الاستقلال التقني: هل يمكن لروسيا اللحاق بسباق الذكاء الاصطناعي؟
“الذكاء الاصطناعي هو المستقبل، ليس لروسيا فقط، بل للبشرية جمعاء، ويأتي مع فرص هائلة، ولكن أيضاً مع تهديدات يصعب التنبؤ بها. فمن يصبح القائد في هذا المجال سيحكم العالم”. بهذه العبارة الحاسمة، حدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الأول من سبتمبر 2017، خلال خطابه في يوم المعرفة أمام طلاب مدينة ياروسلافل، طبيعة السباق التكنولوجي القادم وحجم المخاطر المرتبطة به. غير أن هذا الإدراك المبكر لم يُترجَم إلى أفعال موازية؛ فبعد مرور أكثر من ثماني سنوات على ذلك التصريح التنبؤي؛ ما تزال روسيا تجد نفسها خارج دائرة القطبين المُهيمنين، الولايات المتحدة والصين؛ ما يطرح سؤالاً مفاده: هل يمكن لموسكو اللحاق بواشنطن وبكين في هذا السباق التكنولوجي، رغم تأخرها وكذلك العقوبات المفروضة عليها؟
في محاولة للإجابة عن هذا السؤال، ظهر بوتين مجدداً في 19 نوفمبر 2025، خلال النسخة العاشرة من مؤتمر رحلة الذكاء الاصطناعي (AI Journey) الذي انعقد في موسكو؛ ليُعلن عن استراتيجية جديدة تحمل في طياتها اعترافاً ضمنياً بضياع الوقت. فقد عاد ليؤكد الرؤية ذاتها، لكن هذه المرة بنبرة أكثر إلحاحاً وبخيارات أضيق. فلم يكتفِ بمناقشة تطوير التكنولوجيا؛ بل شدد على ضرورة اعتماد روسيا على تقنياتها المحلية في المجالات الحيوية للدولة والأمن وإنفاذ القانون؛ واضعاً بلاده أمام خيار صفري؛ إما تحقيق السيادة التكنولوجية، أو الانصهار في المنظومات التقنية والقيمية الغربية.
ولفهم جذور هذه الاستراتيجية الدفاعية، يجب النظر إلى السـياقين الجيوسياسي والجيواقتصادي اللذين تعمل في إطارهما روسيا، فـبينما يترسخ النظام الدولي كثنائي القطبية في مجال الذكاء الاصطناعي بين الولايات المتحدة والصين؛ تواجه روسيا عقوبات غربية واسعة النطاق فُرضت عليها إثر غزوها لأوكرانيا في 24 فبراير 2022؛ استهدفت بشكل خاص الحد من وصولها إلى الرقائق المتقدمة وتقنيات الحوسبة عالية الأداء. وتشمل هذه العقوبات حزمة قيود تصدير شاملة فرضتها الولايات المتحدة وأكثر من 30 دولة أخرى على التكنولوجيا الاستراتيجية الروسية، بما في ذلك أشباه الموصلات وأنظمة الاتصالات والإلكترونيات، وذلك عبر آلية قاعدة المنتج الأجنبي المباشر (Foreign Direct Product Rule)، التي تجعل أي منتج يُصنع باستخدام معدات أو برمجيات أمريكية خاضعاً للقيود، سواء تم تصنيعه داخل الولايات المتحدة أم في أي دولة أخرى. في مواجهة هذا الحصار التكنولوجي المُحكَم، تُراهن موسكو على دمج مواردها التقليدية الهائلة كالطاقة النووية مع قدراتها البرمجية (شركات مثل ياندكس وسبيربانك)؛ بهدف بلورة نموذج ذكاء اصطناعي سيادي لا يعتمد على سلاسل التوريد العالمية بقدر اعتماده على الموارد الذاتية.
وفي ضوء ما سبق، يتناول هذا التحليل ركائز الرهان الاستراتيجي الروسي في سباق الذكاء الاصطناعي، مروراً بآليات تعبئة الكيانات الوطنية لتحقيق هذا التوجه، وصولاً إلى تقييم التحديات الهيكلية التي تقف حائلاً دون اللحاق بواشنطن وبكين، وتدفع موسكو نحو الاكتفاء بالاستقلال الاستراتيجي عوضاً عن الريادة العالمية.
