مخاطر مركبة: كيف يضاعف تغير المناخ خسائر الحرائق في جنوب أوروبا؟
شهدت دول جنوب أوروبا خلال الأسابيع الماضية موجة لافتة من حرائق الغابات المدمرة التي طالت عدة دول مثل فرنسا وإسبانيا وإيطاليا واليونان والبرتغال، مُخلِّفة خسائر بشرية ومادية فادحة. فقد أدت الحرائق إلى إجلاء آلاف السكان، وتعطيل شبكات النقل، وإغلاق بعض الطرق والسكك الحديدية، إضافة إلى خسائر كبيرة في الغطاء النباتي والأنشطة الاقتصادية. ولم تعد هذه الحرائق مجرد ظاهرة موسمية متكررة، بل أصبحت تمثل أحد أبرز المؤشرات على التحولات العميقة التي يشهدها النظام المناخي العالمي في مشهد بات يتكرر بوتيرة متزايدة خلال المواسم الصيفية.
وتأتي هذه الحرائق في سياق مناخي مضطرب، يتزامن مع تحذيرات أممية من تشكُّل ظاهرة “النينيو” (El Niño) التي قد تكون الأقوى منذ عقود؛ مما يطرح تساؤلات جدية حول دلالات هذا التكرار وتداعياته على مستقبل المنطقة والعالم. فقد تزامنت تلك الحرائق مع موجات حر قياسية، في مشهد يعكس تصاعد خطورة هذه الظاهرة عاماً بعد آخر.
ولم تعد الحرائق حدثاً محلياً يخص الدول المتضررة فقط، بل أصبحت تمثل قضية عالمية ترتبط بالأمن البيئي والغذائي والاقتصادي، والصحة العامة، وحتى الأمن القومي. فالعالم يشهد اليوم تزايداً فيما يُعرف بـ”المخاطر المناخية المركبة” (Compound Climate Risks)؛ حيث تتداخل موجات الحر والجفاف وحرائق الغابات واضطرابات سلاسل الإمداد والخسائر الاقتصادية في وقت واحد؛ ما يجعل آثارها أكثر تعقيداً وأعلى تكلفة من أي وقت مضى.
أوروبا الأسرع احتراراً:
تشير البيانات الصادرة عن “المنظمة العالمية للأرصاد الجوية” (WMO) و”خدمة كوبرنيكوس الأوروبية لتغير المناخ” (Copernicus Climate Change Service)، إلى أن أوروبا أصبحت القارة الأسرع ارتفاعاً في درجات الحرارة مقارنة بالمتوسط العالمي. فقد سجل شهر يونيو 2026 أعلى متوسط لدرجات الحرارة في أوروبا الغربية منذ بدء التسجيلات المناخية؛ حيث تجاوز المتوسط المناخي للفترة المرجعية (1991–2020) بأكثر من ثلاث درجات مئوية، بينما سجلت حرارة سطح البحر في غرب البحر المتوسط مستويات قياسية غير مسبوقة. وأسهمت هذه الظروف في زيادة الجفاف وتجفيف الغطاء النباتي؛ مما وفر وقوداً مثالياً لانتشار الحرائق بسرعة كبيرة.
وتكمن خطورة هذا الوضع في أن ارتفاع درجات الحرارة لا يؤدي فقط إلى زيادة احتمال اندلاع الحرائق، بل يطيل أيضاً موسم الحرائق، ويزيد من سرعة انتشارها، ويُصعِّب عمليات السيطرة عليها. كما أن موجات الحر الطويلة تؤدي إلى انخفاض رطوبة التربة والنباتات؛ ما يُحول الغابات إلى بيئات شديدة القابلية للاشتعال؛ ولذلك لم يعد الخبراء يتحدثون عن “موسم حرائق”، وإنما عن “بيئة حرائق ممتدة” (Fire Environment) أصبحت أكثر ملاءمة لاندلاع حرائق واسعة النطاق على مدار فترات أطول من العام.
ووفقاً للبيانات الصادرة عن “نظام معلومات حرائق الغابات الأوروبي” (EFFIS) التابع لخدمة إدارة الطوارئ في برنامج كوبرنيكوس، فقد شهدت أوروبا رصد 1254 حريقاً منذ بداية عام 2026 وحتى 22 يوليو من نفس العام. وهذا العدد أقل من نظيره لنفس الفترة عام 2025 (1329 حريقاً)؛ ولكنه أكثر من ضعف المتوسط للفترة (2006–2025) والبالغ 569 حريقاً.
