الإكراه البحري: دلالات عودة ابتزاز القراصنة في الممرات الحيوية للإقليم
تعود القرصنة قبالة السواحل الصومالية إلى الواجهة مجدداً، لكن هذه المرة في سياق إقليمي أكثر تعقيداً من موجاتها السابقة. فقد أسهمت التوترات المتصاعدة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، وتنامي دور إيران والحوثيين في تهديد الملاحة الدولية؛ في إعادة تشكيل البيئة الأمنية في غرب المحيط الهندي. وأصبحت القرصنة البحرية جزءاً مما يُعرف بـ”اقتصاد الابتزاز” القائم على “الإكراه البحري” وفرض كلفة غير قانونية على المرور عبر الممرات البحرية الحيوية في الإقليم.
عودة القرصنة البحرية:
لا يخفى أنه على مدار معظم العقد الماضي، اعتُبر غرب المحيط الهندي نموذجاً ناجحاً لمكافحة القرصنة. فقد بلغت موجة القرصنة الصومالية ذروتها بين عامي 2010 و2011؛ إذ سجّل البنك الدولي أكثر من ألف هجوم مسلح على السفن قبالة السواحل الصومالية خلال الفترة (2005–2011)، تمكن القراصنة خلالها من اختطاف أكثر من مئتي سفينة. وقُدّرت التكلفة الإجمالية لهذه الموجة على الاقتصاد العالمي بنحو 7 مليارات دولار في عام 2011 وحده، وتحمّل قطاع النقل البحري نحو 80% منها، فيما توزّعت النسبة المتبقية على نفقات الجهود الحكومية لمكافحة القرصنة.
بيد أن تلك الظاهرة تراجعت بشكل حاد بعد عام 2012، بفضل مجموعة من القوات البحرية متعددة الجنسيات، وبروتوكولات الشحن المُحكمة، والأمن المُسلّح على متن السفن، والجهود الدؤوبة التي بذلتها المجتمعات الساحلية الصومالية لإغلاق الموانئ التي كانت تنطلق منها زوارق القراصنة. وبحلول منتصف العقد الحالي، أصبح الساحل الصومالي مجرد قضية هامشية في تقارير الأمن البحري. وبعبارة أخرى، أصبح فصلاً طُويت صفحته ومشكلة تم حلها؛ وهو ما اعتبره المجتمع الدولي إنجازاً نادراً لتعاون بحري متعدد الأطراف.
ومع ذلك، فقد أعادت أحداث إبريل ومايو 2026 في مضيق هرمز قضايا الأمن البحري إلى دائرة الاهتمام العالمي مرة أخرى. فقد بلغ معدل عمليات القرصنة في خليج عدن أعلى مستوياته منذ سنوات عديدة. وتبدو الأرقام صادمة، ففي غضون أقل من أسبوعين، بين 20 إبريل و2 مايو 2026، استولى القراصنة الصوماليون على أربع سفن في المياه القريبة من السواحل الصومالية. وعلى إثر هذه الموجة، رفع مركز المعلومات البحرية المشترك (JMIC)، في تقريره الاستشاري الصادر في 12 مايو 2026، مستوى التهديد في الحوض الصومالي وقبالة السواحل الصومالية إلى “شديد” (Severe)؛ وهو ثاني أعلى مستوياته الأربعة بعد “حرج” (Critical) المخصص لمضيق هرمز.
ولا يتمثل الجانب الأكثر إثارةً للقلق في حجم الهجمات فحسب؛ بل في نطاقها الجغرافي أيضاً. فقد تعرّضت إحدى السفن للاختطاف بعيداً عن أي سواحل، وفي مياه تعكس مستوى من القدرات العملياتية والتطور يتجاوز ما عُرف سابقاً عن مجموعتي القرصنة الناشطتين في المنطقة. وفي هذا السياق، سبق أن كشف محمد موسى أبولي، نائب مدير الاستخبارات في قوة شرطة بونتلاند البحرية، أن جهات موالية للحوثيين كانت تزود الجماعات الصومالية بالأسلحة وأجهزة تتبع عبر نظام تحديد المواقع العالمي (GPS). وتشير هذه المعطيات إلى احتمال وجود مجموعة ثالثة، عالية التجهيز والاحترافية، تنشط في البحر، ويبدو أنها ليست صومالية بالكامل.