رؤية موسكو:
تضع موسكو أمامها ثلاث ركائز استراتيجية لتعويض التأخر وكسر الحصار التكنولوجي المفروض عليها، مُعيدة تعريف الذكاء الاصطناعي من أداة رفاهية إلى درع سيادي، وهذه الركائز كالآتي:
1- السيادة القيمية والمعرفية الوطنية: أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مؤتمر “رحلة الذكاء الاصطناعي 2025” عن تأسيس القوة الوطنية للذكاء الاصطناعي، واصفاً هذه الخطوة بأنها ضرورية لحماية السيادة التكنولوجية الروسية في مواجهة التفوق الأمريكي والصيني. وأكد بوتين أن امتلاك روسيا لتقنياتها ومنتجاتها الخاصة في مجال الذكاء الاصطناعي ليس مجرد خيار اقتصادي أو تقني؛ بل يُمثِّل مسألة مرتبطة بالهوية الوطنية والسيادة القيمية. وأوضح أن استراتيجية القوة الوطنية لا تقتصر على تطوير خوارزميات ذكية فحسب؛ بل تشمل أيضاً إنشاء نماذج لغوية سيادية محلية (Sovereign LLMs) مدرَّبة على بيانات روسية؛ بهدف تعزيز قدرة الدولة على التحكم في التطبيقات الذكية المرتبطة بالأمن القومي والاستخبارات، وضمان أن تكون الأنظمة الذكية المستخدمة روسية الصنع بالكامل. ويهدف هذا التوجه إلى تحقيق استقلالية تكنولوجية استراتيجية، وحماية المجتمع الروسي من التأثيرات الخارجية والتحيزات الليبرالية المحتملة، التي قد تنقل قيماً وثقافات غير محلية وتؤثر في الإطار الثقافي والهوية الوطنية.
2- تكامل الطاقة والبيانات (Nuclear-Digital Nexus): سعت روسيا إلى ربط توسع بنيتها التحتية الرقمية بمصادر طاقة مستقرة ومنخفضة التكلفة، عبر الاستثمار في المحطات النووية الصغيرة. وتمتلك موسكو ميزة تنافسية في الطاقة مقارنة بالغرب والصين، وتوظفها لتغذية مراكز البيانات كثيفة الاستهلاك للطاقة؛ ما يقلل من التكلفة التشغيلية لتدريب النماذج اللغوية الضخمة. هذا التكامل بين “الذرة” و”البت” (Atoms and Bits) يُتيح استمرار تشغيل النماذج على المدى الطويل، حتى مع فرق كفاءة العتاد مقارنة بالمنظومات الغربية أو الصينية. ومع ذلك، فإن وفرة الطاقة وحدها لا تعوض أو تقلل الفجوة البنيوية في سلاسل توريد الرقائق المتقدمة.
3- الدولة كمنصة للابتكار الموجه (State-Directed Innovation): تتبنى روسيا نموذج “التعبئة التكنولوجية”، الذي يضع الدولة في موقع المحرك المركزي للابتكار من خلال تنسيق شامل بين القطاعين العام والخاص ضمن استراتيجية وطنية محددة. ويختلف هذا النموذج عن النهج الأمريكي القائم على القطاع الخاص (Market-driven / Private sector-led)، والذي يعتمد على آليات السوق والمنافسة لتوجيه الابتكار، وكذلك عن النموذج الصيني المتمثل في مقاربة “الدولة-قائدة” (State-led approach)؛ حيث تدمج الشركات الكبرى ضمن استراتيجية الدولة الوطنية لتوجيه الابتكار بما يخدم الأهداف السياسية والاقتصادية للدولة. ففي روسيا، تصبح الدولة بمثابة “العميل الأول”، و”الممول الرئيسي”، وكذلك “المنظم الحصري” للقطاع؛ ما يوفر توجهاً مركزياً قوياً ينسجم مع التخطيط الاستراتيجي الوطني. ويعكس الهدف المعلن للقيادة الروسية الطموح الاقتصادي والسياسي؛ إذ يُتوقع أن يسهم الذكاء الاصطناعي بما يُقارب 11 تريليون روبل في الناتج المحلي بحلول عام 2030، في إطار التحول من اقتصاد يعتمد على تصدير الموارد الطبيعية إلى اقتصاد قائم على تقديم الخدمات الذكية للدول الحليفة أو المحايدة.
