اتجاهات مستقبلية
صناعة الوعي الرقمي وبناء المناعة ضد التضليل المعلوماتي
ليس كل ما شاع صحّ، ولا كل ما أُحكم عرضه استقام دليله؛ فقد يُلبس الباطل ثوب الحقيقة، ويُساق الخبر منزوعًا من سياقه حتى ينقلب معناه. وتشتد الحاجة إلى هذا التمييز في زمن تتزاحم فيه الشاشات على الأبصار، وتسبق فيه المعلومةُ الرويّة، ويغدو نشر القول أهون من التثبت منه؛ حتى صار المرء يتلقى في يومه من الأخبار ما كان يحتاج أسلافه إلى أشهر لجمعه، من غير أن يكسبه ذلك علمًا أو يقينًا.
وفي هذا السياق، يحلّ «الأسبوع العالمي للدراية الإعلامية والمعلوماتية» من 24 إلى 31 أكتوبر، وهو مناسبة أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2021، لحثّ المجتمعات على تنمية مهارات الوصول إلى المعلومات وفهمها وتقويم مصادرها واستخدامها بمسؤولية. وليست الدراية الإعلامية ترفًا معرفيًّا يُستحسن في أوقات الرخاء، بل ضرورة لحفظ سلامة الحكم حين يكثر اللغط، ويختلط الخبر بالتأويل، والدليل بالدعوى؛ فالخبر لا يصير علمًا بمجرد تكراره، ولا تكتسب الدعوى حجيتها بكثرة ناقليها.
فبحسب الاتحاد الدولي للاتصالات، بلغ مستخدمو الإنترنت في العالم نحو ستة مليارات إنسان عام 2025، أي نحو 74% من السكان؛ لكن اتساع أبواب المعرفة لا يضمن إحسان الدخول إليها؛ إذ كشف تقرير معهد رويترز لدراسة الصحافة لعام 2026 أن 62% ممن شملهم الاستطلاع يقلقون من صعوبة التمييز بين الأخبار الصحيحة والمضللة عبر الإنترنت. وأظهرت دراسة لليونسكو شملت 500 من صنّاع المحتوى في 45 دولة أن 62% لا يتبعون إجراءات صارمة ومنهجية للتحقق قبل النشر. وهذه الأرقام لا تدين وفرة المعلومات، وإنما تنبّه إلى الفارق بين كثرة الرواية وصحة الدراية.
وقد زاد الذكاء الاصطناعي هذه المسألة تعقيدًا؛ فهو يفتح للبحث والتعليم آفاقًا رحبة، لكنه يتيح أيضًا إنتاج نصوص وصور وأصوات تحاكي الحقيقة وتستعير هيئتها. ومن هنا تبرز أهمية تعليم الناشئة كيف يسألون عن المصدر، ويمتحنون الحجة، ويعرفون حدود الآلة بدلًا من الاكتفاء بإتقان استخدامها. وفي هذا الباب، يمثل إدراج الذكاء الاصطناعي في مناهج المدارس الحكومية بدولة الإمارات، بدءًا من العام الدراسي 2025–2026، خطوة جديرة بالالتفات إليها، شرط أن يقترن تعلم التقنية بالتفكير النقدي وأخلاقيات المعرفة. ولمراكز الفكر نصيب أصيل من هذه المسؤولية؛ فوظيفتها ليست الإكثار من التقارير، بل تحقيق القول، وتمييز الثابت من المحتمل، وردّ الرقم إلى سياقه والمنهج الذي أُخرج به. وحين تمدّ وسائل الإعلام بتحليلات موثقة، وخلفيات دقيقة، وتفسيرات متوازنة، فإنها تعينها على سرعة الإبلاغ من غير تفريط في صحة البلاغ، وتعين الجمهور على تكوين رأيه من بينة لا من ضجيج. ويزداد هذا الدور إلحاحًا عند الأزمات؛ حين تزدهر الشائعات في الفراغ الذي يتركه غياب التفسير الموثوق به.
وفي هذا الإطار، تتوزع جهود مجموعة تريندز، عبر شركاتها المتخصصة، بين البحث والاستشارات وقياس اتجاهات الرأي ورصد الظواهر الاجتماعية والتدريب والتواصل المعرفي الدولي. ويتيح هذا التنوع وصل المعرفة المنتجة بالواقع المرصود، وتوسيع إسهام البحث في دعم الإعلام وتنمية الوعي العام.
وغاية الأمر أن المناعة من التضليل لا تُبنى بحجب المعلومات ولا بإلزام الناس برأي واحد، وإنما بتعليمهم حسن النظر والرجوع إلى القرائن ومراجعة الأحكام. فكم من خبرٍ علا صوته وضعف سنده، وكم من حقيقةٍ قلّ صخبها وثبت برهانها. والأمم أحوج ما تكون، في فيض المعلومات، إلى عقول لا تستسلم لكل شائع، ولا تردّ كل جديد؛ عقولٍ تعرف أن حرية المعرفة لا تستقيم إلا بمسؤولية التثبت.

اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.