العدالة الرقمية: إشكاليات وضوابط التعامل مع “التسعير الخوارزمي” في المنصات الإخبارية

الرئيسية مقالات
د. فاطمة الزهراء عبدالفتاح أستاذ مساعد ووكيل كلية الإعلام جامعة الأهرام الكندية
العدالة الرقمية: إشكاليات وضوابط التعامل مع “التسعير الخوارزمي” في المنصات الإخبارية

 

العدالة الرقمية: إشكاليات وضوابط التعامل مع “التسعير الخوارزمي” في المنصات الإخبارية

 

 

 

مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات الضخمة، بات من الممكن تعديل أسعار المنتجات والخدمات استناداً إلى البيانات الشخصية والأنماط السلوكية للمستهلكين، فيما يُعرف بـ”التسعير الخوارزمي”. وقد امتدت هذه الممارسة إلى المنصات الإخبارية الرقمية، التي بدأت تعتمد أسعاراً متباينة للخدمة نفسها، في سياق أزمة اقتصادية عميقة تواجهها صناعة الأخبار.

ومع تراجع نموذج الإعلانات الرقمية التقليدي لمصلحة المنصات التكنولوجية الكبرى، اضطرت المؤسسات الإخبارية إلى البحث عن نماذج بديلة لتعظيم إيرادات الاشتراكات. وهكذا انتقلت من “جدران الدفع التقليدية” إلى “جدران دفع ذكية” توظف الذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات للتنبؤ بمدى استعداد كل مستخدم للاشتراك أو الدفع.

وقد مهد هذا التحول إلى ظهور “التسعير الخوارزمي أو الشخصي” بوصفه امتداداً اقتصادياً لهذه النماذج، لكنه في الوقت نفسه يثير إشكاليات عميقة تتعلق بالعدالة والشفافية والثقة واحتمالات التمييز بين المستخدمين، ولا سيّما بالنظر إلى خصوصية المعلومات الإخبارية باعتبارها مورداً عاماً وأداة أساسية للمعرفة والرقابة المجتمعية.

التسعير الخوارزمي:

يُعرَّف التسعير الخوارزمي بأنه استخدام الخوارزميات وتحليلات البيانات ونماذج التعلم الآلي لاتخاذ قرارات التسعير بصورة آلية، استناداً إلى بيانات السوق والبيانات السلوكية للمستهلكين؛ بما يسمح بتعديل الأسعار في الزمن الحقيقي أو تخصيصها لكل مستخدم وفق تقدير مدى استعداده للدفع.

وتُعد هذه التقنية، التي يُشار إليها أيضاً بمصطلحات مثل “التسعير الشخصي” و”التسعير القائم على المراقبة”؛ شائعة في عدد من القطاعات، غير أن انتقالها إلى صناعة الأخبار لا يمثل مجرد امتداد لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الإدارة الاقتصادية للمؤسسات الإعلامية، بل ينطوي على تحول أعمق يتمثل في استخدام البيانات الشخصية لمستخدمي المنصات الإخبارية، وتحويل أنماط استهلاكهم للمحتوى وعاداتهم الرقمية إلى مدخلات تُستخدم في تحديد سعر قد يختلف من مستخدم إلى آخر.

وعلى الرغم من استخدام نماذج التسعير المدفوعة بالذكاء الاصطناعي منذ سنوات؛ فإن القضية عادت إلى الواجهة مع دخول قانون الإفصاح عن التسعير الخوارزمي في ولاية نيويورك الأمريكية حيز التنفيذ في نوفمبر 2025. ويلزم القانون الشركات التي تحدد الأسعار باستخدام خوارزميات تعتمد على البيانات الشخصية للمستهلكين؛ بعرض إفصاح صريح بشأن هذا الاستخدام. ويعرّف القانون البيانات الشخصية بأنها أي معلومات تحدد هوية مستهلك أو جهاز معين، أو يمكن ربطها به بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كما يفرض غرامات مدنية قد تصل إلى ألف دولار عن كل مخالفة.

ويُعد قانون نيويورك من أوائل التشريعات الأمريكية التي تفرض إفصاحاً صريحاً عن استخدام البيانات الشخصية في التسعير، كما يأتي ضمن اتجاه تشريعي أوسع لفرض قيود متفاوتة على ممارسات التسعير الشخصي المستندة إلى بيانات العملاء، في عدد من الولايات الأمريكية، من بينها كاليفورنيا وتينيسي ونيو مكسيكو.