تعبئة الكيانات الوطنية:
لترجمة هذه الرؤية إلى واقع تشغيلي ملموس؛ تعمل روسيا على تعبئة الكيانات الوطنية، باعتبارها قادرة على سد الفجوات التكنولوجية في ظل القيود الخارجية وبناء منظومة متكاملة قادرة على الصمود والمنافسة دولياً، وتتمثل في:
1- تحوُّل المؤسسات المالية إلى كيانات تكنولوجية: يبرز مصرف سبيربانك كنموذج دالّ على هذا التحوّل؛ إذ تجاوز دوره التقليدي كمؤسسة مصرفية ليغدو فاعلاً تكنولوجياً مركزياً يطوّر نماذج لغوية سيادية مثل جيجا تشات GigaChat، ويستثمر في مجالات الذكاء الاصطناعي الفيزيائي عبر روبوتات شبيهة بالبشر. ولا يعكس هذا التحوّل مجرد تنويع في أنشطة البنك؛ بقدر ما يُمثِّل توظيفاً للبنية التحتية المالية والبيانية الضخمة التي يمتلكها في خدمة مشروع الذكاء الاصطناعي الوطني. ويُعزز هذا التوجه ما صرّح به أندريه بيليفتسيف، النائب الأول لرئيس سبيربانك ورئيس قطاع التطوير التكنولوجي، حين أكد أن تطوير نماذج مثل GigaChat يهدف إلى خلق منظومة تقنية وطنية متكاملة تتجاوز منطق المنتج التجاري المنفرد. وفي ظل انسحاب رأس المال الاستثماري الغربي من السوق الروسية؛ بات سبيربانك يؤدي دوراً محورياً بوصفه أحد البدائل الوظيفية لتمويل الابتكار التكنولوجي وتوجيهه ضمن الإطار الرسمي للاستراتيجية الروسية للذكاء الاصطناعي.
2- ياندكس الروسية كمعادل لجوجل الأمريكية: تواصل شركة ياندكس تطوير نموذجها اللغوي YandexGPT ليكون الركيزة الأساسية؛ حيث يستند نموذج ياندكس إلى دمج البحث التقليدي مع قدرات الذكاء الاصطناعي لتقديم حلول متكاملة. ويبرز متصفح ياندكس كأحد أبرز منتجات الشركة؛ إذ يُشكِّل منافساً محلياً ويُعد جزءاً من المنظومة الرقمية، كما يُنظَر إليه عالمياً على أنه بديل لنظيره الأمريكي جوجل في السوق الروسية تحديداً. وبالتوازي، تعمل شركات روسية أخرى مثل Sber على تطوير منصات مشابهة لتوسيع قاعدة الخدمات الرقمية؛ مما يعكس سعي الدولة لبناء نظام بيئي متكامل للذكاء الاصطناعي ضمن استراتيجية الابتكار الوطني.
3- الذكاء الاصطناعي العسكري: يُمثِّل البُعد العسكري أحد أهم عناصر تنفيذ استراتيجية روسيا للذكاء الاصطناعي؛ إذ تُوظف الدولة القدرات الوطنية لضمان التفوق التكنولوجي وحماية الأمن القومي. وتركز موسكو على تطوير الذكاء الاصطناعي العملياتي (Operational AI) عبر كيانات عسكرية وطنية متخصصة، تشمل تطوير طائرات مسيّرة مستقلة وتقنيات “الأسراب” لتعزيز القدرة العملياتية في الميدان، مع دمج أنظمة ذكية قادرة على تنفيذ مهام محددة بدقة وكفاءة؛ ما يعكس الاعتماد على البنية التحتية الوطنية المتوفرة.
