تحوط استراتيجي : ملامح تنامي العلاقات بين كازاخستان ودول جنوب شرق آسيا
رغم تباعدهما الجغرافي ومحدودية الروابط التاريخية المباشرة بينهما؛ شهدت العلاقات بين منطقتي آسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا تنامياً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما بين كازاخستان، أكبر دول آسيا الوسطى، وعدد من شركائها الرئيسيين في جنوب شرق آسيا، وفي مقدمتهم سنغافورة وماليزيا وإندونيسيا وفيتنام وتايلاند ولاوس. وتجلت أحدث مؤشرات هذا التقارب في زيارة رئيس لاوس، ثونغلون سيسوليث، إلى كازاخستان في أوائل سبتمبر 2026، والتي سبقتها زيارة الوزير الأقدم في سنغافورة، لي هسين لونغ، إلى كازاخستان في أواخر أغسطس من العام ذاته.
وعكست هذه الخطوات إدراكاً متزايداً لدى الطرفين بأهمية تعزيز العلاقات بينهما للتحوط إزاء تصاعد التوترات الجيوسياسية العالمية، من خلال تعميق الشراكة الاستراتيجية، وتوقيع اتفاقيات اقتصادية وتجارية تعزز التعاون الثنائي بينهما، في سياق استراتيجيتهما لتنويع وتعزيز شراكاتهما الإقليمية والدولية.
دوافع مُتنوعة:
يقف وراء تزايد العلاقات بين كازاخستان ودول جنوب شرق آسيا مؤخراً العديد من الدوافع والاعتبارات المهمة الاقتصادية والسياسية والجيوسياسية، ويمكن توضيح ذلك في الآتي:
- الاستفادة من الإمكانات الاقتصادية: تمتلك كل من كازاخستان ودول جنوب شرق آسيا؛ إمكانات ومزايا اقتصادية هائلة، ويمكن أن تؤدي تنمية العلاقات بينهما إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري؛ ومن ثم زيادة نموهما الاقتصادي، إضافة إلى ضخ مزيد من الزخم في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية فيهما. ويتضح ذلك بالنظر إلى أن كازاخستان تُعد مركزاً رئيسياً للعبور والخدمات اللوجستية؛ وهو ما يتيح لدول جنوب شرق آسيا الوصول إلى أسواق آسيا الوسطى والاتحاد الاقتصادي الأوراسي. كما يمكن لكازاخستان مساعدة دول جنوب شرق آسيا على تعزيز أمنها الغذائي من خلال الصادرات الزراعية.
وعلى الجانب المقابل، تُشكل دول جنوب شرق آسيا بوابة لكازاخستان لدخول أسواق رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان). بجانب قيام هذه الدول بضخ استثمارات مباشرة في شرايين الاقتصاد الكازاخستاني؛ وهو ما يعزز عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية فيها. وتتضح أهمية هذا الدافع في سياق مساعي كازاخستان بشأن تنويع مصادر الحصول على الاستثمارات الأجنبية المباشرة بما يتجاوز شركاءها التقليديين مثل روسيا والصين. كما أن إقامة المزيد من المشاريع التعاونية في مجال البنية التحتية والخدمات اللوجستية؛ من شأنه أن يؤدي إلى تحسين الاتصال بين كازاخستان ودول جنوب شرق آسيا، وتسهيل حركة البضائع؛ ومن ثم تعزيز العلاقات التجارية، التي تعاني من ضعف ملحوظ بين الطرفين.
- تصاعد الأهمية الاستراتيجية: يُمثل صعود الدور السياسي والاقتصادي لكل من كازاخستان ودول جنوب شرق آسيا عاملاً مهماً آخر وراء حرص الطرفين على تعزيز علاقاتهما في الفترة الأخيرة. وفي هذا السياق، تعمل كازاخستان -باعتبارها قوة متوسطة- على تعميق مشاركتها في منطقة جنوب شرق آسيا كأحد أبعاد توجهات سياستها الخارجية المتعددة الاتجاهات، والتي ترتكز على عدم الانحياز إلى أي قوة عظمى أو تحالف وتنويع شركائها لتعزيز مكانتها الاستراتيجية؛ حيث تنظر كازاخستان إلى رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، باعتبارها منظمة إقليمية مهمة لتوسيع التعاون المتعدد الأطراف والاندماج في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أصبحت كازاخستان ممراً رئيسياً للعبور، ويعود ذلك جزئياً إلى مشاركتها في مبادرة الحزام والطريق الصينية، وبوابة الاتحاد الأوروبي العالمية، وممر النقل الدولي عبر بحر قزوين؛ ما يتيح لها ربط مراكز الإنتاج في جنوب شرق آسيا بممرات النقل في آسيا الوسطى.
