الدرس الآسيوي: كيف تتحول الديمغرافيا الإفريقية من عبء إلى عائد تنموي؟
غالباً ما تتفق الرؤى حول مستقبل إفريقيا على نقطة انطلاق مشتركة، وهي أن صراعات وإخفاقات القارة في مرحلة ما بعد الاستعمار لا تنبع من نقص الموارد أو الكفاءات، بل من عقود من نماذج التنمية المفروضة من الخارج، أو تلك التي قلدتها النخب الإفريقية نفسها بسهولة بالغة سعياً منها لتحقيق النهضة الكبرى.
ومع ذلك، يكمن وراء هذا التشخيص المشترك رؤيتان مختلفتان تماماً لما يجب أن يكون عليه الحال لاحقاً. ويحدد أحد هذين التوجهين مسار التقدم من منظور اقتصادي ومؤسسي؛ مجادلاً بأن الأنظمة الإفريقية التقليدية -المتجذرة في المبادرات الخاصة، والمشاريع العائلية، والتبادل الحر، والحد الأدنى من التدخل الخارجي- كانت أكثر توافقاً مع مبادئ السوق من النماذج التي توجهها الدولة والتي حلت محلها، وأن التجديد الإفريقي الحقيقي يجب أن ينبع من القاعدة؛ مدفوعاً بجيل جديد من رواد الأعمال والمزارعين بدلاً من الخطط الكبرى التي تضعها الحكومات أو الهيئات الدولية.
بينما يتناول اتجاه فكري ثانٍ المعضلة نفسها من منظور فلسفي وثقافي؛ مُجادلاً بأن الفشل الأعمق يكمن في المعرفة؛ أي العجز عن تصور التنمية والمجتمع، بل والرؤية الكونية ذاتها، خارج التصنيفات الموروثة من الفكر الاستعماري والغربي. وبناءً على هذا الرأي؛ فإن ما تحتاجه إفريقيا بشدة ليس مجرد سياسة اقتصادية رشيدة، بل استعادة رؤى عالمية قائمة على العلاقات والتضامن، راسخة في التراث الحضاري الإفريقي القائم على قيم الترابط والتبادل والمسؤولية المشتركة بين الأجيال؛ باعتبارها الأساس الحقيقي لمستقبل عادل ومستدام.
ويتفق هذان المنظوران في رفضهما للتقليد، مُصرّين على أن الحلول المنسوخة حرفياً من أماكن أخرى ستفشل حتماً في ترسيخ أقدامها؛ لكنهما يختلفان اختلافاً حاداً حول ماهية البديل الإفريقي الأصيل: هل هو إحياء منهجي للممارسات الاقتصادية المحلية مدفوع بقوى السوق، أم إعادة تصور قائمة على العلاقات والأخلاق لمعنى الازدهار والإنسانية ذاتها؟
وما يعنينا في هذا المقام ليس التمسك بسردية متفائلة حول المستقبل الإفريقي، ولا تبني سردٍ آخر لإخفاقات القارة، ولكن تقديم تقييم عملي لما سيحدد قدرة إفريقيا على تحقيق تحول اقتصادي مستدام والتقارب مع مستويات الدخل العالمية عوضاً عن ذلك. وفي هذا السياق، تصبح نهضة إفريقيا ممكنة؛ ولكنها ليست قدراً مقدوراً. ويصبح السؤال الحاسم هو ما إذا كانت الحكومات قادرة على تهيئة الظروف الديمغرافية والاقتصادية والمؤسسية اللازمة لتحقيق النمو السريع. ويبدو أن الحلول سوف تنبع من الديمغرافيا الإفريقية؛ إذ إن إفريقيا ستصبح موطناً لطفرة شبابية غير مسبوقة؛ حيث يبلغ متوسط العمر في جميع أنحاء القارة نحو 19 عاماً؛ أي أصغر بعقد تقريباً من المتوسط العالمي. ويمكن أن تمثل هذه التركيبة العمرية الشابة مصدراً لفرص هائلة؛ إذ توفر قوة عاملة وقاعدة مستهلكين كبيرة في العقود القادمة؛ ومع ذلك، فإنها تشكل أيضاً تحديات كبيرة في ضمان كفاية الموارد والخدمات والاستقرار.
