قراءة تحليلية بقلم أحمد سعيد العلوي، رئيس تحرير CNN الاقتصادية
في الحروب تتجه الأنظار عادةً إلى الجبهات العسكرية، لكن المعركة الأعمق اليوم تدور في مكان آخر: الاقتصاد.
ففي عالم مترابط، قد تتأثر الأسواق والطاقة وسلاسل الإمداد بالحروب أكثر مما تتأثر بها الجيوش، خصوصاً عندما يندلع الصراع في منطقة تُعدّ من أهم مراكز الطاقة والتجارة في العالم.
هذا هو الحال في منطقة الشرق الأوسط التي تعدّ القلب النابض للطاقة العالمية وعقدةً حيوية في شبكة الاقتصاد الدولي، حيث تمر عبر مياهه وموانئه وحقوله النفطية نسبة كبيرة من الطاقة التي تُغذّي الاقتصاد العالمي، وأي تداعيات تلحق به يكون تأثيرها على العالم أجمع.
التاريخ يقدّم شواهد واضحة على هذه العلاقة الوثيقة بين الحروب في المنطقة وأزمات الاقتصاد العالي.
في عام 1973، عندما اندلعت حرب أكتوبر وما تبعها من حظر النفط العربي، قفز سعر النفط من نحو 3 دولارات للبرميل إلى أكثر من 12 دولاراً خلال أشهر قليلة، وهو ارتفاع أدّى إلى ركود اقتصادي واسع في الاقتصادات الصناعية.
الثورة الإيرانية عام 1979 كرّرت السيناريو ذاته تقريباً، وفي عام
1990، عندما غزا العراق الكويت، ارتفعت أسعار النفط بنحو %80
خلال فترة قصيرة، وانعكس ذلك مباشرةً على الأسواق المالية واسعار الطاقة في العالم.
هذه السوابق التاريخية تعطي مؤشراً واضحاً لما يمكن أن يحدث إذا طال أمد أي صراع عسكري مرتبط بإيران في الوقت الراهن.
تظهر بيانات الطاقة الدولية أن نحو 20% من استهلاك النفط العالي يمر عبر مضيق هرمز – بما في ذلك النفط الخام والغاز الطبيعي المسال من قطر والعراق والكويت والسعودية والإمارات.
أي اضطراب طويل الأمد في هذا المسار البحري الحيوي يمكن أن يؤدي إلى صدمة إمدادات قد تتجاوز في تأثيرها الأزمات السابقة:
صدمة تضخمية عالمية، وعرقلة نحو 5% من التجارة العالمية غير النفطية التي تشمل الحاويات والحبوب والحديد والأسمدة.
وقد شهد العالم نموذجاً مصغّراً لهذه الظاهرة بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، عندما دفعت أسعار الطاقة معدلات التضخم في الولايات المتحدة وأوروبا إلى أعلى مستوياتها منذ أربعة عقود.
وإذا كان ذلك الصراع البعيد جغرافياً أحدث هذه الصدمة، فإن حربا في قلب منطقة الطاقة العالمية قد تكون آثارها أعمق بكثير.
التأثير الاقتصادي لن يكون متساوياً بين دول المنطقة.
العراق يواجه تحدياً صعباً: يخسر نحو 6 مليارات دولار شهرياً نتيجة تعطّل إمداداته النفطية، إذ يمر عبر مضيق هرمز ما يزيد على 94% من صادراته النفطية، فيما تمثّل عائدات النفط نحو
90% من موارد الموازنة العامة.
وقد اضطرت وزارة النفط العراقية إلى خفض الإنتاج بنحو 70% في الحقول الجنوبية.
قطر بدورها تبدو من بين أكثر الاقتصادات عرضةً للتأثر؛ إذ تعدّ ثاني أكبر مُصدّر للغاز المسال في العالم، وتوجّه نحو 71% من صادراتها إلى أسواق آسيا.
ومنذ بداية الصراع توقفت صادراتها تقريباً وأعلنت حالة القوة
القاهرة.
في المقابل، تبدو بعض اقتصادات الخليج أكثر قدرةً على امتصاص الصدمة بفضل مسارات تصدير بديلة.
في الإمارات، يوفر خط أنابيب حبشان-الفجيرة منفذاً استراتيجياً لنقل ما بين 1.5 و1.8 مليون برميل يومياً مباشرةً إلى ميناء الفجيرة دون المرور بالمضيق.
والسعودية بدورها تستطيع تحويل نحو 5 ملايين برميل يومياً من صادراتها النفطية إلى البحر الأحمر عبر خط أنابيب شرق-غرب الممتد بين الجبيل وينبع.
وفي الأزمات الجيوسياسية عادةً ما تتجه رؤوس الأموال إلى الملاذات الآمنة. وقد حدث ذلك بعد الحرب الروسية الأوكرانية، حين تدفقت الاستثمارات نحو دبي وأبوظبي.
واليوم يتكرر المشهد: اقتصاد مستقر في محيط إقليمي مضطرب يتحول إلى نقطة جذب لا نقطة خروج.
الاقتصاد غير النفطي في الإمارات يُشكّل أكثر من 75% من الناتج المحلي الإجمالي، مدعوماً بقطاعات التجارة والخدمات المالية
والصناعات التحويلية والسياحة.
وسجّلت التجارة الخارجية غير النفطية قفزةً تاريخية في 2025 لتتجاوز 3.8 تريليون درهم بنمو 27%، مما يعزّز مكانة الدولة كمركز تجاري عالي ضمن رؤية الإمارات 2031.
الإمارات تضم نحو 53 ألف شركة ناشئة جمعت تمويلاً تراكمياً تجاوز 97 مليار دولار، وتستضيف في 2025 نحو 12 شركة يونيكورن بتقييم إجمالي 17.2 مليار دولار.
وتستهدف أجندة دبي D33 تخريج 30 يونيكورن بحلول 2033 – مما يعكس قدرة الإمارات على تحويل التحديات الإقليمية إلى فرص اقتصادية حقيقية.
لا يمكن قراءة الحروب الكبرى بمعزل عن آثارها الاقتصادية العميقة. كما أعادت حرب 1973 تشكيل سوق الطاقة العالمي، فإن أي صراع طويل في قلب منطقتنا قد يصبح لحظةً مفصلية في الاقتصاد الدولي.
فهل أصبحت القوة الاقتصادية هي الرادع الحقيقي الذي يمنع انفجار صراع شامل؟
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.