اتجاهات مستقبلية
صيف أوروبا واحتراق النمو: اختبار اقتصاد المرونة المناخية
لم تعد المرونة المناخية ترفًا سياسيًّا أو بندًا ثانويًّا في أجندات البيئة، بل أصبحت شرطًا مباشرًا لاستدامة النمو الاقتصادي، وحماية التنافسية الوطنية في السنوات الأخيرة، وفي المستقبل المنظور. فقد سادت، لسنوات طويلة، نزعة إلى إبطاء العمل المناخي الدولي؛ انطلاقًا من افتراض ضمني بأن الدول الصناعية الكبرى أقلّ تعرضًا لتداعيات التغير المناخي، أو أقدر على امتصاص كلفة التكيف معه. غير أن صيف أوروبا الحالي كشف هشاشة هذا الافتراض، حين انتقلت موجات الحر والجفاف والحرائق من خانة المخاطر البيئية الموسمية إلى قلب المعادلة الاقتصادية.
فلم تعد المشكلة مقتصرة على ارتفاع درجات الحرارة أو الخسائر البشرية المؤلمة والمتزايدة، بل باتت تتصل بصورة مباشرة بالطاقة، والإنتاج، والزراعة، وسلاسل الإمداد، والنقل والسياحة، والمالية العامة، وأنشطة التأمين. وتشير بيانات أوروبية إلى أن أوروبا الغربية سجلت خلال يونيو ويوليو الماضيين أعلى متوسط لدرجات الحرارة في تاريخها، فيما تزامن ذلك مع جفاف واسع وحرائق وضغوط متصاعدة على البنية التحتية المائية والطاقة. ولعل الكلفة الاقتصادية لهذه الموجة المتنامية تتجلى في سلسلة من الآثار المترابطة. فقد أدى انخفاض منسوب نهري الراين والدانوب إلى اضطراب الملاحة الداخلية، ونقل الفحم والوقود والمواد الصناعية، كما اضطرت بعض الدول إلى تخفيف القيود المفروضة على حركة الشاحنات لتعويض صعوبات النقل النهري. وفي قطاع الطاقة، أُجبرت منشآت على تقليص إنتاجها بسبب محدودية المياه اللازمة للتبريد؛ وهو ما يكشف عن مفارقة لافتة ألا وهي أن المناخ الأكثر حرارة لا يرفع فقط الطلب على الكهرباء للتبريد، بل قد يقلص في الوقت نفسه القدرة على إنتاجها. أما في القطاعات الأكثر التصاقًا بالطقس، مثل الزراعة والسياحة والعمل الخارجي، فتبدو الخسائر أكثر مباشرة ووضوحًا. فالحرارة المفرطة تخفض إنتاجية العاملين، وتضغط على المحاصيل والإمدادات المائية، كما تزيد كلفة التأمين والاستجابة الطارئة.
بيدَ أن المشكلة ليست قاصرة على مجرد خسائر قطاعية، وإنما تذهب التقديرات إلى أبعد من ذلك؛ إذ حذّر تقرير حديث من أن موجات الحر والجفاف قد تقتطع نحو 1% من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي خلال 2026، بما يعادل قرابة 180 مليار يورو. وفي أفق أطول، تقدر أليانز للأبحاث أن الخسائر التراكمية المقدَّرة في الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة 2026–2030 ما بين 5% و7% في الاقتصادات الأكثر تعرضًا لتداعيات الحرارة الشديدة؛ وهي إيطاليا وإسبانيا وفرنسا.
ممّا سبق يبرز جليًّا مفهوم «اقتصاد المرونة المناخية» بوصفه انتقالًا من منطق معالجة الأضرار بعد وقوعها إلى منطق الاستثمار الاستباقي الذي يحمي النمو، ويقلل كلفة التعطل؛ إذ لم يعد الخيار بين التنمية والعمل المناخي، بل بين اقتصاد يتكيف مبكّرًا ويحافظ على قدرته التنافسية، واقتصاد يدفع لاحقًا ثمن الخسائر والإصلاحات الطارئة، وتراجع الإنتاجية.
وفي هذا السياق، تقدم دولة الإمارات نموذجًا يؤكد أن العمل المناخي يمكن أن يتكامل مع التنويع الاقتصادي، لا أن يناقضه؛ إذ تجعل استراتيجية الإمارات العربية المتحدة للوصول إلى صافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2050، بناء المرونة، وتقليل مخاطر المناخ، وتعزيز القدرة على التكيف أحد أهدافها الرئيسة.
وتتجسد هذه المقاربة أيضًا في تعزيز الجاهزية المناخية عبر تطوير قدرات الرصد والتنبؤ والإنذار المبكر، وفي ربط أمن المياه والغذاء والطاقة بالبنية اللوجستية والابتكار الزراعي. وبهذا المعنى، لا تُعامل المرونة المناخية في الممارسة الإماراتية بوصفها استجابة بيئية ضيقة، بل باعتبارها ركيزة لحماية الاقتصاد والمجتمع، وتحويل التحديات المناخية إلى فرص للاستثمار والتكنولوجيا والنمو المستدام.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.