ومن المرجح أن يؤثر مسار الطفرة الديمغرافية في إفريقيا بشكل كبير في تنميتها الاقتصادية، وواقعها الجيوسياسي، ومشهدها الاجتماعي في القرن الحادي والعشرين؛ لذا، يدرك صانعو السياسات تماماً أن الاستثمارات الحالية (أو انعدامها) في رأس المال البشري والبنية التحتية سيحدد ما إذا كانت هذه الموجة الديمغرافية ستصبح عائداً أم عبئاً. وهذا ما يناقشه هذا المقال من واقع مقاربة تحليلية للخبرة الآسيوية التي اشتركت في البدايات مع الخبرة الإفريقية جنوب الصحراء؛ ولكن المآلات كانت حقاً متباينة.
لماذا تقدمت آسيا وتأخرت إفريقيا؟
من منظور الاقتصاد السياسي، يمكن ملاحظة ظاهرة التباين الحاد في مسارات التنمية الاقتصادية بين إفريقيا جنوب الصحراء ودول شرق آسيا منذ ستينيات القرن العشرين، ولا سيّما من خلال التركيز بشكل خاص على مسار التصنيع كمحور فاصل بين التجربتين. فبينما وجّهت “النمور الآسيوية الأربعة” (هونغ كونغ، وكوريا الجنوبية، وسنغافورة، وتايوان) اقتصاداتها نحو التصنيع التصديري وبناء قطاعات إنتاجية متنوعة ذات قيمة مضافة، بالرغم من انطلاقها من واقع ما بعد استعماري وحروب مدمرة كالحرب الكورية؛ ظلت معظم الدول الإفريقية حبيسة القطاعات الأولية الخام (التصدير الزراعي كالكاكاو والقهوة، والمعادن الخام كالنحاس والذهب) دون أن تنجح في الانتقال إلى مراحل تصنيعية أكثر تعقيداً وقدرة على خلق فرص العمل والقيمة المضافة.
ولا يخفى أن السياسات الحكومية الإفريقية، بدلاً من تحفيز التصنيع التنافسي؛ حوّلت الاستثمارات نحو مشاريع صناعية حكومية كثيفة رأس المال وغالباً خاسرة، على حساب القطاعات كثيفة العمالة؛ الأمر الذي أدى إلى تفاقم البطالة وتعميق الاعتماد على تصدير المواد الخام دون تصنيعها محلياً.
وعليه فإن الأطروحة المركزية التي تجيب عن التساؤل الخاص بأسباب تقدم آسيا وتأخر إفريقيا؛ تؤكد أن هذا التباين في المسار الصناعي لم ينبع من فارق في حجم المساعدات الخارجية المتلقاة، بقدر ما نبع من فارق في توجه السياسات الاقتصادية الداخلية ذاتها. فبينما تبنت الدول الآسيوية أطراً مؤسسية محفزة للتصنيع الخاص (ضرائب منخفضة، وأسواق مال مفتوحة، وحماية الملكية الخاصة)؛ ظلت الدول الإفريقية أسيرة نماذج تدخل حكومي مباشر في الإنتاج والتسعير؛ الأمر الذي عطّل قيام قاعدة صناعية تنافسية حقيقية.
