انطلق القمر الصناعي «الطائر-1» بنجاح إلى مداره، ليشكل أول أقمار كوكبة إماراتية تجارية لرصد الأرض مدعومة بالذكاء الاصطناعي، في إنجاز يعكس التطور المتسارع لصناعة الفضاء الوطنية، ويعزز مكانة دولة الإمارات مركزاً عالمياً لتطوير وتصنيع وتشغيل الأقمار الصناعية المتقدمة.
وجرى إطلاق القمر ضمن مهمة «Transporter-18» المشتركة على متن صاروخ تابع لشركة «سبيس إكس»، من قاعدة فاندنبرغ للقوة الفضائية في ولاية كاليفورنيا الأميركية، حيث انفصل بنجاح عن مركبة الإطلاق ودخل مداره المخطط، كما تم التقاط إشارته، وأكدت المؤشرات الأولية عمله بصورة طبيعية وبدء مرحلة التشغيل التجريبي.
ويُعد «الطائر-1» أول قمر صناعي تجاري صُنع في دولة الإمارات وجرى دمجه بواسطة شركة «لوفت أوربيتال»، فيما يمثل باكورة كوكبة «الطائر» التي تضم 10 أقمار صناعية، ومن المقرر استكمال إطلاقها تباعاً بحلول عام 2027، لتشكل أول كوكبة إماراتية تجارية متكاملة لرصد الأرض بالاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وأكد معالي الدكتور أحمد بالهول الفلاسي، وزير الرياضة، رئيس مجلس إدارة وكالة الإمارات للفضاء، أن القطاع الخاص يضطلع بدور محوري في بناء صناعات فضائية وطنية متقدمة وقابلة للتوسع، مهنئاً فريق شركة “أوربت ووركس”.
وقال معاليه إن إطلاق «الطائر-1» يعكس قوة منظومة الفضاء الوطنية في دولة الإمارات، وقدراتها المتنامية على تطوير وتصنيع تقنيات فضائية متقدمة، مشيراً إلى أن الدولة، انطلاقاً من مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للفضاء 2031، تواصل تعزيز التكامل بين البحث العلمي والصناعة والاستثمار، بما يمكّن الشركات الوطنية من الابتكار والنمو والإسهام في تنويع الاقتصاد.
وأضاف أن هذا الإنجاز يبرهن على قدرة التقنيات والإمكانات المطوّرة في دولة الإمارات على تقديم حلول ذات قيمة تجارية تتجاوز حدود الدولة، لافتاً إلى أن فتح أسواق جديدة وبناء شراكات دولية أمام الشركات الإماراتية يسهمان في تعزيز مساهمة الدولة في قطاع الفضاء العالمي، ودعم طموحها بأن تكون ضمن أكبر عشرة اقتصادات فضائية في العالم بحلول عام 2031.
ويحمل كل قمر ضمن كوكبة «الطائر» خمسة مستشعرات متكاملة، تشمل التصوير البصري بدقة تقل عن متر، والأشعة تحت الحمراء قصيرة الموجة، والتصوير الحراري، والتصوير فائق الطيف، ورصد الترددات الراديوية، بما يتيح جمع بيانات متعددة المصادر وتوفير رؤية شاملة للظواهر والأنشطة على سطح الأرض.
وتعزز وحدات معالجة الرسومات من شركة «إنفيديا» الموجودة على متن الأقمار قدراتها على معالجة البيانات وتحويلها إلى معلومات قابلة للتحليل خلال دقائق، مقارنة بالساعات التي تستغرقها عادة عمليات المعالجة الأرضية، ما يتيح اتخاذ قرارات أسرع وأكثر دقة استناداً إلى البيانات الفضائية.
وتعمل الأقمار بصورة مستقلة وآنية، إذ تعالج البيانات مباشرة في المدار وتتخذ الإجراءات المناسبة وفقاً لما ترصده، الأمر الذي يدعم سرعة الاستجابة للتحديات الطارئة، مثل اكتشاف المؤشرات الحرارية المبكرة لحرائق الغابات، وتحديد مواقع السفن التي تمارس أنشطة غير معلنة.
ومن المقرر أن تتيح الكوكبة، عند اكتمال تشغيلها بكامل طاقتها في عام 2027، إعادة رصد أي نقطة على سطح الأرض كل أربع ساعات تقريباً، بما يعزز إمكانات المراقبة المستمرة ويدعم تطبيقات الاستجابة للكوارث، ومراقبة الأنشطة البحرية، والرصد البيئي، والأمن الغذائي، ومتابعة البنية التحتية، إلى جانب التطبيقات المرتبطة بالأمن الوطني.
وقال الدكتور حمد الله محب، الرئيس التنفيذي لشركة «أوربت ووركس» والرئيس التنفيذي لشركة «مارلان سبيس»، إن إطلاق «الطائر-1» يمثل محطة مفصلية في مسيرة تطوير صناعة الفضاء الوطنية، ويجسد انتقال دولة الإمارات من الاستفادة من القدرات الفضائية إلى امتلاك المعرفة والخبرات اللازمة لتصنيعها وتطويرها.
وأضاف: «قبل عامين، كانت أوربت ووركس مجرد فكرة، واليوم يدور في الفضاء قمر صناعي صُنع في أبوظبي. لم تعد دولة الإمارات مجرد مستهلك للقدرات الفضائية، بل أصبحت تصنعها».
