اتجاهات مستقبلية
حق المعرفة في عصر الخوارزميات
يحتفي العالم في الثامن والعشرين من سبتمبر باليوم الدولي لتعميم الانتفاع بالمعلومات، تأكيدًا لحق الإنسان في المعرفة، وما يترتب عليه من قدرة على الاختيار الواعي والمشاركة في الشأن العام. ويكتسب هذا اليوم دلالة خاصة في عام 2026؛ إذ يتخذ موضوعًا له: «صون سلامة المعلومات في العصر الرقمي: دور الانتفاع بالمعلومات في التصدي لاضطرابها». وهو اختيار يضع موثوقية ما يصل إلى الناس في صميم النقاش؛ فثمرة الإتاحة مرهونة بسلامة المعلومة، ووضوح مصدرها، وقدرة متلقيها على فهمها والتحقق منها، ولاسيما حين تتوسط الخوارزميات بين الإنسان وما يعرفه عن العالم.
فقد يبلغ الإنسان اليوم أطراف الأرض بسؤال يكتبه، ثم يعجز عن تبيّن صدق الجواب الذي يتلقاه. تلك مفارقة عصر اتسعت فيه منافذ المعرفة، وتكاثرت معه أسباب الالتباس؛ فغدا امتلاك المعلومة أيسر من اختبارها، وسرعة تداولها أسبق من التثبت منها. ولعل أخطر ما في هذا الاضطراب أن الزيف قد يستعير هيئة المعرفة، ويتزيّا بوقارها؛ فتطمئن النفس إلى عبارة محكمة، أو صورة مقنعة، قبل أن تسأل عن أصلها وسياقها. ومع الاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي، تتعاظم مسؤولية المستخدم؛ إذ لا تكفي بلاغة الجواب دليلًا على صحته، ولا يُغني انتظام الحجة عن مراجعة مقدماتها.
ويبدأ الاستخدام الآمن والمسؤول لهذه الأدوات من ممارسات واضحة، منها: التحقق من المراجع قبل الاستشهاد بها، وصون البيانات الشخصية والمؤسسية عند التعامل معها، والإفصاح عن المحتوى المصطنع حين يُخشى التباسه بالحقيقة، وإبقاء التقدير البشري حاضرًا في القرارات المؤثرة في الناس؛ فمسؤولية الكلمة تظل في عهدة من ينشرها، وإن أعانته آلة على صياغتها؛ والأمانة العلمية لا تنتقل إلى البرنامج بمجرد الضغط على زر. ويمتد الواجب إلى المؤسسات الحكومية؛ فإتاحة المعلومات الموثوق بها في وقتها، وشرح القرارات بلغة مفهومة، وتحديث البيانات وتصحيح الخطأ علنًا، أمور تضيق بها المساحة الشائعة وتتسع أسباب الثقة. وهذا ما يمنح الانتفاع بالمعلومات قيمته العملية: أن يجد الناس مرجعًا معلومًا يرجعون إليه، وأن يتمكنوا من فهم ما يُنشر ومساءلته. وفي دولة الإمارات، يقدّم ميثاق تطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي أساسًا لهذا التوازن، وهو إطار عمل وطني شامل أُطلق في 10 يونيو 2024 لضمان تطوير واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي بطريقة أخلاقية ومسؤولة؛ إذ يجمع بين تشجيع الابتكار وحماية الخصوصية، ويؤكد الشفافية والمساءلة والرقابة البشرية، ومعالجة التحيز الخوارزمي وتعزيز الوعي. وتكمن قيمة هذا التوجه في وصل التقدم التقني بمصلحة الإنسان، وجعل الثقة ثمرة لضوابط واضحة تُترجم إلى إجراءات وتدريب ومراجعة مستمرة. فبقدر ما تتسع قدرات الأدوات، ينبغي أن ينضج الوعي بحدودها وشروط الانتفاع بها.
في النهاية؛ إن وفرة المعلومات تضع على عاتق الإنسان أمانة الاختيار، وعلى المؤسسات واجب الإيضاح، وعلى مراكز البحث مسؤولية التمحيص. وكلما ازدادت الآلة اقتدارًا، اشتدت الحاجة إلى عقل يسائل وضمير يتحرى. وفي زمن الخوارزميات، يكتمل حق المعرفة حين تقترن إتاحة المعلومة بالقدرة على نقدها، وتصحب حرية تداولها أمانة نقلها؛ عندئذ تغدو المعرفة سندًا لحسن التدبير، وتبقى الثقة مستحقة بالدليل.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.