اتجاهات مستقبلية

الرئيسية مقالات
مجموعــــــــة ترينــدز
اتجاهات مستقبلية

 

اتجاهات مستقبلية

لماذا تظل مواجهة الإخوان والفكر المتطرف ضرورةً لحماية التنوع الديني؟

 

 

وافق يوم الثاني والعشرين من أغسطس، اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا أعمال العنف القائم على أساس الدين أو المعتقد. وهو يوم أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2019، وفاءً لملايين الأفراد وعشرات المجتمعات التي ترك العنف الديني في نفوسها جراحًا لا تمحوها السنوات؛ أسر فقدت أبناءها، وأقليات أُكرهت على الهجرة أو الصمت، ومدن انكمش فيها شعور الناس بالأمان والثقة المتبادلة.

بيدَ أن أهمية هذه الذكرى لا تقف عند استعادة الألم أو إدانة الجرائم بعد وقوعها. فالعنف الذي يتذرع بالدين لا يبدأ عند لحظة التفجير أو الاغتيال؛ بل ينشأ، في الغالب، في مساحات أكثر خفاءً، ومن خطاب يضيق بالاختلاف، ويقسم المواطنين بين جماعة تزعم امتلاك الحقيقة وغيرها ممن يُشكك في إيمانهم أو وطنيتهم. ثم تتسع الدائرة شيئًا فشيئًا لتبدأ من خطاب كراهية، فإقصاء، فتعبئة تنظيمية، قبل أن يجد بعض أفراده في العنف وسيلة مشروعة أو قابلة للتبرير.

والكلفة هنا إنسانية واجتماعية واقتصادية في آن واحد؛ إذ إن التطرف يبدد الثقة في المجتمع، ويضعف المدرسة والأسرة والمؤسسات الدينية، ويحوّل موارد الدول من سباق التنمية إلى استنزاف الاستجابة الأمنية. ولعل ما يدعم ذلك ما قدّره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن ست عشرة دولة أفريقية من أصل ثماني عشرة شملتها دراسة عن أثر التطرف العنيف خسرت، في المتوسط، نحو 97مليار دولار سنويًّا من النشاط الاقتصادي غير الرسمي منذ عام 2007، بإجمالي خسائر في هذا القطاع لكامل القارة جرّاء ذلك قدرت بنحو 1.68 تريليون دولار أمريكي بين عامي 2007 و2015. بينما أنفقت القارة ما يقارب 84 مليار دولار سنويًّا على إجراءات التأمين ومواجهة التهديدات. ففي عشر سنوات بين عامي 2007 و2016 تكبّدت القارة الأفريقية خسائر فادحة جراء الإرهاب بلغت 119 مليار دولار أمريكي على الأقل. وهي أموال كان يمكن أن تذهب إلى التعليم والصحة وفرص العمل. وفي السياق ذاته، تكشف بيانات مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2025 أن 66 دولة سجلت حادثًا إرهابيًّا واحدًا على الأقل خلال عام 2024؛ بما يوضح أن الظاهرة لم تعد محصورة في ساحات الصراع التقليدية، وإنما باتت تهدد الاستقرار والتنمية في مناطق متباعدة.

ومن هنا، لا تكفي ملاحقة المنفذ بعد وقوع الجريمة، على ضرورتها؛ بل ينبغي تجفيف منابع الفكر المتطرف، ومراقبة التمويل والتجنيد والدعاية الرقمية، وحماية العمل الخيري والمؤسسات التعليمية من التوظيف التنظيمي. فالأمن لا ينفصل عن ترسيخ المواطنة المتساوية، وعن بناء وعي يرفض احتكار الدين أو تحويله إلى أداة صراع سياسي.

وتبرز، في هذا الإطار، خطورة جماعة الإخوان وغيرها من تيارات الإسلام السياسي التي تضع التنظيم فوق الدولة، وتستبدل رابطة الوطن برابطة الجماعة، وتوظف الدين في طلب السلطة. وليس المقصود الخلط بين التدين المشروع والعنف، ولا إصدار أحكام قانونية بغير دليل؛ لكن الخطر يكمن في البنية الفكرية التي تشرعن الإقصاء وتغذي الاستعلاء التنظيمي، بما يهيئ بيئة قابلة للانزلاق نحو التطرف.

وعليه، فإن الدفع نحو إدراج جماعة الإخوان وواجهاتها وشبكاتها المرتبطة بها ضمن قوائم الإرهاب عالميًّا ينبغي أن يستند إلى ملفات قانونية موثقة ترصد التحريض والتمويل والتجنيد والصلات العملياتية. فمواجهة هذا الخطر تستلزم تعاونًا دوليًّا فاعلًا، وتجفيفًا لمصادر التمويل، ومساءلةً لكل من يحوّل العقيدة إلى ذريعة للكراهية أو بابٍ للعنف؛ ذلك أن الوفاء للضحايا لا يكون بالذكرى وحدها، بل بمنع تكرار المأساة.


اترك تعليقاً