وأوضح أن «الطائر-1» يمثل القمر الأول ضمن كوكبة من 10 أقمار صناعية، وبداية مرحلة جديدة تتيح للعملاء رصد الأرض واتخاذ القرارات والتحرك وفق احتياجاتهم، بالاستناد إلى معلومات يتم إنتاجها ومعالجتها مباشرة في المدار.
وجرى تصنيع القمر في منشأة «أوربت ووركس» الممتدة على مساحة 50 ألف قدم مربعة في مناطق خليفة الاقتصادية أبوظبي «كيزاد»، والتي افتُتحت في نوفمبر 2025، بوصفها أول منشأة من نوعها في الشرق الأوسط مخصصة للإنتاج التجاري للأقمار الصناعية.
وتضم المنشأة غرفة نظيفة وفق معايير «ISO» بمساحة 15 ألف قدم مربعة، إلى جانب غرف لاختبارات التداخل الكهرومغناطيسي، وأنظمة للاختبارات الحرارية في الفراغ، ومنصات لاختبارات الاهتزاز، بما يوفر بيئة متكاملة لتصنيع الأقمار الصناعية واختبارها وتأهيلها للإطلاق.
وتبلغ الطاقة الإنتاجية للمنشأة عند تشغيلها بكامل طاقتها 50 قمراً صناعياً سنوياً، بمعدل قمر واحد تقريباً كل أسبوع، ما يعزز قدرة دولة الإمارات على تلبية الطلب المتنامي على تقنيات الفضاء، ويدعم بناء قاعدة صناعية وطنية قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية.
وتأسست «أوربت ووركس» كمشروع مشترك بين «مارلان سبيس»، الشركة الإماراتية العاملة في قطاع الفضاء والتابعة للشركة العالمية القابضة «IHC»، وشركة «لوفت أوربيتال» التي تتخذ من سان فرانسيسكو مقراً لها.
وقال بيير-داميان فاجور، الرئيس التنفيذي لشركة «لوفت أوربيتال»، إن إطلاق «الطائر-1» يمثل إنجازاً بارزاً لمنظومة الفضاء في أبوظبي، ويعكس ما حققته دولة الإمارات من تقدم متواصل على مدى عقود في بناء قطاع فضائي قائم على أسس راسخة.
وأضاف أن إنتاج أول قمر صناعي في منشأة «أوربت ووركس» في «كيزاد» يمهد الطريق لإطلاق 10 أقمار أخرى خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة، و50 قمراً إضافياً خلال السنوات القليلة المقبلة، مؤكداً أن هذا الإنجاز يجسد استعداد دولة الإمارات للريادة عالمياً في إنتاج وتشغيل كوكبات الأقمار الصناعية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وأشار إلى أن نموذج «لوفت أوربيتال» يسهم في تسريع تنفيذ المهام الفضائية، بما يتيح نقل الأقمار الصناعية إلى المدار خلال أشهر بدلاً من سنوات، ويوفر حلولاً أكثر مرونة وكفاءة للعملاء.
وتتيح كوكبة «الطائر» نموذجاً مرناً للاستفادة من قدراتها، إذ يمكن للعملاء امتلاك قمر صناعي والبيانات التي ينتجها، أو الحصول على الخدمات ذاتها وفق نموذج «القدرات كخدمة»، بما يتيح لهم توجيه مهام الأقمار والاستفادة مباشرة من المعلومات التي توفرها، وفق التراخيص المعتمدة.
وتضم الكوكبة بالفعل عدداً من العملاء الرئيسيين والمستخدمين النهائيين في أوروبا والشرق الأوسط، من بينهم جهات متعددة تابعة للحكومة الفرنسية، وأكاديمية أبوظبي البحرية، وصندوق أبوظبي للتنمية، فيما تجري «أوربت ووركس» مباحثات مع عملاء محتملين في أميركا الشمالية وأفريقيا وآسيا للاستفادة من السعة المتبقية.
ويأتي إطلاق «الطائر-1» ضمن برنامج فضائي أوسع، إذ أعلنت «مارلان سبيس» و«لوفت أوربيتال» في 9 سبتمبر الماضي عن تحالف باستثمارات تبلغ مليار دولار أميركي، بالتعاون مع شركات «ميسترال» و«بلاك سكاي» و«مايا سبيس»، لتطوير بنية تحتية للأقمار الصناعية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، تشمل مرحلتها الأولى 50 قمراً صناعياً.
وتتكامل هذه المبادرات مع مستهدفات دولة الإمارات الرامية إلى ترسيخ مكانتها ضمن أكبر عشرة اقتصادات فضائية في العالم بحلول عام 2031، وتعزيز مساهمة الصناعات المتقدمة في تنويع الاقتصاد الوطني، انسجاماً مع المبادرات الاستراتيجية، وفي مقدمتها «مشروع 300 مليار» و«اصنع في الإمارات.
ويجسد «الطائر-1» بذلك خطوة متقدمة في مسيرة بناء صناعة فضائية إماراتية متكاملة، تجمع بين التصنيع المحلي والابتكار التكنولوجي والاستثمار التجاري، وتفتح آفاقاً جديدة لتوظيف البيانات الفضائية في دعم التنمية المستدامة وتعزيز تنافسية الدولة في الاقتصاد العالمي. وام
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.