وقد انعكس هذا الإلزام التشريعي على المؤسسات الإعلامية الأمريكية، التي باتت مطالبة بالكشف عن استخدام الخوارزميات في تحديد الأسعار. ومن أبرز الأمثلة صحيفة “وول ستريت جورنال”، التي أضافت إلى رسائلها الموجهة للمشتركين بياناً للإفصاح عن استخدام البيانات الشخصية في التسعير. وقد سلط ذلك الضوء على اعتماد الصحيفة نموذجاً متقدماً لإدارة التسعير و”جدار الدفع” (Paywall)، يقوم على الذكاء الاصطناعي وتحليل السلوك الرقمي، سواء في تحديد عدد المقالات المجانية المتاحة قبل ظهور “جدار الدفع”، أم في توظيف مزيج من المؤشرات الديمغرافية والسلوكية وتقديرات الدخل في تحديد السعر.

وأثار هذا النموذج جدلاً قانونياً واسعاً، انتهى إلى رفع مشتركين دعوى جماعية ضد الصحيفة في يونيو 2026؛ اتهموها فيها بتحويل عادات القراءة، مثل متابعة التحديثات أو المواظبة على قراءة كاتب عمود معين، إلى مؤشرات تُستخدم لتقديم أسعار مختلفة للمشتركين وفق خصائصهم الديمغرافية وأنشطتهم الرقمية، ولا سيّما في ظل تفاوتات كبيرة بين الأسعار الفردية، تراوحت بين 60 و170 دولاراً.

ومن منظور اقتصادي، يمكن للتسعير الخوارزمي أن يسهم في تخصيص أكثر كفاءة للموارد، من خلال مواءمة الأسعار بدرجة أكبر مع استعداد المستهلكين للدفع؛ مما قد يعزز الإيرادات ويدعم استدامة الصحافة المستقلة في ظل تراجع عوائد الإعلانات. وقد أظهرت بعض التجارب آثاراً ملموسة في هذا الاتجاه؛ إذ كشفت تحليلات أجرتها صحيفة “إل موندو” الإسبانية عام 2023 أن التسعير الآلي أسهم في زيادة معدلات التحول إلى الاشتراك بنسبة 60.4%، ونمو الإيرادات بنسبة 50.7%. لكن من ناحية أخرى، قد تؤدي هذه الممارسات إلى مضاربة تسعيرية تستغل ولاء المستهلكين.

إشكاليات متداخلة:

لطالما ارتبط تسعير الخدمات الإخبارية بحسابات التكلفة والعرض والطلب والندرة وغيرها من المقاييس التي تحدد المقابل المادي المطلوب لشراء صحيفة أو الاشتراك في خدمة أو الوصول إلى محتوى مدفوع، من دون أن يكون لماهية المستهلك نفسه دور في عملية التسعير؛ إذ تظل قدرته على الدفع ورغبته في الحصول على الخدمة هي المعيار الأساسي وربما الوحيد للحصول عليها، ولا سيّما إذا كانت خدمة عامة توفر المعلومات والأخبار.

ولكن مع اعتماد النظم الآلية في عملية التسعير، قد يصبح الأمر تجربة شخصية ترتبط ببيانات المستخدم وسجل سلوكه الرقمي؛ أي إن التسعير ليس للمنتَج وإنما للسلوك المحتمل للمستهلك؛ مما يثير التساؤلات بشأن ما إذا كانت الأخبار قد أصبحت سلعة تحدد الخوارزميات نظيرها السعري وفقاً لهوية القارئ واستعداده للدفع؛ بما يضع صناعة الإعلام أمام إشكاليات أخلاقية وقانونية واقتصادية، أو أن يكون الأمر مجرد امتداد طبيعي لتطور نماذج الأعمال الرقمية في ضوء التطورات التنظيمية والتكنولوجية المتسارعة.

ولا يُعد الجدل حول التسعير الخوارزمي في الإعلام مجرد مسألة تقنية أو اقتصادية، بل إنه مسألة جوهرية تتعلق بطبيعة الصحافة في العصر الرقمي، وشكل العلاقة بين المؤسسات الإخبارية وجمهورها، والقيم التي ينبغي أن تحكم وصول المواطنين إلى الأخبار المعلومات؛ وهو ما يرتبط بإشكاليات عديدة، من أبرزها الآتي:

1- الوصول للمعلومات كحق عام: تثير ممارسة التسعير الخوارزمي في مجال الإعلام إشكالية أخلاقية فريدة؛ لأن المنتج هنا ليس سلعة استهلاكية عادية، بل خدمة ترتبط بالحق في الوصول إلى المعلومات. فالصحافة تؤدي وظيفة حيوية كحارس للمساءلة ورقيب على السلطة، وعندما يتم تسعير هذه الخدمة بشكل فردي بناءً على قدرة كل مواطن على الدفع؛ يثير ذلك مخاوف بشأن ربط الوصول إلى المعلومة بالقدرة المالية؛ وهو ما تتزايد تبعاته على حق المعرفة، بالنظر إلى أنه غالباً ما يتم تقييد الوصول إلى المحتوى المتميز، بما في ذلك التقارير الاستقصائية وتحليلات الخبراء، لتعزيز قيمة الاشتراك.

