اتجاهات مستقبلية

الرئيسية مقالات
مجموعــــــــة ترينـــــــــــــــــدز
اتجاهات مستقبلية

 

اتجاهات مستقبلية

الانتخابات الأمريكية.. صراع الأغلبية وحدود القوة الرئاسية

 

 

ليست انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، المقررة في الثالث من نوفمبر المقبل، مجرد سباق على مقاعد مجلسي النواب والشيوخ؛ بل إنها امتحان للعلاقة بين القوة التي تمارسها واشنطن خارج حدودها، والكُلفة التي يتحملها المواطن داخلها. ففي بلد اعتاد مناقشة الحروب بلغة المصالح والتحالفات، باتت أسعار الوقود والسلع الغذائية تقول للناخب، في رسالة واضحة جلية ومكلفة: إن المسافة بين القرار الدولي ومائدة الأسرة أقصر مما يُظن.

وتكشف استطلاعات الرأي هذه المفارقة بجلاء؛ ففي استطلاع «سي بي إس/يوغوف»، المنجَز بين 21 و23 أكتوبر، تقدم الديمقراطيون على الجمهوريين بثماني نقاط بين الناخبين المُرجَّحة مشاركتهم، غير أن هذا التقدم لا يساوي حكمًا مسبقًا بنتائج السباقات المحلية. أما استطلاع «أسوشيتد برس-نورك» فأظهر أن خفض تكاليف المعيشة وإنهاء الحرب مع إيران يتقدمان أولويات قطاعات واسعة من الناخبين. وبناء على ما سبق، يمكن القول إن حسابات الاقتصاد والأمن تتداخل، فلا يعود الخارج ملفًا مؤجلًا إلى ما بعد حسم شؤون الداخل.

أضافت الحرب مع إيران إلى الخلاف الحزبي الأمريكي سؤالًا عسيرًا، ألا وهو: ما جدوى القوة إذا اقترنت أعباؤها بارتفاع الأسعار واتساع القلق من المستقبل؟ وترى الإدارة أن سياساتها تستهدف حماية المصالح الأمريكية وردع التهديدات، بينما يحمّلها منتقدوها مسؤولية إطالة المواجهة وتعميق ضغوط المعيشة. وبين الموقفين يقف ناخب قد لا يملك تقديرًا فنيًّا لميزان الردع، ولا يفهم على نحو دقيق متطلبات الأمن القومي وما يهدد السلم والأمن الدوليين، لكنه يعرف ما يدفعه عند محطة الوقود. وتتقدم إلى جانبه قضايا الهجرة والوظائف والرعاية الصحية، بما يجعل سلوك الناخب حصيلة هموم متداخلة، لا استجابة لقضية واحدة.

على أن الرهان الأعمق ليس هوية الفائز وحدها، وإنما صورة السلطة في واشنطن بعد الاقتراع. فإن انتقلت السيطرة على أحد المجلسين إلى الديمقراطيين، اتسعت أدوات الرقابة والتحقيق والمساءلة والمساومة على المخصصات، دون أن يعني ذلك سقوط صلاحيات الرئيس أو انتهاء الحرب بقرار انتخابي. وإن احتفظ الجمهوريون بالمجلسين، اتسع هامش التنسيق التشريعي مع البيت الأبيض، لكن الضغوط الاقتصادية وتباينات الحزب نفسه لن تزول من المشهد.

ويمتد أثر التوازن إلى ملفات الشرق الأوسط، ومنها الإنفاق العسكري والعلاقات مع الحلفاء والعقوبات والتصنيفات المرتبطة بفروع جماعة الإخوان المسلمين. غير أن تغيير الأغلبية البرلمانية لا يقلب تلك السياسات تلقائيًّا؛ فبعضها يستند إلى صلاحيات تنفيذية وإجراءات قانونية لا تختزلها خريطة المقاعد. والأدق أن الانتخابات قد تعيد توزيع القدرة على الاعتراض والتأثير، لا أن تعيد كتابة السياسة الخارجية من أول سطر.

ومع اقتراب الاقتراع، ينبغي التمييز بين المزاج الانتخابي العام والنتائج الفعلية؛ فالولايات والدوائر المتنافسة، ومعدلات المشاركة، وتوجهات المستقلين، قد تمنح صناديق الاقتراع صورة تختلف عن متوسطات الاستطلاعات الوطنية. وهكذا تحمل انتخابات نوفمبر سؤالين متلازمين: ماذا يريد الأمريكيون من دولتهم في العالم؟ وكم يقبلون أن يدفعوا لقاء ذلك في بيوتهم؟ وبين هذين السؤالين تتحدد ملامح المرحلة التالية؛ فليس كل اتساع في النفوذ الخارجي دليلًا على طمأنينة الداخل، ولا كل اعتراض شعبي عليه تفويضًا بالانسحاب من العالم.


اترك تعليقاً