اتجاهات مستقبلية

الرئيسية مقالات
مجموعــــــــة ترينـــــــــــــــــدز
اتجاهات مستقبلية

 

اتجاهات مستقبلية

الدولة التي لا تتوقف: الأمن الوظيفي في عالم ما بعد الحرب

 

 

يعتقد كثيرون أن الحروب تنتهي بصمت المدافع، إلا أن الحروب لا تنتهي بالضرورة عندما تصمت المدافع أو تتعطل المسيّرات، كما أن إبرام اتفاقات السلام لا يعني بالضرورة استعادة الأمن والاستقرار. فقد تتوقف المواجهات العسكرية، بينما تستمر تداعياتها في صورة اضطراب سلاسل الإمداد، وتعطل الممرات البحرية، واستهداف البنى التحتية، والتهديدات السيبرانية، والضغوط الاقتصادية. ومن هنا، يبرز تساؤل جوهري يتصل بمستقبل الأمن في الشرق الأوسط: هل يكفي ردع العدوان لضمان استقرار الدول؟ أم بات لزامًا بناء قدرة تحول دون تعطيل وظائفها الحيوية؟

في هذا السياق، تكتسب فكرة «الأمن الوظيفي» أهمية خاصة، باعتبارها مدخلًا لتطوير مفهوم الأمن المستدام الذي يناقشه مؤتمر تريندز السنوي السادس. والمقصود بها قدرة الدولة على مواصلة أداء وظائفها الأساسية، والحفاظ على انتظام مؤسساتها وخدماتها ومصالحها الاقتصادية، حتى في ظل التعرض للتهديدات والأزمات، بما يحدّ من قدرة الخصوم على تحويل الضغوط العسكرية أو الاقتصادية أو الرقمية إلى اختلالات استراتيجية ممتدة.

وتكمن أهمية هذه المقاربة في أنها تنقل التفكير الأمني من التركيز على حماية الدولة من التهديدات فحسب، إلى ضمان استمرارها في أداء وظائفها رغم وجود تلك التهديدات. فالدولة قد تمتلك قدرات عسكرية متقدمة، لكنها تظل عرضة للتعطيل إذا اعتمدت على مسارات محدودة لتأمين الطاقة والغذاء، أو افتقرت إلى البدائل اللازمة لاستمرار الخدمات الحيوية، أو عجزت مؤسساتها عن إدارة الأزمات المتزامنة. وبذلك، لا تتحدد القوة بمقدار ما تمتلكه الدولة من أدوات الردع وحدها، وإنما أيضًا بقدرتها على امتصاص الصدمات، واستعادة كفاءتها، والحيلولة دون تحول الأزمات العابرة إلى مواطن هشاشة دائمة.

ومن هنا، يمكن استشراف مفهوم «ردع التعطيل»، بوصفه امتدادًا للردع التقليدي؛ إذ لا تقتصر غايته على رفع كلفة العدوان، بل تشمل تقليص جدواه عبر تحصين الوظائف الحيوية للدولة، وتنويع مصادر إمدادها، وتعزيز مرونة بنيتها التحتية، وتطوير قدراتها المؤسسية والتقنية. فكلما تراجعت قدرة الخصم على إحداث اضطراب استراتيجي مؤثر، تقلصت القيمة المتوقعة من استهداف تلك الوظائف.

وتتضاعف أهمية هذا التحول في الشرق الأوسط، حيث تتشابك اعتبارات الأمن العسكري مع أمن الطاقة والتجارة والممرات البحرية والفضاء الرقمي. ولذلك، فإن استدامة الأمن لا تستلزم ترتيبات سياسية وعسكرية تحول دون تجدد الصراعات فحسب، بل تتطلب أيضًا بناء منظومات وطنية وإقليمية قادرة على احتواء آثارها، وضمان استمرار المصالح الحيوية في مواجهة تقلبات البيئة الاستراتيجية.

إن الرهان الحقيقي في مرحلة ما بعد الحرب ليس مجرد استعادة ما تضرر، بل بناء قدرة تجعل تعطيل الدولة أمرًا بالغ الصعوبة. فالدولة الأكثر أمنًا ليست بالضرورة تلك التي لا تتعرض للأزمات، بل التي لا تسمح للأزمات بأن تنتزع منها القدرة على الاستمرار. ومن هذا المنطلق، يغدو الأمن الوظيفي معيارًا لقياس متانة الدولة، لا في أوقات الاستقرار وحدها، بل حين تتعرض منظوماتها للاختبار، وتتزامن الضغوط على مواردها ومؤسساتها ومصالحها. فالقوة، في عالم تتجاوز فيه المواجهات حدود الميدان العسكري، لا تُقاس بما تستطيع الدولة منعه أو ردعه فقط، وإنما بما تستطيع حمايته من التعطيل، واستعادته من الاختلال، ومواصلة أدائه تحت الضغط. وهنا تتجلى المفارقة الاستراتيجية الأهم: قد تنتهي الحرب بوصفها مواجهة عسكرية، لكن الأمن لا يكتمل إلا حين تفقد تداعياتها القدرة على شلّ حياة الدولة. وعليه، فإن الدولة التي لا تتوقف ليست تلك التي لا تعرف الأزمات، بل التي تجعل استمرارها أقوى من محاولات تعطيلها، وتحول مرونتها من استجابة مؤقتة إلى ركيزة دائمة في معادلة الأمن المستدام.


اترك تعليقاً