ومن المفيد، في هذا السياق، قبل مناقشة الجهات الفاعلة ومخاطر القرصنة البحرية، تأكيد مسألة تعريف القرصنة وما يترتب عليها من عقوبات وفقاً لقواعد القانون الدولي.
الإطار القانوني الدولي:
يُجرّم القانون الدولي القرصنة، ويُوفّر إطاراً متطوراً لمقاضاة مرتكبيها ومعاقبتهم. وكانت أول محاولة شاملة لتنظيم أعالي البحار هي اتفاقية قانون البحار لعام 1958، التي جرّمت القرصنة في المجال البحري الدولي، وأدرجت حظرها ضمن القانون الدولي. وقد جرى لاحقاً تنقيح هذه الأحكام وتوحيدها في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي لا تزال الصك القانوني الرئيسي الذي يُؤطر قوانين مكافحة هذه الجريمة حتى اليوم. وتُجرّم كلتا الاتفاقيتين القرصنة، وتُحددان العقوبات المُترتبة على ارتكابها.
وتُعرّف المادة 101 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، القرصنة بأنها الأفعال التالية:
1- أي عمل غير قانوني من أعمال العنف أو الاحتجاز أو النهب، يرتكبه طاقم أو ركاب سفينة خاصة أو طائرة خاصة لأغراض شخصية، ويكون مُوجهاً في أعالي البحار، ضد سفينة، أو طائرة أخرى، أو ضد أشخاص أو ممتلكات على متن تلك السفينة أو الطائرة؛ أو ضد سفينة أو طائرة أو أشخاص أو ممتلكات في مكان خارج نطاق ولاية أي دولة.
2- أي مشاركة طوعية في تشغيل سفينة أو طائرة مع العلم بوقائع تجعلها سفينة أو طائرة قرصنة.
3- أي فعل تحريض أو تسهيل متعمد للأفعال المذكورة أعلاه.
وتُفصّل المواد من 102 إلى 107 من الاتفاقية أبعاداً أخرى للجريمة، بما في ذلك تعريف سفن وطائرات القرصنة، وفقدان الجنسية للسفن المتورطة في القرصنة، والحق العالمي في الحجز في أعالي البحار، والسلطة القضائية للدول التي تقوم بالحجز، والمسؤولية المترتبة على عمليات الحجز التي تُجرى دون أسباب كافية. وتُؤطر هذه الأحكام مجتمعة القرصنة كإحدى الجرائم القليلة الخاضعة للولاية القضائية العالمية؛ ما يعني أنه يجوز لأي دولة القبض على القراصنة ومحاكمتهم ومعاقبتهم بغض النظر عن جنسية الجاني أو الضحية.
العامل الإيراني:
لعل من الخطأ بمكان هذه المرة تصنيف مسألة القرصنة بحسبانها سردية صومالية بحتة. فالظروف الهيكلية التي أدت إلى أزمة القرصنة بين عامي 2008 و2011 والتي تتضمن هشاشة الدولة، وانهيار سُبل العيش التقليدية لدى المجتمعات الساحلية، ووجود حكومة فدرالية عاجزة في مقديشو تستنزف حركة الشباب الإرهابية مواردها الأمنية في الجنوب؛ ما تزال قائمة دون معالجة تُذكر. أما الذي تغير، وبشكل جذري، فهو المشهد البحري المحيط بهذه الظروف. فمنذ أكثر من عامين، وتحديداً منذ أن بدأت جماعة الحوثيين مهاجمة السفن التجارية في البحر الأحمر في نوفمبر 2023؛ أصبح غرب المحيط الهندي بمثابة حالة تطبيقية لاختبار مقولة إن العدوان البحري إذا ما تم تقييمه بشكل صحيح؛ فإنه يساعدنا على الفهم.
