اتجاهات مستقبلية

الرئيسية مقالات
مجموعــــــــة ترينـــــــــــــــــدز
اتجاهات مستقبلية

 

اتجاهات مستقبلية

ما بعد انتهاء مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية

 

 

تنتهي رسميًّا، في 17 أغسطس 2026، فترة التفاوض الممتدة لـ60 يومًا التي حددتها مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، من دون التوصل إلى اتفاق نهائي، أو تسوية شاملة كان يُفترض التوصّل إليها عند توقيع مذكرة التفاهم في يونيو الماضي. وعلى الرغم من أن التفاهم أسهم مؤقتًا في خفض مستوى الأعمال العدائية، ووفر إطارًا دبلوماسيًّا للتفاوض، فإن انتهاءه يضع واشنطن وطهران أمام مرحلة جديدة من الصراع الاستراتيجي، تتمحور حول مضيق هرمز، والعقوبات والتعويضات، والبرنامج النووي الإيراني، ومستقبل الترتيبات الأمنية الإقليمية.

ومن ثمَّ، يُرجح أن تكون النتيجة المباشرة لانتهاء مذكرة التفاهم هي الدخول في مرحلة من “المواجهة المُدارة”، بدلًا من السلام الشامل أو الحرب المفتوحة. فلا واشنطن ولا طهران تبدوان قادرتين حاليًّا على تحقيق أهدافهما بالوسائل العسكرية وبتكلفة يمكن تحمّلها. وفي الوقت نفسه، لاتزال مواقفهما التفاوضية متباعدة بدرجة تحول دون التوصل إلى اتفاق شامل.

وسيظل مضيق هرمز ساحة الضغط الرئيسية بين الطرفين. فواشنطن تطالب بضمان حرية وأمن الملاحة من دون تدخل إيراني، في حين تنظر طهران بصورة متزايدة إلى قدرتها على التحكم في حركة الملاحة باعتبارها ورقة ضغط للحصول على تنازلات أمريكية، أو لترسيخ سيطرتها على المضيق. وقد أصبحت التداعيات واضحة بالفعل؛ إذ أظهرت بيانات الشحن عبور خمس سفن فقط محملة بالسلع للمضيق في 15 أغسطس، وعدم عبور أي سفينة في اليوم التالي، مقارنة بـ31 سفينة خلال عطلة نهاية الأسبوع السابقة. ونتيجة لذلك، ارتفع سعر خام برنت إلى نحو 89 دولارًا للبرميل في 17 أغسطس، وسط تعثر المفاوضات وتصاعد المخاوف من استمرار اضطراب حركة الملاحة.

ويتمثل الاحتمال الثاني في تصاعد الضغوط الاقتصادية والعسكرية المتبادلة. فقد تتجه واشنطن إلى تشديد العقوبات، والإبقاء على الضغط البحري أو تعزيزه، وتنفيذ ضربات إضافية بهدف زيادة تكلفة السياسات الإيرانية من دون التورط في أي تدخل بري. وفي المقابل، تستطيع طهران استغلال موقعها الجغرافي من خلال تقييد حركة الملاحة، وتهديد البنية التحتية للطاقة في المنطقة، واستخدام ضغط عسكري محسوب، خاصةً من جانب وكلائها، لإظهار أن استمرار الضغوط الأمريكية ينطوي على تكاليف اقتصادية كبيرة.

وقد تُعزز التطورات الداخلية في إيران هذا المسار. فتعيين القائد السابق في الحرس الثوري محسن رضائي أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي وتقوي موقع التيار المتشدد في لحظة شديدة الحساسية.

ومع ذلك، فإن انتهاء مذكرة التفاهم لا يعني بالضرورة نهاية المسار الدبلوماسي، ولكنه يشير إلى أن المفاوضات قد تجري بالتوازي مع أدوات الضغط والإكراه، بدلًا من أن تحلّ محلها؛ إذ يمتلك الطرفان دوافع قوية للاستمرار في التفاوض. فالولايات المتحدة تريد ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، وفرض قيود على القدرات النووية الإيرانية، من دون التورط في حرب إقليمية مفتوحة. أما طهران، فتحتاج إلى تخفيف العقوبات، وحماية بنيتها التحتية الاقتصادية، والحصول على اعتراف بمصالحها الأمنية، ولاسيما في مضيق هرمز. ومن ثمَّ، قد تسعى عُمان وباكستان وقطر وغيرها من الأطراف الإقليمية إلى التوسط للتوصل إلى ترتيب مؤقت جديد.

وعليه، يبدو السيناريو الأكثر ترجيحًا هو الدخول في مرحلة “لا حرب ولا سلام”، تتسم بمفاوضات متقطعة، وتصعيد عسكري محدود، وضغوط اقتصادية، ومواجهات بحرية. بعبارة أخرى، يُحتمل انتقال الصراع الأمريكي الإيراني إلى مرحلة شبيهة بالحرب الباردة؛ بمعنى استمرار الصراع دون التوصل إلى اتفاق نهائي. ويبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يسعى إلى إيجاد أي صيغة تسمح بإعادة فتح مضيق هرمز بما يمكّنه من الخروج المشرف، ثم إنهاء الانخراط في الحرب. ويُرجح أن تحاول إيران تحويل النفوذ المؤقت الذي اكتسبته من تعطيل الملاحة إلى دور دائم في إدارة المضيق أو السيطرة عليه.

ويظل التوصل إلى اتفاق مؤقت جديد أمرًا ممكنًا، خاصة إذا فرض ارتفاع أسعار النفط وتعطل حركة الملاحة تكاليف دولية يصعب تحمّلها. أما الوصول إلى تسوية شاملة، فيبدو أكثر صعوبة. ومن ثمَّ، فإن انتهاء مذكرة التفاهم لا يمثل نهاية للدبلوماسية الأمريكية-الإيرانية بقدر ما تؤشر إلى بداية مرحلة أكثر اعتمادًا على الإكراه، ستسير خلالها المفاوضات والضغوط العسكرية جنبًا إلى جنب.


اترك تعليقاً