ويمكن دعم هذه الحجة والدفاع عنها من خلال مقارنة تقليدية بين كل من غانا وكوريا الجنوبية. وهنا دائماً يُطرح السؤال: لماذا نجحت تجربة كوريا الجنوبية على عكس تجربة غانا؟ ففي خمسينيات القرن الماضي، كان لدى البلدين مستويات دخل متقاربة إلى حد كبير (نحو 490 دولاراً تقريباً للفرد)، إلا أن المسار الاقتصادي الذي سلكته كل منهما تباين بشكل كبير في السنوات اللاحقة. فبعد خمسة عقود، بلغ نصيب الفرد من الدخل في كوريا الجنوبية تسعة أضعاف نظيره في غانا تقريباً؛ ومع ذلك، فإن هذا التباين يعزى إلى ظروف تاريخية ومؤسسية. فقد ورثت كوريا الجنوبية من الاستعمار الياباني قاعدة صناعية وتعليمية وبنية تحتية، وإن كانت قد أُنشئت لخدمة المصالح الاستعمارية، بينما أبقى الاستعمار البريطاني غانا مرتبطة أساساً بإنتاج المواد الأولية، ولا سيّما الكاكاو والذهب، من دون بناء قاعدة صناعية وطنية مماثلة.
وبعد الاستقلال، تبنت كوريا الجنوبية نموذج الدولة التنموية ذات الأهداف الصناعية الواضحة، وحولت دعم الدولة للمؤسسات إلى حوافز مرتبطة بالأداء والتصدير؛ مستفيدة من الإصلاح الزراعي، والاستثمار في التعليم، والمساعدات الخارجية، والضغط الجيوسياسي الناجم عن الحرب الباردة. أما غانا، فعانت من الانقلابات المتكررة، وتذبذب السياسات الاقتصادية بين الاشتراكية والليبرالية، وضعف الاستمرارية المؤسسية، والاعتماد على صادرات أولية متقلبة؛ لذلك، لا يكمن الفارق في وجود ثقافة مجردة أو في تفوق شعب على آخر، بل في تفاعل الإرث الاستعماري مع طبيعة الدولة والقيادة والسياسات الاقتصادية والقدرة على تنفيذ رؤية تنموية طويلة الأمد.
الطفرة الديمغرافية.. نعمة أم نقمة؟
يشكّل التحول الديمغرافي أحد المفاتيح الأساسية لفهم الفارق بين مسارات التنمية الآسيوية والإفريقية؛ لكنه لا يعمل بوصفه عاملاً اقتصادياً مستقلاً أو ضماناً تلقائياً للنمو. ويظهر العائد الديمغرافي عندما تنخفض معدلات الخصوبة والوفيات تدريجياً؛ فتتراجع نسبة الأطفال والمعالين إلى السكان في سن العمل، بينما ترتفع حصة الفئة القادرة على الإنتاج والادخار والاستثمار. غير أن هذه الفرصة لا تتحول إلى نمو؛ إلا إذا رافقتها سياسات فعالة في التعليم والصحة والتشغيل والحماية الاجتماعية. وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن نسبة السكان في سن العمل في إفريقيا جنوب الصحراء آخذة في الارتفاع، وقد تصل الفئة العمرية 15–59 عاماً إلى نحو 60% من السكان بحلول عام 2050، مع زيادة حجمها بنحو 82% بين عامي 2025 و2050.
وتقدم كوريا الجنوبية مثالاً مهماً على كيفية تحويل التحول الديمغرافي إلى قوة اقتصادية. فقد تزامن اتساع قاعدة السكان في سن العمل مع إصلاح زراعي واسع، وتوسيع التعليم، وتعبئة الادخار، وإنشاء دولة تنموية ربطت التمويل والدعم الحكومي بأداء الشركات في قطاعات التصدير. ولم يكن الشباب الكوري مجرد رأس مال بشري فحسب، بل جرى إدماجه في استراتيجية صناعية شملت التعليم التقني، والصناعات الثقيلة، وبناء السفن، والإلكترونيات، ثم التكنولوجيا المتقدمة. وهكذا اقترنت البنية العمرية الملائمة بقدرة الدولة على خلق وظائف منتجة ورفع الإنتاجية، بدلاً من ترك الشباب خارج الاقتصاد الرسمي.