ففي تقريرها السري المُقدم إلى مجلس الأمن الدولي في أكتوبر 2024، قدّرت لجنة خبراء الأمم المتحدة المعنية باليمن، نقلاً عن مصادر من سماسرة الشحن اليمنيين، أن الحوثيين كانوا يحصلون على نحو 180 مليون دولار شهرياً، أو ما يزيد على ملياري دولار سنوياً، كرسوم “عبور آمن” غير قانونية من عدد محدود من وكالات الشحن؛ حيث تُحوّل المدفوعات عبر شبكة غير رسمية لتحويل الأموال تُعرف باسم “الحوالة”.
وهكذا، فقد نجحت جماعة مسلحة غير حكومية في فرض نظام رسوم خاص على أحد أهم الممرات البحرية في العالم. كما أكدت لجنة الخبراء مجدداً هذا الاستنتاج في تقريرها النهائي الصادر في أكتوبر 2025. وفي إبريل الماضي، أفادت مجلة “لونغ وور جورنال” (Long War Journal) بأن قيادة الحوثيين كانت تناقش علناً فرض رسوم عبور في البحر الأحمر. فما بدأ كشائعة غير مؤكدة بين سماسرة السفن، تحوّل خلال 18 شهراً إلى ما يشبه المقترح السياسي.
وفي الجانب الآخر من الخليج، برزت مؤشرات متزايدة على استخدام إيران وحلفائها لـ”الإكراه البحري” كأداة ضغط استراتيجية واقتصادية غير قانونية في مضيق هرمز والبحر الأحمر. فقد أشارت تقارير أمنية وبحرية خلال عام 2026 إلى مناقشات مرتبطة بفرض ترتيبات مالية أو ما يُسمى بـ”رسوم مرور آمن” بشكل غير قانوني على بعض السفن العابرة للمضايق الحيوية، في ظل تصاعد التهديدات للملاحة الدولية. وإذا أخذنا في الاعتبار الدور الحوثي في البحر الأحمر، لوجدنا تحول “الإكراه البحري” من أداة عسكرية مؤقتة إلى آلية نفوذ اقتصادي وسياسي.
ويثير هذا التوجه إشكاليات قانونية مباشرة تتعلق بحرية الملاحة وحق “المرور العابر” المنصوص عليه في المادة 38 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، والتي تحظر فرض قيود أو رسوم تمييزية على عبور المضايق الدولية. كما تُظهر تقارير الأمم المتحدة ووكالات دولية تزايد الترابط بين شبكات الفاعلين المسلحين في المنطقة؛ إذ وثّق خبراء الأمم المتحدة تنامي التنسيق بين الحوثيين وتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، إلى جانب مؤشرات على تعاون وعمليات تهريب مرتبطة بحركة الشباب الصومالية، بما يشمل نقل أسلحة ومعدات عبر شبكات بحرية غير نظامية.
وفي هذا السياق، لا تُعد عودة القرصنة الصومالية أمراً شاذاً؛ بل هي الخطوة المتوقعة التالية في سوق إقليمية رسّخت، عملياً، نظام المزايدة على حق المرور عبر الممرات البحرية. فإيران تتقاضى رسوماً غير قانونية مقابل المرور، والحوثيون يحاولون تحصيل رسوم مقابل عدم الهجوم، وقراصنة الصومال يتقاضون رسوماً مقابل الإفراج. ولعلنا نتذكر أن العديد من الدراسات الأكاديمية حول الحرب البحرية غير المتكافئة حذرت من أن البحار الضيقة الخاضعة لسيادة مجزأة معرضة بشكل خاص لهذا النوع من الإكراه.
