين، والذي يمر عَبْر أراضي منغوليا، والذي لا يزال قيد التفاوض بين الدول الثلاث؛ فإن التصريحات الأخيرة الصادرة عن المسؤولين الروس، والتي تضمنت مقترحات لتصدير ما يصل إلى 35 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً عبر شرق كازاخستان، تشير إلى أن هذا الممر قد يتمتع بأهمية استراتيجية كبيرة وقابلية عالية للتنفيذ مقارنةً بمشروع “قوة سيبيريا–2”.

وفي الوقت ذاته، يتعمق التعاون في مجال الطاقة من خلال اتفاقيات نقل النفط، ومن بينها زيادة شحنات شركة “روسنفت” إلى الصين عَبْر كازاخستان بمقدار 2.5 مليون طن إضافية من النفط. كما تسهم جهود التكامل في قطاعي السكك الحديدية والخدمات اللوجستية، التي تقودها شركتا “كازاخستان تيمير جولي” و”السكك الحديدية الروسية”، في رفع الطاقة الاستيعابية للممرات الأوراسية وتطوير قدراتها الرقمية بوتيرة متسارعة.

وتشير هذه التطورات مجتمعة إلى أن هذا “المثلث الناشئ” قد يُؤسِّس لمنظومة عملية متنامية من تدفقات الطاقة، وشبكات النقل، والاعتماد الصناعي المتبادل، وهي منظومة سوف تسهم تدريجياً في إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية لأوراسيا وتحديد ملامحها المستقبلية.

” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”

 


اترك تعليقاً