أما في إفريقيا، فالمشكلة لا تكمن في زيادة أعداد الشباب بحد ذاتها، بل في الفجوة بين سرعة النمو السكاني وقدرة الاقتصادات على توفير التعليم والعمل والخدمات. ففي عام 2025 بلغ معدل إعالة الأطفال دون 15 عاماً في إفريقيا نحو 67 طفلاً لكل 100 شخص في سن العمل؛ وهو مستوى يفرض ضغطاً كبيراً على الأسر والميزانيات العامة ويحد من الموارد المتاحة للاستثمار في البنية التحتية والصحة والتعليم؛ ومع ذلك، فإن هذا المؤشر مرشح للانخفاض إلى نحو 58% بحلول عام 2050؛ ما يفتح نافذة محتملة للعائد الديمغرافي إذا استُثمرت المرحلة الحالية في بناء رأس المال البشري وخلق فرص العمل.
لذلك، فإن الطفرة الديمغرافية قد تكون نعمة عندما تتحول الطاقة الشبابية إلى مهارات وإنتاج وابتكار، وقد تصبح نقمة عندما تقترن بالبطالة، والتهميش، وضعف الخدمات، وانسداد الأفق السياسي. فالشاب الذي لا يجد تعليماً مناسباً أو عملاً كريماً قد يتحول من محرك للنمو إلى مصدر للاحتجاج والهجرة والجريمة والتجنيد من قِبل الجماعات الإرهابية والعنيفة. ولا يعني ذلك أن الشباب سبب عدم الاستقرار، بل إن غياب المؤسسات والفرص هو الذي يحول التركيبة السكانية الملائمة إلى عامل ضغط اجتماعي وسياسي.
وعليه، لا ينبغي أن تقيس إفريقيا نجاحها بعدد السكان في سن العمل، بل بقدرتها على تحويلهم إلى قوة منتجة. ويتطلب ذلك إصلاح التعليم وربطه بسوق العمل، والتوسع في التدريب المهني والرقمي، وتحسين صحة الشباب، وتمكين النساء، وتسهيل تمويل المشروعات الصغيرة، وتسريع التصنيع والزراعة ذات القيمة المضافة، وتوسيع الاقتصاد الرسمي. كما يتطلب استقراراً سياسياً ومؤسسات قادرة على تنفيذ سياسات طويلة الأمد. فالعائد الديمغرافي ليس هدية تمنحها الأرقام، بل نتيجة سياسية واقتصادية تنتجها الدولة عندما تستثمر في الإنسان وتخلق له مجالاً حقيقياً للعمل والمشاركة.
ثنائية الزراعة والطاقة في التحول الإفريقي:
لا يمكن لإفريقيا أن تحقق تحولاً هيكلياً مستداماً من دون الانتقال من تصدير المنتجات الأولية إلى رفع الإنتاجية الزراعية، وتطوير الصناعات التحويلية، وتوسيع الخدمات ذات القيمة المضافة. غير أن المقارنة بين كوريا الجنوبية وغانا ينبغي أن تُفهم تاريخياً لا بوصفها وصفة جاهزة؛ فقد استفادت كوريا الجنوبية من قاعدة صناعية وبنية تحتية وتعليم حديث، ورثتها جزئياً من الحقبة اليابانية، ثم وظفت الدولة المساعدات الخارجية والتخطيط الصناعي والائتمان الموجّه للانتقال من الإحلال محل الواردات إلى التصنيع الموجّه للتصدير.