ويُظهر التحليل المنشور لصامويل بنديت على موقع “ديفينس وان” في سنة 2020 أن الخطاب الروسي حول الذكاء الاصطناعي يمزج بين رؤيتين متوازيتين: من جهة، تعزيز البحث والتطوير الوطني لضمان التفوق التكنولوجي ورفع جاهزية الدولة لمواجهة التحديات المستقبلية؛ ومن جهة أخرى، التحذير من المخاطر المحتملة الناتجة عن انتشار هذه التقنيات، داعياً إلى وضع ضوابط دولية تحمي الحقوق الفردية، والأمن، والسيادة الوطنية.
ويُطبّق هذا التوجه من خلال دمج الروبوتات والأنظمة الذكية ضمن منظومة عسكرية وطنية متكاملة، مع الحفاظ على “السيطرة البشرية” في عمليات اتخاذ القرار لضمان التوازن بين الأداء التكنولوجي والمسؤولية الاستراتيجية. كما أشار الرئيس الروسي نقلاً عن موقع “تيك رادار” إلى أن التنظيم المفرط للذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يُعوق تقدمه، وأن التطبيقات العسكرية والمدنية ستُطوَّر ضمن الإطار الوطني الروسي؛ بما يضمن أن تظل جميع الابتكارات ضمن سيطرة الدولة وتستجيب للأولويات الوطنية والأمنية.
تحديات هيكلية:
يواجه الطموح الروسي تجاه الذكاء الاصطناعي جداراً صلباً من التحديات الهيكلية التي قد تحوّل موسكو إلى قوة إقليمية تكنولوجية معزولة، وهي كالتالي:
1- معضلة “فجوة السيليكون”: منعت العقوبات الغربية وصول رقائق عالية الأداء إلى روسيا مثل NVIDIA H100 وA100، الضرورية لتدريب النماذج العملاقة. ورغم محاولات روسيا الاعتماد على التهريب أو البدائل الصينية؛ فإن الفجوة في القوة الحاسوبية الخام (Compute Power) بينها وبين المراكز البحثية العالمية تتسع بمتوالية هندسية. فحتى أقوى حاسوب روسي (Christofari Neo) يعمل بقوة 12 بيتافلوب؛ أي أقل 50 إلى 100 مرة من نظيره الأمريكي؛ ما يجعل تدريب نماذج ضخمة مثل GPT-4 أمراً مستحيلاً ضمن القدرات المحلية. كما أن محاولات تصنيع رقائق محلية مثل معالجات Elbrus وBaikal ما تزال متأخرة بعقود عن المعايير العالمية؛ مما يجعل النماذج الروسية محدودة القدرات وبطيئة التدريب، ويحد من قدرتها على المنافسة عالمياً.
2‐ استنزاف العقول: يعتمد الذكاء الاصطناعي على العقول البشرية بقدر اعتماده على الرقائق. ومنذ عام 2022، تشهد روسيا مساراً مستمراً من هجرة المهندسين والخبراء التقنيين الباحثين عن أجور أعلى وبيئات ابتكار أكثر انفتاحاً، في سياق العقوبات الغربية الممتدة والقيود المحلية. ففي الأشهر الأولى التي أعقبت اندلاع الحرب الأوكرانية، قدّرت الرابطة الروسية للاتصالات الإلكترونية -وفق ما نقلته فوربس- مغادرة ما بين 50 ألفاً و70 ألف متخصص تقني، مع توقّعات بارتفاع العدد إلى ما بين 120 و170 ألفاً. واستقر كثير من هؤلاء المهاجرين في دول مثل جورجيا، أرمينيا، كازاخستان، قرغيزستان، وتركيا، التي وفرت بيئات أكثر مرونة واستقبالاً للخبرات التقنية. وبرغم اختلاف التقديرات اللاحقة؛ فإن المؤشرات المتراكمة حتى عام 2026 تؤكد أن النزيف البشري لم يكن حدثاً عابراً؛ بل تحوّل إلى ظاهرة هيكلية تندرج ضمن ما يُعرف “بالحرب العالمية على المواهب”؛ حيث تتنافس الاقتصادات المتقدمة على استقطاب الكفاءات القادرة على تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي. وبرغم الحوافز الحكومية؛ تُشير أدبيات الابتكار والاقتصاد السياسي للتكنولوجيا إلى أن بيئات الابتكار الموجَّه والرقابة المؤسسية الصارمة غالباً ما تكون أقل جاذبية للمواهب المبدعة، التي تفضّل العمل ضمن منظومات بحثية مفتوحة ومتصلة بالمجتمع العلمي العالمي؛ وهو ما قد يؤدي تدريجياً إلى تآكل معرفي ويُضعف القدرة على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي ذات قدرة تنافسية دولية.