2- شبهات التمييز: على الرغم من عدم الإفصاح عن القواعد التي يعتمد عليها التسعير الخوارزمي بناءً على البيانات الشخصية؛ فإن النظام يحمل في طياته تمييزاً خفياً بناءً على المستوى المادي والسلوك والموقع الجغرافي وغيرها. فعلى سبيل المثال، تفترض الخوارزميات أن مستخدمي أجهزة “آيفون” قد يكون لديهم دخل أعلى من مستخدمي أنظمة “أندرويد”، وبالتالي يتم رفع الأسعار المخصصة لهم. وكذلك إمكانية تتبع الموقع الجغرافي لتقدير أماكن السكن؛ ومن ثم تقدير ثروة المستخدم أو مستواه الاجتماعي والاقتصادي. ويفتح ذلك المجال أمام أشكال متعددة من التمييز غير المباشر، بما فيها التمييز العرقي أو الديني أو النوعي.

3- العقاب على الولاء: على خلاف النموذج المعمول به لسنوات بمنح مزايا للمستخدمين المتكررين للحفاظ على ولائهم، يعتمد النظام الخوارزمي على افتراض أن المستخدمين المتكررين يقدرون الخدمة بشكل أكبر؛ ما يفرض عليهم سعر أعلى؛ وهذا ما ينطوي على عقاب لهم نظير ذلك الولاء، وبما يتنافى مع قواعد الإعلام في بناء مجتمعات المتابعين وترسيخ علاقة مع الجمهور تُعد أساساً لثقتهم وارتباطهم العاطفي به كجزء من حياتهم اليومية.

4- تآكل الثقة: تعتمد المؤسسات الإخبارية على علاقة قائمة على الثقة، سواء في قدرتها على توفير محتوى ذي قيمة أم في التزامها بالعدالة والحياد في تعاملها مع المجال العام ومع مستخدميها. غير أن المستخدم عندما يعلم أنه يدفع سعراً مختلفاً عن مستخدم آخر لنفس المنتج، وأن هذا السعر تحدده خوارزمية غامضة تستخدم بياناته الشخصية؛ فإن هذه الثقة تتعرض للاهتزاز بما يهدد بتآكلها. ويمتد أيضاً أثر هذه الممارسات إلى العلاقة النفسية بين المؤسسة الإخبارية وجمهورها؛ إذ إن إدراك الجمهور لوجود معاملة غير عادلة أو أسعار مختلفة لأشخاص متشابهين قد يؤدي إلى تراجع الثقة المؤسسية، وانخفاض نية الاشتراك على المدى الطويل؛ حتى وإن حققت هذه الممارسات مكاسب مالية قصيرة الأجل.

5- التأثير السلبي في جودة الأخبار: إذا كانت الخوارزميات تتعلم أي أنواع المحتوى تحقق أعلى معدلات اشتراك أو أعلى استعداد للدفع؛ فقد يدفع ذلك المؤسسات، ولو بصورة غير مباشرة، إلى توجيه استثماراتها التحريرية نحو الموضوعات الأكثر ربحية، على حساب القضايا ذات القيمة العامة التي تجذب اهتماماً أقل؛ ما يعكس التأثير السلبي لتوظيف الخوارزميات في أولويات إنتاج الأخبار، والوظيفة الاجتماعية للصحافة.

6- التواطؤ الخوارزمي: ينشأ التواطؤ عندما تراقب خوارزميات الشركات أسعار المنافسين بشكل لحظي، ثم تتعلم تلقائياً أن الحفاظ على أسعار عالية ومتقاربة هو الخيار الأفضل للجميع؛ مما يلغي المنافسة الحقيقية. وعلى الرغم من صعوبة إثبات وجود اتفاق بين المتنافسين على رفع سعر الخدمة بشكل جماعي؛ فإنه يخلق شبهة قانونية لممارسة احتكارية تضغط على المستهلك، والذي يتمتع بخصوصية في سوق الأخبار باعتباره يتلقى خدمة تتصل بالمصلحة العامة وحق الوصول للمعلومات وممارسة الرقابة على الأجهزة العامة.