وبدورها، تصاعدت أهمية دول جنوب شرق آسيا، في إطار رابطة الآسيان، على الساحة العالمية، بالنظر إلى مكانتها كمركز اقتصادي حيوي وجسر سياسي محايد بين القوى العالمية الكبرى. فمن الناحية الاقتصادية، تُعد هذه الدول كتلة تجارية ضخمة، وتمتلك دوراً متزايداً في سلاسل التوريد العالمية، إضافة إلى تنوع شركائها الاقتصاديين من القوى الإقليمية والدولية الكبرى. أما الأهمية السياسية والاستراتيجية، فهي تنبع من امتلاكها موقعاً استراتيجياً؛ يجعلها ذات أهمية بالغة للشحن البحري والأمن الإقليمي، بجانب تزايد ثقلها الدبلوماسي العالمي.
- التنافس الإقليمي والدولي: تقع كل من كازاخستان ودول جنوب شرق آسيا في مناطق تشهد تنافساً جيوستراتيجياً محتدماً على النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية الكبرى. فمن جهة، تنتمي كازاخستان إلى آسيا الوسطى التي تشهد تنافساً غير معلن بين الصين وروسيا. ومن جهة أخرى، تشهد منطقة جنوب شرق آسيا تنافساً علنياً بين الصين والولايات المتحدة. وتدفع تلك الظروف دول آسيا الوسطى باتجاه تنويع العلاقات الخارجية بين المنطقتين؛ بهدف تحقيق الاستقلال الاستراتيجي، عبر زيادة التعاون فيما بينهما لتجنب الاعتماد المفرط على القوى الإقليمية والدولية المتنافسة.
ملامح بارزة:
انعكس التصاعد في العلاقات بين كازاخستان ودول جنوب شرق آسيا في العديد من الملامح والمؤشرات البارزة، ويمكن توضيح ذلك في الآتي:
- الزيارات المتبادلة رفيعة المستوى: يُعد التواصل الدبلوماسي رفيع المستوى أحد أبرز ملامح تنامي العلاقات بين كازاخستان ودول جنوب شرق آسيا؛ حيث شهدت السنوات القليلة الماضية العديد من الزيارات رفيعة المستوى بين الطرفين. فبالنسبة لكازاخستان، قام الرئيس قاسم جومارت توكاييف؛ بزيارة رسمية تاريخية إلى سنغافورة في الفترة من 22 إلى 24 مايو 2024؛ عُدت الأولى من نوعها للرئيس توكاييف إلى سنغافورة. كما قام نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الكازاخستاني، مراد نورتليو، بزيارة رسمية إلى بانكوك في إبريل 2024؛ لتوقيع اتفاقية للإعفاء من التأشيرة لحاملي جوازات السفر الوطنية في كلتا الدولتين.
وعلى الجانب المقابل، زار العديد من قادة دول جنوب شرق آسيا كازاخستان. وتمثل ذلك في زيارة رئيس الوزراء الماليزي، أنور إبراهيم، في الفترة من 16 إلى 17 مايو 2024، وزيارة رئيس فيتنام، الأمين العام للحزب الشيوعي الفيتنامي، تو لام، في الفترة من 5 إلى 7 مايو 2025، وزيارة الوزير الأول في سنغافورة، لي هسين لونغ، في الفترة من 24 إلى 27 أغسطس 2026، وزيارة رئيس لاوس، ثونغلون سيسوليث، يومي 3 و4 سبتمبر 2026؛ وهي الزيارة الأولى من نوعها على مستوى رئاسي بين الدولتين منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما عام 1997.
