اتجاهات مستقبلية
القطب الشمالي: جبهة الحرب الباردة الجديدة
ليس من اليسير أن يُقرأ تصريح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، والذي تداولته وسائل الإعلام الدولية، الذي وصف فيه تحركات حلف شمال الأطلسي في القطب الشمالي بأنها «تهديد مباشر» لروسيا، بوصفه حلقة جديدة من سجالٍ سياسيٍّ مألوف بين موسكو والغرب. فالكلمات التي تصدر عن عاصمةٍ اعتادت وزن عباراتها في مسائل الأمن والردع لا تتصل، في الغالب، بمناورة عابرة أو انتشار محدود هنا وهناك، وإنما تنبئ بأن الجليد البعيد بدأ يدخل حسابات القوة؛ وأن منطقةً ظلت، ردحًا طويلًا من الزمن، في أطراف الجغرافيا الدولية، آخذة في التحول إلى قلب جديد للتنافس.
لقد تبدلت صورة القطب الشمالي على نحو لم يكن متوقعًا قبل عقود. فما كان فضاءً موحشًا، تقطعه بعثات علمية محدودة وتحيط به عوائق الطبيعة، صار مجالًا واعدًا للملاحة والتجارة والطاقة. وكلما تراجع الغطاء الجليدي، ولو على غير وتيرة واحدة، انفتحت إمكانات لممرات بحرية أقصر بين آسيا وأوروبا، وبرزت قيمة الثروات الكامنة تحت البحر وفي أطرافه؛ من نفط وغاز ومعادن نادرة، لا تقل أهميتها في اقتصاد القرن الحادي والعشرين عن أهمية الممرات ذاتها.
ومن ثمَّ، لا عجب أن تنظر روسيا إلى القطب بوصفه جزءًا لا يتجزّأ من أمنها الوطني؛ فهي صاحبة أطول سواحل المنطقة، وفيها قواعدها البحرية ومسارات ردعها النووي، ومن خلالها تمرّ خطوط تصدير الطاقة واتصالات الداخل الروسي بالشمال الأوروبي والشرق الآسيوي؛ ولهذا فإن أي حضور متزايد للناتو، مهما قُدّم بصفته احترازًا دفاعيًّا، يُستقبل في موسكو باعتباره محاولةً لتضييق مجالها الاستراتيجي في منطقة تراها امتدادًا طبيعيًّا لحدودها وأمنها.
على أن الحلف لا يخفي، من جانبه، أن تحركاته تنبع من قراءة معاكسة تمامًا: فالتوسع العسكري الروسي في الشمال، وتحديث قواعده وقدراته البحرية والجوية، يفرضان – في نظر عواصم الحلف – يقظةً أكبر واستعدادًا لا يحتمل التأخير. وهنا تتجلى المفارقة التي تحكم كثيرًا من أزمات العالم: كل طرف يراكم أدوات الردع اتقاءً للآخر، ثم يرى في ردّ فعل خصمه برهانًا جديدًا على صواب مخاوفه الأولى.
ولا تقف المسألة عند حدود روسيا والناتو؛ فالصين، التي تصف نفسها بأنها دولة قريبة من القطب، تراقب الممرات الجديدة ومواردها بعين اقتصادية واستراتيجية معًا، فيما تجد دول شمال أوروبا نفسها في موضع لم تختره: جغرافيا هادئة بالأمس، وخطّ تماس شديد الحساسية اليوم. كذلك فإن الحديث عن القطب لا ينفصل عن أمن الطاقة العالمي، ولا عن سباق المعادن الحرجة، ولا عن مستقبل خطوط التجارة التي قد تُعيد توزيع المزايا بين الموانئ والدول.
والخطر، في النهاية، لا يكمن في قرار معلن بحرب واسعة على الثلج؛ فتلك صورة لا تزال بعيدة، إنما يكمن في تراكم الاحتكاكات الصغيرة بدءًا من غواصات تتحرك في مياه مكتظة بالحساسيات، مرورًا بطائرات دورية، وسفن حراسة، وصولًا لممرات لم تستقر بعد قواعد إدارتها. وفي بيئة كهذه، قد يكفي خطأ في التقدير أو حادث محدود لكي يتحول الجليد، الذي يذوب بفعل المناخ، إلى شرارة صراع جديد بين القوى الكبرى.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.