أطر ضابطة:

بالرغم من هذه الإشكاليات؛ فإنها لا تعني أن التسعير الخوارزمي يمثل بالضرورة ممارسة غير أخلاقية؛ إذ إن تصميمه بصورة مسؤولة قد يسهم في توسيع الوصول إلى الأخبار وتحسين استدامة المؤسسات الصحفية دون المساس بحق الجمهور في المعرفة؛ وهو ما يجعل جدوى تطبيقه لا تكمن في الخوارزمية ذاتها، وإنما في معايير تصميمها ودرجة شفافيتها وخضوعها للمساءلة، وفي اعتماد مجموعة من القواعد المهنية والأخلاقية للتعامل المسؤول مع توظيف الذكاء الاصطناعي في أبعادها الاقتصادية ومنها تسعير الخدمات.

وتتصدر “الشفافية الاستباقية” الإجراءات المطلوبة للتعامل مع هذه الإشكالية. فبدلاً من أن تكتفي المؤسسات بالإفصاح المقتضب في سياسات الخصوصية، الذي غالباً ما يمر دون أن يلتفت إليه القارئ؛ ينبغي لها أن تشرح لجمهورها بوضوح كيفية عمل خوارزميات التسعير، والعوامل التي تدخل في معادلتها، سواء تعلق الأمر بوتيرة القراءة، أم توقيت التصفح، أم مستوى التفاعل مع المحتوى.

ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة لأن التسعير الخوارزمي، بطبيعته، ينطوي على عدم تناظر في المعلومات بين مقدم الخدمة، الذي يمتلك حجماً واسعاً من البيانات، والمستهلك الذي غالباً ما يوافق على جمع بياناته كشرط مسبق للحصول على الخدمة، من دون إدراك كافٍ لطبيعة ما يُجمع عنه أو كيفية توظيفه في قرارات التسعير. ويجعل هذا الاختلال المعرفي الشفافية وقابلية تفسير الخوارزميات عنصرين أساسيين للحد من عدم التكافؤ وتحقيق قدر أكبر من العدالة في الأسواق الرقمية.

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أهمية تبني المنصات الإخبارية المبادئ التوجيهية لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، ولا سيّما مبدأي القابلية للتفسير والقابلية للمراجعة، على أن تُدمج هذه المبادئ في تصميم أنظمة التسعير منذ البداية. فكلما ازدادت قدرة الخوارزميات على التنبؤ باستعداد الأفراد للدفع؛ تعاظمت الحاجة إلى أطر حوكمة واضحة تضمن ألا يتحول الوصول إلى المعلومات إلى امتياز تحدده البيانات الشخصية والقدرة المالية، وإنما يظل حقاً تحكمه مبادئ الشفافية والمساءلة والإنصاف.

ويتصل بذلك ضرورة وضع حدود أخلاقية واضحة للمتغيرات التي تستخدمها خوارزميات التسعير، بما يضمن استبعاد أي عوامل قد تقود إلى تمييز غير قانوني أو غير أخلاقي، مثل العرق أو الأصل القومي أو الدين. فإدخال مثل هذه المتغيرات قد يعيد إنتاج هويات تفاضلية داخل الفضاء الرقمي، ويقوض مبدأ العدالة في علاقة المؤسسة الإخبارية بجمهورها؛ ومن ثم ينبغي إخضاع هذه الخوارزميات لمراجعات أخلاقية دورية تكشف أوجه الانحياز المحتملة وتحد من انحرافها نحو ممارسات تمييزية.

ويستدعي ذلك أيضاً تعزيز الجاهزية التنظيمية والتشريعية لمواكبة هذه التحولات، سواء من جانب الجهات المعنية بتنظيم المشهد الإعلامي، أم من جانب المؤسسات الإخبارية نفسها؛ عبر تطوير منظومة حماية البيانات وضمان الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي.

وبالتوازي، تبرز أهمية إشراك الجمهور في حوار مفتوح حول تحديات تمويل الصحافة في ظل تراجع عوائد الإعلانات وهيمنة منصات التكنولوجيا الكبرى. فالتعامل مع هذه القضايا لا ينبغي أن يقتصر على استجابات دفاعية لضغوط خارجية، بل يجب أن يصبح جزءاً من الهوية المؤسسية للمؤسسات الإخبارية وشرطاً لاستدامتها، وبما يحدد شكل العلاقة المستقبلية بين المؤسسات الإخبارية وجمهورها، وحدود الثقة الممكنة في عصر باتت فيه الخوارزميات تتخذ قرارات كانت حكراً على البشر.

” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”

 


اترك تعليقاً