- توقيع خطة عمل مشتركة بين كازاخستان وتايلاند: وقَّعت كازاخستان وتايلاند خطة عمل مشتركة للفترة 2027-2028؛ وتمثل هذه الخطة خريطة طريق لتعميق التعاون الثنائي بين الدولتين، وذلك خلال زيارة سيهاساك فوانغكيتكيو، نائب رئيس الوزراء ووزير خارجية تايلاند، لكازاخستان، في يونيو 2026. كما اجتمع مسؤولون حكوميون وقادة أعمال من كازاخستان وتايلاند في بانكوك في 25 مايو الماضي؛ بهدف استكشاف فرص جديدة في مجالات التجارة والاستثمار والتعاون السياحي؛ حيث تسعى الدولتان إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية وتنويع الشراكات التجارية.
- تنامي التعاون الاقتصادي بين كازاخستان وإندونيسيا: شهدت العلاقات الاقتصادية والتجارية بين كازاخستان وإندونيسيا زخماً ملحوظاً في الفترة الأخيرة. وقد انعكس ذلك في انعقاد اجتماع اللجنة الحكومية المشتركة للتعاون الاقتصادي بين الدولتين للمرة الأولى منذ عام 2013، في مايو الماضي، بالعاصمة الكازاخستانية أستانا، والذي مثل خطوة هامة بشأن تعزيز العلاقات الاقتصادية الثنائية وإعطاء زخم جديد للمشاريع المشتركة بين الدولتين.
كما ناقشت الدولتان، في 3 سبتمبر 2026، سُبل تطوير العلاقات التجارية والاقتصادية، وخاصة تعزيز التجارة الثنائية، وتشجيع الصادرات وتسهيل الوصول إلى الأسواق، بجانب استكشاف الشراكات المحتملة بين الشركات الإندونيسية والكازاخستانية.
- تنامي التبادلات الشعبية والثقافية: تُعد التبادلات الشعبية والثقافية أحد الملامح التي تعكس التنامي الملحوظ في العلاقات بين كازاخستان ودول جنوب شرق آسيا في الآونة الأخيرة. فقد أصبحت العلاقات بين كازاخستان وجنوب شرق آسيا أكثر تركيزاً على الشعوب في السنوات الأخيرة، وذلك من خلال ربط الشعوب عبر السفر والتعليم والأعمال. ومن التطورات البارزة في هذا السياق، تنظيم مهرجان آسيان الصيفي بالعاصمة أستانا، في أغسطس 2026، والذي تضمن عرض ثقافات منطقة جنوب شرق آسيا وتقاليدها ومآكولاتها وسياحتها، في خطوة تعكس تزايد العلاقات الشعبية بين الجانبين.
كما تشهد السياحة بين كازاخستان وجنوب شرق آسيا نمواً متزايداً، مدعومة بتسهيلات الإعفاء من التأشيرة، مثل تسهيلات إندونيسيا للسياح الكازاخستانيين المسافرين إلى بالي. وتشير بيانات الحكومة الكازاخستانية إلى ارتفاع عدد السياح من كازاخستان إلى إندونيسيا من 8200 سائح في عام 2023 إلى 24400 سائح في عام 2025.
كما تُعد تايلاند وجهة سياحية مفضلة للكازاخستانيين. ويعود هذا الزخم السياحي إلى عاملين رئيسيين: الإعفاء من تأشيرة الدخول وزيادة عدد الرحلات الجوية بين الدولتين؛ حيث زار نحو 200 ألف سائح كازاخستاني تايلاند في عام 2025.
نتائج ومخرجات:
لقد أسفرت العلاقات المتنامية بين كازاخستان ودول جنوب شرق آسيا عن العديد من النتائج والمخرجات المهمة التي تعزز دور ومكانة الجانبين على المستويين الإقليمي والعالمي، ويمكن توضيح ذلك في الآتي:
- ترقية العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية: قررت كازاخستان وفيتنام، في بيان مشترك في مايو 2025؛ ترقية علاقاتهما الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية؛ مما يجعل فيتنام شريكاً رئيسياً لكازاخستان في جنوب شرق آسيا، وكازاخستان أول شريك استراتيجي لفيتنام في آسيا الوسطى.
- مأسسة التعاون الاقتصادي والتجاري: تتجلى إحدى النتائج المهمة لتنامي العلاقات بين كازاخستان ودول جنوب شرق آسيا في توجه الطرفين بشأن إضفاء الطابع المؤسسي على تعاونهما الاقتصادي والتجاري. ومن أبرز التطورات بهذا الصدد، دخول اتفاقية الخدمات والاستثمار بين كازاخستان وسنغافورة، الموقعة في مايو 2023 -والتي تندرج في إطار اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الاقتصادي الأوراسي وسنغافورة- حيز التنفيذ رسمياً في 1 مارس 2025؛ الأمر الذي يتيح حماية قانونية أقوى وفرصاً أكبر للشركات للوصول إلى الأسواق في كلتا الدولتين.
