اتجاهات مستقبلية

الرئيسية مقالات
مجموعــــــــة ترينـــــــــــــــــدز
اتجاهات مستقبلية

 

اتجاهات مستقبلية

حماية التعليم من الهجمات تبدأ بتحصينه من التطرف الفكري

 

 

يُحتفى في التاسع من سبتمبر من كل عام بـ«اليوم الدولي لحماية التعليم من الهجمات»، الذي أقرّته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2020؛ لتذكير العالم بأن المدرسة والجامعة ليستا تفصيلًا مدنيًّا يمكن التضحية به في أوقات النزاعات، بل هما فضاءان محميّان بالحق في التعليم وبقواعد القانون الدولي الإنساني. فحين تُقصف مدرسة، أو تُستغل منشآتها لأغراض عسكرية، أو يُروَّع طلابها ومعلموها، لا يتوقف الدرس في يومه فحسب؛ بل تُصاب فرص التنمية والسلام والتسامح والاستقرار في مجتمع كامل.

ولعل الأرقام تكشف عن اتساع الخطر، فقد رصد «التحالف العالمي لحماية التعليم من الهجمات» نحو ستة آلاف هجوم استهدف الطلاب والمعلمين والمدارس والجامعات خلال عامي 2022 و2023، بمعدل يقارب ثماني هجمات يوميًّا، وبزيادة قاربت20 بالمئة مقارنة بالفترة السابقة. كما وثقت تقارير سابقة خمسة آلاف هجوم أو واقعة استخدام عسكري للمؤسسات التعليمية، ألحقت الأذى بنحو تسعة آلاف من الطلاب والعاملين في التعليم في 85 دولة. وهي أرقام لا تختزل المأساة الإنسانية فحسب، بل تبيّن أن الهجوم على التعليم أصبح أداة لتقويض المجتمعات وإضعاف قدرتها على التعافي.

غير أن حماية التعليم لا ينبغي أن تُفهم في بعدها المادي وحده؛ أي حماية المباني من القصف والتخريب والاعتداء المسلح؛ إذ قد تتعرض المؤسسات التعليمية كذلك لهجمات من نوع آخر قد يغفله كثيرون ألا وهو الاختراق الفكري الهادئ الذي يعبث بمنظومة القيم، ويعيد تشكيل وعي الناشئة عبر خطاب الكراهية والتعصب، أو عبر توظيف الفضاءات التعليمية والثقافية في التجنيد وصناعة العزلة والانقسام. ولا تقود بالضرورة هذه الهجمات الفكرية وبصورة حتمية إلى العنف، لكنها قد تهيئ بيئة قابلة لتبريره وتطبيعه، وتفتح الطريق أمام استغلال الشباب واستقطابهم.

ومن هنا تبرز أهمية انعقاد منتدى «تريندز» السنوي السادس حول الإسلام السياسي في لندن وباريس، تحت عنوان: «نحو تحرّك أوروبي مشترك لمواجهة خطر جماعة الإخوان المسلمين». فالمنتدى الذي يجمع أكثر من خمسين متحدثًا من صناع السياسات والخبراء والباحثين لا يقف عند المقاربة الأمنية الضيقة، بل يناقش الأبعاد الفكرية والأيديولوجية والرقمية والمالية لشبكات التأثير، ويبحث آليات الانتقال من استجابات وطنية منفردة إلى سياسة أوروبية أكثر تنسيقًا وفاعلية.

وتكتسب هذه المناقشات صلة خاصة باليوم الدولي لحماية التعليم من الهجمات، في ضوء ما يطرحه المنتدى من مخاطر اختراق المؤسسات التعليمية والثقافية والأهلية، ومن ضرورة تفكيك السرديات المتطرفة وتعزيز قيم التسامح والتعايش والصمود المجتمعي. فالتعليم الآمن ليس مجرد فصول دراسية محصنة، بل بيئة معرفية تصون العقل من التضليل، وتمنح الطلاب أدوات السؤال والتحقق والتفكير النقدي.

في النهاية إن حماية حقّ الطفل في التعلم تكتمل بحماية ما يتعلمه أيضًا؛ فالسياج الحقيقي للمدرسة لا يُبنى بالحجر وحده، وإنما بالوعي، وبالمعلم المؤهل، وبسياسات تعليمية ترفض الكراهية، وتحصّن الأجيال من الفكر الذي قد يجعل من العنف احتمالًا مقبولًا.


اترك تعليقاً