التسابق العالمي نحو الذكاء الاصطناعي الفيزيائي والروبوتات عالية القدرة

مقالات
التسابق العالمي نحو الذكاء الاصطناعي الفيزيائي والروبوتات عالية القدرة

اتجاهات مستقبلية

مركز تريندز للبحوث والاستشارات

في وقتٍ يتسارعُ فيه انتشار الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية بين القوى الكبرى والدول التي تحوز التكنولوجيا المتقدمة، سرعان ما يتحوّل قطاع الذكاء الاصطناعي من مجرد تجارب مختبرية محدودة إلى بنى تشغيلية متكاملة وفعّالة اقتصاديًّا واجتماعيًّا. فقد كشف المركز الدولي للروبوتات الصناعية أن المصنِّعين ركّبوا أكثر من 542 ألف روبوتٍ جديدٍ خلال عام 2024، ليصل العدد الإجمالي للروبوتات الصناعية إلى 4.6 ملايين وحدة، بزيادة سنوية تقارب 9%. ليرتفع عدد الروبوتات الجديدة المثبتة عالميًّا في المصانع إلى نحو 575 ألف وحدة في عام 2025، بزيادة حوالي 6% عن عام 2024، وتعكس هذه الأرقام تنامي الاعتماد الصناعي على الأتمتة لتحسين الكفاءة، وخفض التكاليف التشغيلية، وتقليص الأخطاء البشرية، فضلًا عن تعزيز القدرة التنافسية في الأسواق العالمية.
وتتصدّرُ الصين هذا التحوّل، مستحوذة على أكثر من نصف عمليات تركيب الروبوتات الصناعية عالميًّا، تليها الولايات المتحدة وألمانيا وكوريا الجنوبية. أما فيما يتصل بالقطاع الخدمي فيبرزُ أيضًا تطورٌ ملحوظٌ؛ إذ تشير التقديرات إلى أن أكثر من 16 مليون روبوت خدمي يعملون حاليًّا حول العالم، 57% منهم مزودون بذكاء اصطناعي متقدّم؛ ما يمكّن هذه الروبوتات من التفاعل الذكي مع البشر، والتعرّف على الأنماط البيئية، وتنفيذ المهام المعقدة في الوقت الحقيقي.
ممّا سبق يتّضح أن التطبيقات الحديثة للروبوتات تشمل أكثر من كونها مجرّد خطوط إنتاج؛ إذ بدأت الشركات تعتمد على روبوتات متنقلة وقادرة على التعلم الذاتي، واتخاذ القرارات في البيئات غير المهيكلة. وهو ما ينعكس على مختلف القطاعات؛ إذ تستفيد قطاعات مثل اللوجستيات والرعاية الصحية والتجزئة والزراعة من هذه القدرات، حيث أصبح من الممكن استخدام روبوتات لإدارة المخازن الذكية، وتوصيل الطلبات، ومراقبة المزارع، وحتى تقديم الرعاية الأولية للمسنين والمرضى في المستشفيات. وعليه؛ فإن هذا التوسّع المتسارع في توظيف الروبوتات يضعها على طريق التحوّل من أدواتٍ مساعدة إلى شركاء فاعلين في بيئات العمل اليومية، ويطرح العديد من التساؤلات الأخلاقية والاجتماعية والقانونية، بل وحتى الثقافية.
يمكن القول إن السباق الحالي بين الدول والشركات نحو الذكاء الاصطناعي الفيزيائي يشبه بصورة أو بأخرى سباقات التسلح في القرن العشرين، إذا ما تمّ تنظيمها جماعيًّا، ووضع ضوابط للتنافس والتطوير والابتكار للجميع، حيث دفع التنافس الدولي إبّان الحرب الباردة القوى الكبرى إلى الابتكار السريع وبناء القدرات الاستراتيجية، حيث كانت الأسلحة المتقدمة في تلك الفترة تمثّل محدّد التوازن والردع، وهو ما أدّى في النهائية إلى إعادة رسم خرائط النفوذ الدولي. أما اليوم، فيشير العديد من الخبراء إلى أن التفوّق في الروبوتات والذكاء الاصطناعي الفيزيائي قد يصبح عاملَ قوّة جديدًا، وأصلًا استراتيجيًّا مهمًّا قادرًا على إعادة صياغة موازين القوى الاقتصادية والسياسية العالمية، وخلق جغرافيا جديدة للنفوذ في التكنولوجيا المتقدمة، مثلما شكّلت الأسلحة النووية سابقًا نقاط قوّة واستراتيجية للدول القائدة.
إن التوسّع المفرط والمتنامي نحو الذكاء الاصطناعي الفيزيائي يُبرز الحاجة الملحّة إلى وضع أطر تنظيمية وأخلاقية. فالروبوتات المتقدمة تثير تحدّيات تتعلق بسلامة المستخدمين، وحماية العاملين من فقدان وظائفهم، ومراعاة الأبعاد الاجتماعية للتفاعل بين البشر والآلات. كما يبرز السؤال عن كيفية فرض معايير دولية للتنافس الآمن بين الدول، حتى لا تتحوّل هذه التكنولوجيا إلى أداة ضغط أو تهديد سياسي أو اقتصادي، تمامًا كما حدث في حقبة سباقات التسلّح التقليدية.
في النهاية، يضع هذا التسارع نحو الذكاء الاصطناعي الفيزيائي المشهد الدولي أمام خيارين؛ فإما اعتماد التعاون والتنسيق الدولي لتوجيه سباق الروبوتات نحو الفائدة الإنسانية والتنمية المستدامة، وإما الانجرار نحو سباق تنافسي شديد، يُعيد إنتاج التوتّرات الدولية في شكل جديد، حيث يتقاطع الاقتصاد والتكنولوجيا والأمن في ساحة واحدة أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.


اترك تعليقاً