كما وقّعت كازاخستان وتايلاند، في 14 أغسطس 2024، اتفاقية تاريخية للتعاون التجاري والاقتصادي؛ بهدف تعزيز التجارة والاستثمار بين الدولتين، والتي صدقت عليها حكومة كازاخستان في 27 نوفمبر 2024، وتتضمن الاتفاقية خططاً لإنشاء مكتب تجاري تايلاندي في كازاخستان لتعزيز التجارة، ومناقشات حول اتفاقية تجارة حرة محتملة بين تايلاند والاتحاد الاقتصادي الأوراسي.
وترتبط إندونيسيا باتفاقية تجارة حرة مع الدول الأعضاء في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، جرى توقيعها في 21 ديسمبر 2025، في سانت بطرسبرغ بروسيا؛ ومن المتوقع أن يؤدي دخولها حيز النفاذ إلى تعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية وتعزيز التبادل التجاري مع كازاخستان.
- توسع استثمارات جنوب شرق آسيا في كازاخستان: تعمل كازاخستان في إطار توجهها لتنويع اقتصادها على اجتذاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة من الخارج. وفي هذا السياق، تُعد سنغافورة أكبر شريك تجاري واستثماري لكازاخستان في جنوب شرق آسيا؛ حيث تضاعفت التدفقات الإجمالية للاستثمار الأجنبي المباشر من سنغافورة إلى كازاخستان في عام 2025 لتصل إلى نحو 1.5 مليار دولار. كما تسعى كازاخستان إلى اجتذاب استثمارات في مجال تصنيع الأغذية مع تايلاند.
- توقيع اتفاقيات اقتصادية مشتركة: تعززت العلاقات الاقتصادية بين كازاخستان ودول جنوب شرق آسيا مؤخراً؛ وهو ما تجسد في إبرام العديد من اتفاقيات التعاون الاقتصادي بين الجانبين. فخلال زيارة الرئيس الكازاخستاني، قاسم جومارت توكاييف، إلى سنغافورة في مايو 2024؛ اتفقت الدولتان على التعاون في ستة مجالات، وهي: التكامل الاقتصادي، والأمن، ومعايير الشركات، وحماية حقوق الملكية الفكرية، والتعليم العالي، وتسوية المنازعات القانونية.
كما اتفقت كازاخستان وفيتنام، في مايو 2025، على توسيع نطاق التعاون بين الدولتين ليشمل مجالات التجارة، والاستثمار، والربط الاقتصادي، والنقل، والسياحة، والتبادلات الشعبية. وخلال زيارة رئيس وزراء سنغافورة، لي هسين لونغ؛ جرى توقيع اتفاقية تعاون في مجال الموارد المائية بين مؤسسة التعاون السنغافورية ووزارة الموارد المائية والري في كازاخستان، إلى جانب إبرام مذكرة تفاهم بشأن التكامل في مجال التجارة الرقمية عبر الممر الأوسط لتعزيز الاتصال وتبادل التكنولوجيا.
واتصالاً، اتفقت كازاخستان ولاوس على التعاون في مجال التحول الرقمي؛ حيث تبادلت الدولتان مذكرة تعاون بشأن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وخدمات الحكومة الإلكترونية؛ بهدف دعم التعاون في مجال التنمية الرقمية وخلق فرص لتبادل الخبرات والمبادرات المشتركة.
- تزايد حجم التجارة الثنائية: رغم محدودية قيمتها وحجمها بشكل عام؛ فإن التجارة الثنائية بين كازاخستان وشركائها الرئيسيين في جنوب شرق آسيا شهدت نمواً ملحوظاً في قيمتها خلال السنوات القليلة الماضية. وهو ما جاء انعكاساً لتنامي العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الطرفين.
وفي هذا السياق، بلغ حجم التبادل التجاري الثنائي بين كازاخستان وسنغافورة نحو مليار دولار في عام 2025، وتضاعف هذا الحجم مرتين ونصف خلال النصف الأول من العام الجاري؛ ليصل إلى 777 مليون دولار، مقارنة بالفترة نفسها من العام 2025؛ مما يعكس نمواً إيجابياً مطرداً مقارنة بالسنوات السابقة. واتصالاً، تُعد إندونيسيا أحد شركاء كازاخستان المهمين في جنوب شرق آسيا؛ إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين الدولتين 244.7 مليون دولار في عام 2025.