3- عزلة البيانات وتدني جودتها: تحتاج نماذج الذكاء الاصطناعي إلى بيانات واسعة ومتنوعة لتكون فعالة، وحصر التدريب على البيانات المحلية الروسية لحماية السياسات والقيم، قد يؤدي إلى نماذج متحيزة محلياً وغير قادرة على فهم السياقات العالمية؛ ما يُقلل من قدرتها على التوسع أو المنافسة في الأسواق الخارجية، حتى في دول البريكس. كما أن القيود على الوصول إلى أدوات الحوسبة السحابية والبنية التحتية العالمية (جيت هاب كوبايلوت، آزور، جوجل كلاود) تزيد من عزلة روسيا الرقمية؛ فالعزلة الرقمية تعني بيانات أقل، والبيانات الأقل تعني ذكاءً أقل.
4- فجوة التمويل الاستثماري: خصص التمويل الحكومي الروسي للذكاء الاصطناعي نحو 54 مليون دولار لعام 2024 فقط، بينما بلغ حجم السوق الكلي في روسيا نحو 6,7 مليار دولار؛ بما يشمل الاستثمارات الخاصة للشركات الكبرى، وفق وكالة الأنباء الروسية الرسمية TASS وتصريحات رئيس الوزراء الروسي ميخائيل ميشوستين في سبتمبر 2023. ومع ذلك، يظل هذا الرقم أقل بكثير من حجم السوق في نظيرتيها الأمريكية والصينية؛ مما يجعل تمويل الأبحاث طويلة المدى وبناء نماذج تنافسية عالمياً تحدياً كبيراً، ويضع قيوداً إضافية على القدرة التكنولوجية الروسية.
ختاماً، ربما لا يبدو أن روسيا قادرة على اللحاق بالولايات المتحدة أو الصين في سباق الذكاء الاصطناعي بصورته العالمية، القائم على الابتكار التجاري واسع النطاق والتنافس المفتوح؛ لكنها، في المقابل، قد تنجح في بلورة نموذج بديل يرتكز على السيادة، والانتقائية، والتوظيف الاستراتيجي الأمني للتكنولوجيا. فبرغم “الشراكة بلا حدود مع الصين”؛ تُدرك موسكو أن الاعتماد الكلي على التكنولوجيا الصينية كبديل للتكنولوجيا الغربية سيحوّلها من “شريك استراتيجي” إلى “تابع تكنولوجي”؛ لذا فإن “القوة الوطنية للذكاء الاصطناعي” تُمثِّل محاولة روسية لرسم خطوط حمراء أمام النفوذين الصيني والأمريكي المتغلغلين في أرجاء العالم، والحفاظ على هامش مناورة يسمح لموسكو بالتنافس مع بكين أو واشنطن من موقع الند، لا من موقع التابع؛ وهو توازن دقيق ومحفوف بالمخاطر في ظل الفجوة الهائلة في القدرات بين روسيا وكلٍّ من الصين والولايات المتحدة. هذا النموذج قد لا يمنح روسيا الريادة العالمية؛ لكنه يوفر لها حدّاً أدنى من الاستقلال الاستراتيجي، ويقلّل من احتمال تحوّلها إلى تابع ضمن منظومة دولية تتزايد فيها مركزية التكنولوجيا.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.