وطالت الحرائق نحو أكثر من 254,388 هكتاراً منذ بداية العام الحالي وحتى 22 يوليو، وهو أقل من نظيره لنفس الفترة من عام 2025 (أسوأ عام مسجل لحرائق الغابات في أوروبا)، إلا أنه أيضاً أعلى من المتوسط العام للفترة (2006–2025). وتسببت تلك الحرائق في انبعاث نحو 8.3 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون منذ بداية العام الحالي.
خسائر فادحة:
وفقاً لقاعدة البيانات الدولية لخسائر الكوارث، فقد تسببت حرائق الغابات في أوروبا خلال الفترة (2000–2025) في مقتل أكثر من 600 شخص وتضرُّر أكثر من 1.4 مليون شخص وخسائر اقتصادية تُقدَّر بنحو 19 مليار دولار أمريكي. وفي عام 2025 وحده، قُدّرت التكلفة الإجمالية للأضرار الناجمة عن الكوارث الطبيعية بنحو 224 مليار دولار. وتُصنّف حرائق الغابات ضمن أخطر الكوارث الاقتصادية على مستوى العالم، وتتزايد تكاليفها باستمرار. فبين عامي 2014 و2023؛ تسببت حرائق الغابات في خسائر اقتصادية على مستوى العالم تُقدّر بنحو 106 مليارات دولار.
ويؤدي التعرض المتزايد لحرائق الغابات إلى إعادة تشكيل مخاطر هذه الحرائق. فمع توسع المستوطنات البشرية في المناطق المعرضة للحرائق، زادت الخسائر الاقتصادية المرتبطة بحرائق الغابات بنحو 170 مليون دولار سنوياً منذ عام 1970. ولا تنتهي هذه الخسائر بإطفاء النيران، بل تُلحق الحرائق أضراراً بالنظم البيئية، وتدمر سبل العيش، وتعطل الخدمات الأساسية، وتقوض النظم الصحية في مناطق واسعة؛ غالباً ما تكون بعيدة عن المكان الذي بدأت فيه الحرائق.
وبالرغم من أن حرائق الغابات تتسبب في وفيات فورية أقل من الفيضانات أو العواصف؛ فإن آثارها الصحية عميقة. فعادةً ما تتطلب الحروق الشديدة رعاية طبية متخصصة، والتي غالباً ما يصعب الوصول إليها عند انقطاع الطرق والاتصالات. كما يؤدي استنشاق الدخان إلى تعريض السكان لتركيزات شديدة من الجسيمات والمركبات السامة؛ مما يؤدي إلى الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية وأمراض العيون.
وتشير تقديرات تقرير التقييم العالمي لمخاطر الكوارث لعام 2025 إلى أن إجمالي الخسائر الناجمة عن تلك الحرائق، بما في ذلك التكاليف المُؤَّمن عليها وغير المُؤمَّن عليها والتكاليف غير المباشرة طويلة الأجل، من المرجح أن تتجاوز 250 مليار دولار؛ مما يجعلها من بين أعلى الكوارث المسجلة تكلفة من ناحية الأضرار والخسائر المادية والاقتصادية.
وعلى مدى العقد الماضي، ارتفعت خسائر التأمين المرتبطة بحرائق الغابات بشكل حاد. فقبل عام 2015، كانت حرائق الغابات تمثل نحو 1% فقط من إجمالي الخسائر المؤمن عليها عالمياً الناجمة عن الكوارث الطبيعية. في حين ارتفعت هذه النسبة إلى نحو 7% عام 2025. ويرجع هذا النمو إلى عاملين رئيسيين، هما زيادة الظروف الأكثر حرارة وجفافاً بسبب التغيرات المناخية، والتوسع السريع في عدد السكان والأصول ذات القيمة العالية في المناطق المعرضة للخطر.
تأثير تغير المناخ:
قد يرى البعض أن تغير المناخ لا يُعد في حد ذاته الشرارة التي تُشعِل النار، بل يمثل ما يُطلِق عليه العلماء “مُضاعف المخاطر” (Risk Multiplier)؛ فهو يخلق الظروف البيئية التي تجعل أي حريق أكثر احتمالاً للاندلاع وأكثر سرعة في الانتشار وأكثر صعوبة في الاحتواء. وتوضح الدراسات العلمية أن العلاقة بين تغير المناخ وحرائق الغابات ليست علاقة مباشرة فحسب، وإنما علاقة تراكمية؛ إذ يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى زيادة معدلات التبخر، وتجفيف النباتات، وخفض رطوبة التربة؛ ما يزيد من كمية الوقود النباتي الجاف المتاح للاحتراق.