كما زاد حجم التجارة الثنائية بين كازاخستان وتايلاند بنسبة 8%؛ ليصل إلى 255.1 مليون دولار في عام 2025، مقارنةً بالعام السابق. وتُعد فيتنام من أبرز شركاء كازاخستان في جنوب شرق آسيا؛ إذ بلغ حجم التجارة الثنائية بين الدولتين نحو 860 مليون دولار عام 2024. وتتطلع الدولتان إلى مضاعفته إلى ملياري دولار في المستقبل القريب.
- التعاون الأمني بين الجانبين: شهد التعاون الأمني بين كازاخستان ودول جنوب شرق آسيا تطوراً ملموساً في الفترة الأخيرة، سواء على المستوى الثنائي أم على المستوى الجماعي. فعلى المستوى الثنائي، وقعت كازاخستان وسنغافورة، خلال زيارة رئيس كازاخستان للثانية؛ اتفاقية للتعاون الأمني؛ بهدف منع ومكافحة الجريمة العابرة للحدود، ولا سيما فيما يتعلق بالمخدرات والمؤثرات العقلية، والجرائم الإلكترونية، والاحتيال، واسترداد الأصول.
كما اتفقت كازاخستان وفيتنام على توسيع التعاون في مجالات الدفاع الوطني والأمن؛ حيث اتفق قادة الدولتين على النظر في إقامة تعاون في مجال الدفاع والأمن، واستكشاف إمكانية التعاون في مجالات التدريب وعمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام، إضافة إلى إمكانية توقيع اتفاقيات تعاون في مجالي الأمن ومنع الجريمة، وتبادل المعلومات ونقل تكنولوجيا الدفاع.
وعلى المستوى الجماعي، تعمل كازاخستان بفاعلية على تعزيز الحوار المؤسسي بين دول آسيا الوسطى ورابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)؛ بهدف ترسيخ الاستقرار، وتبادل تقييمات الأمن الإقليمي، وبناء تعاون عملي بين المنطقتين. كما توظف كازاخستان “مؤتمر التفاعل وتدابير بناء الثقة في آسيا” (CICA) للتنسيق مع الأطراف المعنية في جنوب شرق آسيا بشأن قضايا الأمن الإقليمي، ومكافحة الإرهاب، وتدابير بناء الثقة.
وفي التقدير، يمكن القول إن تصاعد العلاقات بين كازاخستان وشركائها الرئيسيين في جنوب شرق آسيا مؤخراً؛ جاء مدفوعاً بالعديد من الدوافع والاعتبارات الاستراتيجية المهمة ذات الصلة بالواقع الاقتصادي والسياسي الداخلي فيهما، بجانب العامل الخارجي المرتبط بالتنافس الجيوسياسي الإقليمي والعالمي على النفوذ في منطقتي آسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا؛ الأمر الذي دفع الطرفين نحو تعزيز علاقاتهما للتحوط إزاء تصاعد التوترات الجيوسياسية العالمية، عبر تعميق الشراكة الاستراتيجية، وتوقيع اتفاقيات اقتصادية وتجارية تعزز التعاون الثنائي بينهما، في سياق استراتيجيتهما لتنويع وتعزيز شراكاتهما الإقليمية والدولية.
ومع ذلك، فإنه رغم الملامح الإيجابية البارزة التي تؤشر على تزايد العلاقات -وما سيترتب على ذلك من نتائج ومكاسب سياسية واقتصادية مهمة للطرفين، وإمكانية تنامي دورهما ومكانتهما الإقليمية والعالمية- فإن ثمة تحديات وقيوداً قد تعترض إمكانية تحقيق هذا الهدف؛ وهي تحديات ينبغي وضع حلول لمواجهتها؛ لكي تحقق العلاقة بين كازاخستان وشركائها في جنوب شرق آسيا الأهداف والتوقعات المأمولة منها، خاصة وأن الطرفين يمتلكان إمكانات هائلة تتيح لهما تحقيق نقلة نوعية كبيرة في العلاقات.
” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”

اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.