اختبار الأسواق: تحدي طرح الذكاء الاصطناعي بالبورصة بين القيمتين التقنية والمالية

الرئيسية مقالات
د. رشا مصطفى عوض خبير سياسات عامة - المدير التنفيذي السابق لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري
اختبار الأسواق: تحدي طرح الذكاء الاصطناعي بالبورصة بين القيمتين التقنية والمالية

 

اختبار الأسواق: تحدي طرح الذكاء الاصطناعي بالبورصة بين القيمتين التقنية والمالية

 

 

 

 

لا تبدأ مخاطر الثورات التكنولوجية حين تفشل، بل حين تنجح في فلك الخيال المالي بوتيرة أسرع من نجاحاتها في الاقتصاد الحقيقي. تكشف هذه العبارة جوهر اللحظة الراهنة في صناعة الذكاء الاصطناعي، فهي لا تعكس فقط صعود شركات تكنولوجية جديدة، بل انتقالاً أعمق في طبيعة الذكاء الاصطناعي ذاته؛ من ابتكار خاص تموله دوائر مغلقة من رأس المال المغامر والشركاء الاستراتيجيين، إلى أصل عام تنكشف مخاطره وتوقعاته أمام الأسواق، وصناديق التقاعد، والمحافظ المؤسسية، وأمن الطاقة، ومراكز البيانات، والحوكمة الرقمية.

وفي هذا الإطار، أعلنت شركة “أنثروبيك” (Anthropic)، المطورة لنموذج “كلود”، تقديم مسودة تسجيل سرية على نموذج S-1 إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية تمهيداً لطرح عام محتمل. وبعدها بأيام وتحديداً في الثامن من يونيو الجاري، أفادت وكالة “رويترز” بأن شركة “أوبن إيه آي” (OpenAI)، مطورة برنامج “شات جي بي تي”، قدمت بدورها أوراقاً سرية للطرح العام، دون إعلان نهائي عن التوقيت أو حجم الطرح أو شروطه. وكانت “سبيس إكس” (SpaceX)، التابعة لإيلون ماسك، قد سبقت الشركتين بالإعلان عن طرح عام أولي قد يكون الأكبر في التاريخ يوم 12 يونيو الجاري. ولا تكمن أهمية هذه التوجهات في كونها سباقاً بين شركات رائدة في الذكاء الاصطناعي، بل في كونها اختباراً مبكراً لقدرة السوق العامة على تسعير شركات لا تُقرأ كشركات برمجيات تقليدية، بل كبنية معرفية محتملة للاقتصاد العالمي القادم.

ومن هنا يصبح السؤال الجوهري: ماذا يحدث عندما تتحول شركات الذكاء الاصطناعي إلى أصول مالية عامة قبل أن يكتمل امتصاص هذه التكنولوجيا في الاقتصاد الحقيقي؟ فالسوق المالية قادرة على تحويل التوقعات المستقبلية إلى أسعار خلال وقت قصير، بينما تحتاج المؤسسات إلى سنوات كي تعيد تصميم عملياتها وبياناتها ومهاراتها ونماذج الحوكمة لديها، حتى تتمكن من تحويل أدوات الذكاء الاصطناعي إلى إنتاجية وربحية قابلة للقياس. ويدعم هذا الطرح ما خلصت إليه دراسة صادرة عن شركة “آي بي إم” (IBM) عام 2025، بأن 25% فقط من مبادرات الذكاء الاصطناعي حققت العائد المتوقع منها، وأن 16% فقط توسعت على مستوى المؤسسة بالكامل. وفي خضم تعاظم هذه الفجوة بين سوق يُسعّر المستقبل ومؤسسات لا تزال تتعلم كيف تحول الذكاء إلى قيمة، تتشكل المخاطرة الاستراتيجية الأبرز.

من رأس المال المُغامر إلى الرأسمالية المكشوفة:

يُمثل الطرح العام لشركات الذكاء الاصطناعي انتقالاً من وعد تقني خاص إلى قضية مالية ومؤسسية مفتوحة. فالسوق العامة قد تشتري السردية؛ لكنها تفرض عليها لغة الإفصاح: الإيرادات، والخسائر، والإنفاق الرأسمالي، وتكلفة الحوسبة، وتركّز العملاء، والديون، والمخاطر القانونية، وحوكمة السيطرة؛ لذلك لا ينبغي قراءة الطرح العام باعتباره محطة سيولة فحسب، بل بوصفه آلية لتحويل الذكاء الاصطناعي إلى أصل عام يحمل وعود الابتكار ومخاطر التقييم في آن واحد، وهو ما يتضح في الآتي:

1- اختبار التسعير وليس الشركات فقط: تعكس تحركات شركات الذكاء الاصطناعي اختباراً لنموذج تسعير جديد، ليس لهذه الشركات فقط، بل للصناعة بأكملها. فالتقييمات المحتملة لن تستند إلى أرباح حالية بقدر ما تستند إلى افتراضات حول السيطرة المستقبلية على طبقات الاقتصاد المعرفي: النماذج، والبيانات، والحوسبة، والسحابة، والتطبيقات. وكلما ارتفعت هذه التقييمات، أصبح السؤال المالي الأكثر إلحاحاً: هل تستطيع هذه الشركات تحويل التفوق التكنولوجي إلى تدفقات نقدية مستدامة، أم أن الأسواق تسعّر قدرة محتملة قبل أن تتضح قواعد الربحية فيها؟

2- الإفصاح كتحول في بنية السلطة: لا تكمن أهمية الإفصاح في كونه إجراءً قانونياً فحسب، بل في كونه لحظة انتقال من السرية النسبية إلى المساءلة العامة. فالقواعد الأمريكية تتيح للشركات أن تبدأ مراجعة أوراق الطرح العام بصورة غير معلنة في المراحل الأولى؛ لكنها لا تعفيها عند الانتقال إلى السوق من كشف المعلومات الأساسية التي يحتاجها المستثمرون لتقييم المخاطر والفرص. وعند هذه اللحظة، لا تبقى السلطة محصورة في المؤسسين والمستثمرين الاستراتيجيين، بل تنتقل إلى فضاء أوسع من المنظمين والمحللين والمستثمرين. وهنا يصبح الإفصاح أداة لكشف السؤال الأهم: أين تتولد القيمة فعلاً؛ في النموذج، أم البيانات، أم السحابة، أم البنية التحتية؟

3- من التمويل الخاص إلى تعميم المخاطر: في ظل الطرح العام، لا تبقى مخاطر الذكاء الاصطناعي داخل دوائر رأس المال المغامر، بل تنتقل تدريجياً إلى صناديق الاستثمار والمحافظ المؤسسية والمستثمرين الأفراد. وقد حذر “بنك إنجلترا” من أن تراجع تقييمات الأصول المتأثرة بالذكاء الاصطناعي قد يحمل تداعيات متزايدة على الاستقرار المالي، خاصة مع الحاجة إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية للتدريب والاستدلال، واحتمال تمويل جزء معتبر منها بالدين؛ وبذلك لا يصبح الخطر مجرد فقاعة أسهم محتملة، بل ترابطاً أعمق بين تقييمات التكنولوجيا، وأسواق الائتمان، ومراكز البيانات، وأمن الطاقة. وهنا يتضح جوهر التحول؛ الذكاء الاصطناعي لن يظل تكنولوجيا واعدة فقط، بل أصلاً مالياً عاماً، وبنية تحتية استراتيجية، ومخاطرة نظامية تحتاج إلى إثبات جدواها الاقتصادية باستمرار.

من صناعة تقنية إلى طبقة جيومالية:

إذا كان الطرح العام ينقل شركات الذكاء الاصطناعي إلى انكشاف السوق؛ فإنه يكشف في الوقت ذاته أن ما يُسعَّر ليس الخوارزمية وحدها، بل منظومة أوسع من الحوسبة، والشرائح، والطاقة، ومراكز البيانات، والتمويل، والسياسات الصناعية. فالذكاء الاصطناعي لم يعد قطاعاً تقنياً قائماً بذاته، بل يتحول تدريجياً إلى طبقة جيومالية؛ أي إلى مجال تتقاطع فيه قدرة الدول على تمويل البنية التحتية، وتأمين الطاقة والشرائح، وبناء الحوسبة السيادية، مع قدرة الشركات على تحويل هذه الموارد إلى قيمة سوقية وربحية مستدامة. ويتضح ذلك في النقاط التالية:

1- الحوسبة ومراكز البيانات كأصل سيادي: لم تعد القدرة الحاسوبية مورداً تشغيلياً تستخدمه الشركات فقط، بل أصبحت أصلاً استراتيجياً يُقاس به موقع الدول في سباق الذكاء الاصطناعي. فقد أكدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن خطط الحوسبة الوطنية يجب أن تجمع بين توسيع القدرة الحاسوبية، ورفع كفاءتها، وضمان مرونتها أمام الأزمات، مع مراعاة الأمن والسيادة والاستدامة. ولم تعد مراكز البيانات مجرد منشآت تقنية، بل أصبحت البنية المادية التي تقوم عليها السيادة الرقمية؛ إذ تُقدر شركة “ماكينزي للاستشارات” أن الإنفاق العالمي عليها قد يصل إلى 7 تريليونات دولار أمريكي بحلول عام 2030؛ ومن ثم لن تُقيّم شركات الذكاء الاصطناعي وفق قوة نماذجها فقط، بل وفق قدرتها على تأمين الحوسبة اللازمة لتشغيلها وتوسيعها، في بيئة تتزايد فيها المنافسة على الرقائق والسحابة ورأس المال.

2- الطاقة كمحدد للتقييم: يربط الذكاء الاصطناعي بين القيمة السوقية والقدرة الكهربائية على نحو غير مسبوق. فبحسب تقديرات الوكالة الدولية للطاقة، يُتوقع أن يتضاعف استهلاك مراكز البيانات المشغِّلة لأنظمة الذكاء الاصطناعي ليصل إلى نحو 945 تيراواط-ساعة سنوياً بحلول عام 2030. وفي ضوء ذلك، لم تعد جودة النموذج أو حجم قاعدة المستخدمين وحدهما المحددين الرئيسيين للتقييم، بل أصبحت القدرة على تأمين الكهرباء، وكفاءة التبريد، وسعة الربط بالشبكات، وتكلفة رأس المال؛ عناصر مؤثرة بالقدر نفسه في تحديد القيمة السوقية للشركات. فالخوارزمية قد تولد القيمة؛ لكنها لا تعمل دون شبكة كهرباء قادرة على حملها.

3- السياسات الصناعية كسوق موازية: لم تعد الأسواق وحدها تحدد مستقبل الذكاء الاصطناعي، فالدول تتدخل بوصفها ممولاً ومنظماً ومُسرّعاً للبنية التحتية. لقد جعلت خطة البيت الأبيض للذكاء الاصطناعي لعام 2025 بناء البنية التحتية الأمريكية للذكاء الاصطناعي أحد أعمدتها الرئيسة، بما يشمل مراكز البيانات، وتصنيع أشباه الموصلات، والطاقة، والتصاريح السريعة. وفي المقابل، أفادت وكالة “رويترز” في 9 يونيو الجاري بأن الصين تدرس خطة قد تبلغ 295 مليار دولار لبناء شبكة وطنية من مراكز البيانات، مع اعتماد كبير على الموردين المحليين. وهنا تتضح الطبيعة الجيومالية للتحول؛ حيث إن أسهم الذكاء الاصطناعي لا تعكس أداء شركات فقط، بل تعكس رهانات دول على السيادة التكنولوجية، وأمن الطاقة، وإعادة تموضع سلاسل القيمة العالمية.

اختلال المسارات وأثر الثروة:

لا تنشأ هشاشة الذكاء الاصطناعي من سرعة الابتكار وحدها، بل من اختلاف السرعات بين أربعة مسارات هي: تكنولوجيا تتقدم بوتيرة متسارعة، وأسواق مالية تحول التوقعات المستقبلية إلى أسعار في وقت قصير، ومؤسسات لا تزال تبحث عن العائد، واقتصاد اجتماعي يتأثر عبر الثروة والثقة والاستهلاك. وحين تتحرك الأسهم بوتيرة أسرع من قدرة المؤسسات على تحويل الذكاء الاصطناعي إلى مكاسب إنتاجية قابلة للقياس، لا يعود الخطر مقتصراً على احتمال حدوث تصحيح سعري، بل يمتد إلى آثار أوسع تمس الثروة وتكلفة رأس المال وقرارات الاستثمار وثقة المستهلكين. ويمكن تتبع ذلك على النحو التالي:

1- فجوة الامتصاص المؤسسي: لا تزال الشركات في مرحلة انتقالية بين تجربة أدوات الذكاء الاصطناعي وتوسيع استخدامها على نطاق مؤسسي واسع. وهذا لا ينفي القيمة التحويلية لهذه التكنولوجيا؛ لكنه يكشف أن العائد لا يتولد من التقنية وحدها، بل من إعادة تصميم العمليات، وضبط البيانات، وبناء الحوكمة، وتغيير أنماط العمل؛ ومن ثم قد تتعامل الأسواق المالية مع الذكاء الاصطناعي كما لو أن عوائده أصبحت واضحة ومستقرة، بينما لا تزال المؤسسات تواجه صعوبات في تحويله إلى نتائج مالية ملموسة. وهنا تحديداً تتسع المسافة بين وعد النموذج التكنولوجي وصلابة التدفقات النقدية.