أما غانا، فعلى الرغم من امتلاكها قاعدة زراعية وتجارية مهمة؛ فقد ظلت أكثر اعتماداً على صادرات الكاكاو والذهب والمواد الخام، مع ضعف نسبي في التصنيع واستمرار تقلب السياسات الاقتصادية. وتُقدم الزراعة الإفريقية فرصاً عملية للتحول، ولا سيّما عبر الري، والبذور المحسنة، والميكنة، وسلاسل التبريد، والتخزين، والتصنيع الغذائي. وتظهر غانا نفسها أن الاستثمار في البحث الزراعي والإرشاد والبنية الريفية والتمويل يمكن أن يرفع الإنتاجية ويدعم سلاسل القيمة؛ لكن التحدي يكمن في تحويل هذه المكاسب إلى تصنيع واسع قادر على خلق وظائف مستقرة خارج الزراعة. وتؤكد مبادرات حديثة في غانا أهمية ربط المزارعين بالأسواق، وخفض خسائر ما بعد الحصاد، وتطوير الصناعات المرتبطة بالكاكاو والمنتجات الغذائية.
أما الطاقة، فهي ليست قطاعاً منفصلاً عن الزراعة والصناعة، بل شرط لتوسعهما. فماكينة الري، ومصنع التعبئة، ومخزن التبريد، ومركز الخدمات الرقمية تحتاج جميعاً إلى كهرباء موثوقة وبأسعار معقولة. ومع بقاء نحو 600 مليون إفريقي دون كهرباء؛ تصبح الطاقة قيداً مباشراً على الإنتاجية والتصنيع والخدمات؛ لذلك لا ينبغي اختزال التحول الطاقي في اختيار ثنائي بين الوقود الأحفوري والطاقة المتجددة؛ فالأولوية العاجلة هي توسيع الوصول إلى الطاقة الموثوقة، عبر مزيج واقعي يضم الشبكات المركزية، والغاز أو غيره حيث يكون ضرورياً، والطاقة الشمسية والرياح والشبكات المصغرة، مع استكشاف الطاقة النووية على المدى الأبعد. وتتمثل السياسة الأذكى في مواءمة كل مصدر مع حاجات المنطقة، مع حماية القدرة على تحمل التكاليف وتقليل الانبعاثات تدريجياً.
ومن هنا، فإن الزراعة والطاقة تشكلان ثنائية واحدة؛ فلا يوجد تصنيع زراعي من دون كهرباء، ولا يوجد تحول اقتصادي حقيقي من دون تحويل الإنتاج الزراعي إلى قيمة مضافة.
الشباب ومعضلة الاستقرار:
يمكن فهم جانب مهم من عدم الاستقرار في بعض دول إفريقيا من خلال التفاعل بين التركيبة السكانية الشابة، وضعف فرص العمل، ومحدودية قدرة الدولة على توفير الأمن والخدمات. فالشباب ليسوا مصدراً للعنف بطبيعتهم؛ إذ يمكن أن تتحول الكتلة الشبابية إلى رافعة للتنمية عندما يتوفر لها التعليم والمهارات والوظائف والمشاركة السياسية. غير أن الدراسات تشير إلى أن المجتمعات ذات النسب المرتفعة من الشباب تواجه مخاطر أكبر من الاضطرابات والعنف، خصوصاً عندما تقترن البطالة والتهميش بضعف المؤسسات والصراعات على الموارد. فالعمر السكاني لا يسبب عدم الاستقرار وحده؛ لكنه يضاعف أثر الأزمات السياسية والاقتصادية القائمة.
وتتضح خطورة الفجوة الاقتصادية في سوق العمل؛ إذ يقدر البنك الدولي أن نحو 12 مليون شاب إفريقي يدخلون سوق العمل سنوياً، في حين لا تُستحدث سوى قرابة 3 ملايين وظيفة رسمية بأجر؛ ونتيجة لذلك، يستوعب القطاع غير الرسمي الجزء الأكبر من العمالة؛ حيث تشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن العمل غير الرسمي شكّل نحو 83% من إجمالي العمالة في إفريقيا عام 2024، مع ارتفاع النسبة في إفريقيا جنوب الصحراء. ويظهر هذا الواقع في الأسواق المفتوحة، والنقل غير المنظم، والمشروعات الأسرية، والعمل الرقمي الهش؛ وهي أنشطة توفر سبل العيش؛ لكنها تفتقر غالباً إلى الحماية الاجتماعية والتمويل والإنتاجية المرتفعة.
