محمد بن زايد: أهدي صورتي لأستاذي

الرئيسية مقالات
بقلم: محمد خلفان الصوافي :كاتب إماراتي
محمد بن زايد: أهدي صورتي لأستاذي

 

محمد بن زايد: أهدي صورتي لأستاذي

 

 

الجملة التي جاءت في عنوان المقال التي يزيد عمرها على الـ55 عاماً؛ أغلبنا قرأها يوم الاثنين الموافق 5 أكتوبر 2026. فتداولوها وتوقف آخرون عند دلالاتها. ورغم بساطة كلماتها، فإنها تختزن معنى إنسانياً واسعاً تلتقي عنده مكارم الأخلاق مع القيم الإماراتية الأصيلة، وفي مقدمتها الوفاء والاعتراف بالجميل.

ولهذا تبدو هذه العبارة صالحة لكل زمان ومكان، لأنها تعبّر عن قيمة إنسانية تتجاوز الحدود والثقافات، هي تقدير «المعلم» بمفهومه الشامل؛ ذلك الإنسان الذي يترك أثراً في الوعي والشخصية، ويبقى فضله حاضراً مهما تعاقبت السنوات.

ثلاث رمزيات إنسانية وإماراتية يمكن استخلاصها من تلك الجملة البسيطة في عدد كلماتها، والعميقة في دلالاتها. وتبدأ الرمزية الأولى من أن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة «حفظه الله»، قد خطّ هذه الكلمات بيده في 29 أبريل 1971 على صورته الشخصية، حين أهداها إلى أستاذه ومعلمه في سنواته الدراسية الأولى، واليوم، يعيد سموه نشر هذه الذكرى عبر منصة «إكس» – تويتر سابقاً – ليشارك الأوفياء في كل مكان تقديرهم لمعلميهم وأساتذتهم، ولإيصال رسالة إنسانية راسخة مفادها أن فضل المعلم يبقى حاضراً في الذاكرة مهما تعاقبت السنوات.

الرمزية الثانية في هذه العبارة: إن هذه الجملة، إلى جانب ما تتيحه من فرصة لاستذكار قيمة الأستاذ وفضله، تجسد في الوقت ذاته المكانة الرفيعة التي يحتلها المعلم في فكر قيادة دولة الإمارات، وإيمانها العميق بدور التعليم في نهضة الأمم وصناعة مستقبلها. فقد تعاملت الإمارات مع العملية التعليمية بوصفها «مصنعاً للفكر الإنساني»، ومع المعلم باعتباره شريكاً أساسياً في بناء الأجيال وصناعة قادة المستقبل.

وقد أثبتت التجربة التنموية الإماراتية، بما حققته من إنجازات لافتة حظيت بتقدير عالمي، صحة هذا الرهان؛ إذ إن الاستثمار الحقيقي والمستدام للأوطان يبدأ من التعليم، ومن تمكين المعلم وتقدير رسالته. والتجارب الدولية الناجحة تؤكد بدورها أن النهضة الاقتصادية والحضارية لا تنفصل عن تطوير منظومة التعليم والارتقاء بمكانة المعلم، كما يتجلى في تجارب دول مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة، التي جعلت من التعليم أحد أهم مرتكزات تحولها التنموي والاقتصادي.

أما الرمزية الثالثة، التي لا تقل أهمية عن سابقتيها، فتتمثل في العبارة المكتوبة على ظهر الصورة المنشورة. وهي، في ظاهرها، جملة بسيطة من حيث عدد كلماتها ومضمونها: “أهدي صورتي للأستاذ أحمد إبراهيم مندي للذكرى. وشكراً” التوقيع محمد زايد. لكن عند استحضار المسافة الزمنية بين لحظة كتابتها ولحظة إعادة نشرها اليوم، تتجاوز العبارة بساطتها لتكشف عن واحدة من القيم الإماراتية الأصيلة، وهي الوفاء.

عرفت دولة الإمارات، قيادةً وشعباً، بالوفاء لكل من وقف إلى جانبها، سواء كانوا دولاً أو شخصيات، منذ سنوات التأسيس الأولى وحتى اليوم، وقد تحولت هذه القيمة إلى جزء راسخ من الوعي الإماراتي تتوارثه الأجيال، في وقت أصبح فيه الوفاء، قيمة نادرة وثمينة.

فما بين زمن كتابة العبارة قبل خمسة عقود عندما كان مُوَقِع على تلك العبارة “محمد زايد” عندما كان تلميذ يهدي صورته إلى أستاذه، وبين إعادة نشرها اليوم من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة «حفظه الله»، تتجلى دلالة واضحة على الوفاء لمن كان لهم أثر في البدايات، وعلى تواضع العظماء.

صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة «حفظه الله»، يقود اليوم دولة حققت حضوراً لافتاً في مسارات التنمية الشاملة، ورسخت لنفسها مكانة مؤثرة في دوائر صنع القرار الإقليمي والدولي، بما تتمتع به من علاقات واسعة وثقة متنامية على الساحة الدولية. كما يحظى سموه بحضور سياسي بارز بين قادة العالم، عززته مواقفه الإنسانية ودوره في التعامل مع عدد من الملفات والقضايا المعقدة.

أما المعلم، في دلالة الكلمات التي خطها بيده صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة «حفظه الله»، فهو صاحب الدور الأول في وضع الأسس التي ينطلق منها المبدعون والناجحون والمفكرون، وكل من يسهم لاحقاً في صناعة مستقبل المجتمعات والنهوض بها. ومع ما يشهده العالم من تطور متسارع في أدوات التعليم، وصولاً إلى عصر الذكاء الاصطناعي، يظل المعلم هو الركيزة الأساسية في العملية التعليمية، بما يؤديه من دور لا يقتصر على نقل المعرفة، بل يمتد إلى بناء الوعي وصقل الشخصية وترسيخ القيم.

ومن هنا، فإن الاهتمام بالمعلم وتقدير رسالته بوصفه مربياً للأجيال، يمثل استثماراً مباشراً في مستقبل الأوطان؛ لأنه يمهد الطريق لبناء مواطن واعٍ، قادر على الإسهام في نهضة مجتمعه، وتحمل مسؤولياته، والمحافظة على مكتسبات وطنه في مواجهة ما قد يطرأ من تحديات ومتغيرات.


اترك تعليقاً