كما أن تغير أنماط الأمطار يؤدي أحياناً إلى نمو كثيف للنباتات خلال الشتاء أو الربيع، ثم تجف هذه النباتات سريعاً خلال الصيف الحار؛ فتتحول إلى مصدر إضافي لتغذية الحرائق؛ ولهذا، ترى العديد من التقديرات أن العالم يشهد تحولاً من حرائق “اعتيادية” إلى حرائق “شديدة التطرف” (Extreme Wildfires)؛ تتميز بسرعة انتشارها واتساع نطاقها وصعوبة السيطرة عليها.
وكانت “المنظمة العالمية للأرصاد الجوية” قد أعلنت خلال شهري يونيو ويوليو 2026 أن ظروف ظاهرة “النينيو” قد تشكّلت بالفعل في المنطقة المدارية من المحيط الهادئ، مع توقعات بأن تتفاقم شدتها سريعاً خلال الأشهر المقبلة؛ مما يزيد من احتمالات موجات الحر والجفاف والأمطار الغزيرة والظواهر الجوية المتطرفة في مناطق واسعة من العالم، وأنها قد تكون أعنف موجات “النينيو” تاريخياً فيما يُعرف باسم “السوبر نينيو”.
وقد أثار تشكُّل هذه الظاهرة تساؤلات عديدة حول دورها في زيادة موجات الحر وحرائق الغابات؛ حيث تؤكد الدراسات الحديثة أن آثار “النينيو” أصبحت أكثر حدة في ظل الاحترار العالمي الناتج عن الأنشطة البشرية؛ وهو ما يعني أن “النينيو” لا تفسر وحدها موجات الحر التي شهدتها أوروبا هذا العام؛ لكنها قد تسهم في رفع متوسط درجات الحرارة العالمية، ويظل تغير المناخ هو العامل الرئيسي المسؤول عن زيادة شدة وتكرار الظواهر الجوية المتطرفة. وقد أوضحت “خدمة كوبرنيكوس” أن موجة الحر الأوروبية الأخيرة ارتبطت أساساً بالاحترار العالمي، في حين كان تأثير “النينيو” عاملاً مساعداً على المستوى العالمي وليس السبب المباشر للأحداث الأوروبية.
آليات الصمود:
تكشف حرائق جنوب أوروبا أن المخاطر المناخية لم تعد تقتصر على الجوانب البيئية، وإنما أصبحت تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي بمفهومه الشامل. فقد أدت الحرائق الأخيرة إلى تعطيل شبكات النقل البرية والسكك الحديدية، وإجلاء آلاف السكان، وإغلاق مناطق سياحية رئيسية، وإلحاق أضرار بالبنية التحتية للطاقة والاتصالات، إضافة إلى الضغوط المتزايدة على خدمات الإطفاء والطوارئ والرعاية الصحية. ويعكس ذلك اتساع نطاق التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية للكوارث المناخية؛ بحيث لم تعد تقتصر على خسائر مباشرة في الممتلكات أو الغابات، بل امتدت إلى تعطيل الأنشطة الاقتصادية، وتهديد سلاسل الإمداد، وزيادة الضغوط على الموازنات العامة، وارتفاع تكاليف التأمين وإعادة التأمين.
كذلك تُبرِز تلك الحرائق حقيقة أساسية مفادها أن التكيف مع تغير المناخ لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة تنموية واقتصادية وأمنية. فبينما يظل خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري حجر الزاوية في مواجهة تغير المناخ؛ فإن تسارع وتيرة الظواهر المتطرفة يفرض في الوقت ذاته مضاعفة الاستثمارات في التكيف وبناء القدرة على الصمود. ويشمل ذلك تحديث نظم الإنذار المبكر، وتطوير خرائط المخاطر، وتعزيز إدارة الغابات، واستخدام التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بُعد والطائرات من دون طيار للكشف المبكر عن الحرائق ومراقبة انتشارها.
وفي هذا الإطار، أطلقت الأمم المتحدة عام 2022 مبادرة “الإنذار المبكر للجميع” (Early Warnings for All)؛ بهدف تمكين جميع دول العالم من الوصول إلى نظم إنذار مبكر متعددة المخاطر بحلول عام 2027؛ انطلاقاً من حقيقة أن كل دولار يُستثمر في الإنذار المبكر يوفر أضعافه من الخسائر المحتملة. وفي الوقت نفسه، يعمل الاتحاد الأوروبي على تعزيز آليات الحماية المدنية المشتركة، وزيادة عدد طائرات مكافحة الحرائق، وتحسين التنسيق بين الدول الأعضاء؛ مما يعكس أهمية التعاون الإقليمي في مواجهة الكوارث المناخية العابرة للحدود.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.