2- أثر الثروة كقناة تضخيم: لن تُصبح أسهم الذكاء الاصطناعي مجرد انعكاس لتوقعات المستثمرين فقط، بل أيضاً قناة مؤثرة في ثروة الأسر والاستهلاك المتحقق والمتوقع. فقد نقل موقع “أكسيوس” (Axios) عن “جي بي مورغان” في أكتوبر 2025 تقديراته بأن 30 سهماً مرتبطاً بالذكاء الاصطناعي أضافت نحو 5.2 تريليون دولار إلى ثروة الأسر الأمريكية خلال عام، وأسهمت في توليد نحو 180 مليار دولار من الإنفاق الاستهلاكي السنوي.  كما أظهرت بيانات الاحتياطي الفدرالي، وفق وكالة “رويترز”، أن ثروة الأسر الأمريكية بلغت مستوى قياسياً في الربع الثالث من عام 2025، مدفوعة بمكاسب سوق الأسهم وطفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. وبذلك يتحول ارتفاع أسعار الأسهم إلى داعم للثقة والطلب؛ لكنه يظل في المقابل مصدر هشاشة إذا انعكست دورة الأسعار.

3- التركيز السوقي كقناة عدوى: يرفع الذكاء الاصطناعي وزن عدد محدود من الشركات الكبرى داخل مؤشرات الأسهم، بما يجعل السوق أكثر حساسية لأي تراجع في أرباحها، أو تباطؤ في تبني منتجاتها، أو ارتفاع في إنفاقها على البنية التحتية. وقد حذر البنك المركزي الأوروبي من أن ارتفاع التقييمات وتجمع المخاطر في أجزاء محدودة من السوق قد يزيدان احتمالات الاضطراب؛ إذا تبدلت توقعات المستثمرين. وهنا لا تكمن المشكلة في ارتفاع الأسعار وحده، بل في أن يصبح جزء كبير من الثروة والاستثمار مرتبطاً بسردية واحدة عالية التوقعات؛ فإذا تعثرت هذه السردية، قد ينتقل الأثر من أسهم الذكاء الاصطناعي إلى المؤشرات الكبرى، والصناديق الاستثمارية، وتكلفة التمويل، وثقة الأسواق.

دروس الفقاعات التكنولوجية:

لا تكمن المخاطرة الكبرى في أن يكون الذكاء الاصطناعي وهماً؛ فالأرجح أنه يُمثل إحدى أهم التقنيات العامة وأكثرها تأثيراً في القرن الحالي. غير أن المخاطرة الحقيقية تتمثل في أن تتعامل الأسواق مع مكاسبه الإنتاجية المتوقعة كما لو أنها تحققت بالفعل، في وقت لا تزال فيه المؤسسات تمر بمرحلة تتطلب إعادة بناء البيانات والعمليات والمهارات والحوكمة اللازمة لتحويل الإمكانات التقنية إلى عوائد اقتصادية ملموسة.

ومن ثم، فإن التحدي الذي يواجه المستثمرين وصناع السياسات لا يكمن في رفض موجة الذكاء الاصطناعي، بل في التمييز بين القيمة التكنولوجية الحقيقية والقيمة المالية المسبقة؛ بين الشركات التي تمتلك مقومات مستدامة لتوليد التدفقات النقدية، وتلك التي تستمد جزءاً كبيراً من تقييماتها من زخم السردية وتوقعات السوق أكثر مما تستمده من أساسيات اقتصادية راسخة.

ولعل الدرس الأهم من فقاعة الإنترنت، التي تضخمت في أواخر التسعينيات مع الاندفاع إلى أسهم شركات الإنترنت قبل أن تنهار تقييمات كثير منها في مطلع الألفية؛ ليس أن الثورات التكنولوجية تفشل، بل إن الأسواق قد تخطئ في اختيار الفائزين وفي توقيت التسعير. لقد غيّر الإنترنت العالم؛ لكن كثيراً من أسهمه لم ينجُ. وقد يغير الذكاء الاصطناعي الاقتصاد العالمي بصورة أعمق؛ لكن ذلك لا يعني أن كل تقييم سيصمد، أو أن كل طرح عام سيكون بوابة لقيمة دائمة.

 

” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”

 


اترك تعليقاً