وتزداد المشكلة تعقيداً بسبب التاريخ الطويل للانقلابات في عدد من الدول الإفريقية، الذي أضعف الثقة في المؤسسات الأمنية وجعل تعزيزها سياسياً موضع شك، كما أدى في بعض الحالات إلى توظيفها لخدمة السلطة بدلاً من حماية المجتمع.
لذلك لا يكفي توسيع الإنفاق الأمني، فالمطلوب بناء مؤسسات مهنية خاضعة للرقابة المدنية والقانون، بالتوازي مع الاستثمار في التعليم والصحة والبنية الحضرية. فالمدن الإفريقية، التي تستقبل أعداداً متزايدة من الشباب؛ ينبغي أن تتحول من فضاءات للبطالة المقنّعة والتجارة منخفضة الإنتاجية إلى مراكز للإنتاج والخدمات والابتكار. ولا يعني ذلك التخلي عن التصنيع، بل ربطه بالزراعة التحويلية واللوجستيات والطاقة والبنية الرقمية، مع توسيع فرص العمل في الخدمات الحديثة، مثل البرمجة، والتعهيد، والصناعات الإبداعية، والسياحة، والخدمات المالية، والتقنية. فمعالجة عدم الاستقرار الديمغرافي تتطلب في نهاية المطاف؛ تحويل الشباب من كتلة مهمشة إلى قوة اقتصادية ومواطنين ذوي مصلحة حقيقية في استقرار الدولة.
طريق المستقبل الإفريقي:
إن طريق المستقبل الإفريقي ينبغي أن يُفهم بعيداً عن سرديات التشاؤم أو التفاؤل. ربما يكون القرن الحادي والعشرين إفريقياً بامتياز بشكل يختلف عما يتصوره الكثيرون من خارج القارة، وفي الوقت نفسه قد لا يكون المستقبل الإفريقي مشرقاً كما يأمل الكثير من الأفارقة؛ لذا، فإن الوصفة التي نطرحها هنا واضحة؛ ولكنها تتطلب الكثير من الجهد والعمل المخلص. فيتعين على الحكومات إعطاء الأولوية للنمو الاقتصادي السريع وإزالة العقبات التي تحول دونه، مع ترجمة النمو في نهاية المطاف إلى فرص عمل ورفاهية وتحسين لمستويات المعيشة؛ وهذا يعتمد بشكل كبير على الحوكمة الصالحة والناجزة.
أضف إلى ذلك أنه لا ينبغي التعامل مع قضايا التركيبة السكانية والطاقة والتوظيف والزراعة والصناعة والحوكمة كمسائل سياسية منفصلة، وإنما كمكونات مترابطة ضمن معادلة تنموية أوسع. وفي هذا السياق، لا يمكن أن يصبح الشباب عائداً ديمغرافياً بالمفهوم الاقتصادي؛ إلا عندما تكون أنظمة التعليم والصحة والتوظيف قادرة على استيعابه. كما تتطلب الصناعة الطاقة، ويتطلب التوسع الحضري فرص عمل منتجة، ويتطلب التحول الاقتصادي حكومات قادرة على تحديد وإزالة العوائق التي تحول دون النمو.
وعليه فإن طريق المستقبل الإفريقي ليس مفروشاً بالورود كما أن تحدياته ليست مستعصية، بل إن القارة أمامها فرصة محدودة؛ ولكنها مهمة لتسريع تحولها. وسوف تحدد الخيارات التي تتخذها الحكومات ما إذا كان ثقل إفريقيا الديمغرافي سيصبح ميزة اقتصادية أم عائقاً مستمراً.
” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.