وعليه، فإن ما يواجهه المجتمع الدولي في عام 2026 يُمثل التطبيق العملي لهذا التحذير؛ إذ بات غرب المحيط الهندي ساحةً لا تُحدد فيها كلفة نقل البضائع عبر الممرات البحرية الحيوية من قِبل شركات التأمين والمستأجرين وأسعار الوقود فقط؛ بل تتأثر بصورة متزايدة بقدرة الجهة المسلحة التي تفرض سيطرتها على ذلك الممر المائي في لحظة معينة.
وقد أسهم إغلاق مضيق هرمز في تفاقم هذا الوضع؛ فمع تعطل أحد أهم ممرات الطاقة في العالم؛ تحوّل البحر الأحمر وخليج عدن من مجرد مسارين ضمن شبكة الملاحة الدولية إلى شريان بحري شبه أساسي للتجارة والطاقة. وأصبحت كل ناقلة نفط إضافية تنقل الخام إلى المصافي الآسيوية أو الأوروبية هدفاً أكثر قيمة؛ الأمر الذي دفع شركات التأمين إلى رفع كلفة التغطية. ولا يحتاج القراصنة، في هذا السياق، إلى فرض سيطرة مباشرة على هذه الممرات الحيوية؛ بل يكفيهم إثبات قدرتهم، بصورة متكررة، على الاستيلاء على السفن العابرة واحتجازها مقابل فدية. وتُعد حادثة اختطاف ناقلة النفط “يوريكا” في مايو 2026، والتي طالب خلالها القراصنة بفدية بلغت 10 ملايين دولار، مثالاً واضحاً على ذلك.
إخفاق الاستجابات الدولية:
على الرغم من خطورة هذه التطورات؛ جرى تقليص البنية الدولية لمكافحة القرصنة تدريجياً في وقت تتزايد فيه الحاجة إليها مجدداً. فقد تراجعت عملية “أتلانتا” التابعة للاتحاد الأوروبي، إلى جانب قوة المهام البحرية الدولية المرتبطة بها، مقارنةً بذروة انتشارها خلال العقد الماضي، مع استمرار اعتمادها على عدد محدود من السفن الحربية وطائرات الدورية البحرية وقوات تتناوب عليها بصورة رئيسية دول أوروبية مثل إسبانيا وإيطاليا واليونان. وتشير بيانات العملية الأوروبية إلى استمرار تشغيل المرافق اللوجستية في جيبوتي، مع تداول القيادة التشغيلية بين مدريد وروما خلال السنوات الأخيرة.
وفي ديسمبر 2024، مدّد المجلس الأوروبي ولاية عملية “أتلانتا”، بعد أن كان نطاق مهامها قد توسّع منذ عام 2022 ليشمل مكافحة تهريب المخدرات، ومراقبة السفن غير المسجّلة، والمساهمة في تنفيذ حظر الأسلحة. غير أن هذا التوسّع ترافق مع تراجع قانوني وعملياتي مهم؛ إذ انتهت في مارس 2022 صلاحية قرار مجلس الأمن رقم 2608، الذي كان يتيح للقوات الدولية تنفيذ عمليات مكافحة القرصنة داخل المياه الإقليمية الصومالية بالتنسيق مع الحكومة الصومالية.
كما ألغت هيئات الشحن الدولية بدءاً من 1 يناير 2023 تصنيف المحيط الهندي كمنطقة عالية الخطورة للقرصنة، بعد سنوات من انخفاض الهجمات الناجحة؛ وقد أدى ذلك عملياً إلى تقليص عدد من التدابير الأمنية الإلزامية المرتبطة بالتأمين البحري والحراس المسلحين وإجراءات العبور المنصوص عليها في “أفضل الممارسات الإدارية” (BMP5)، بالرغم من استمرار التوصية بالالتزام بها طوعاً.
ومن جهة أخرى، يبدو الوضع الأمريكي في مكافحة القرصنة أكثر تعقيداً على المستوى العملي؛ حيث إن “قوة المهام المشتركة 151” (CTF-151)، التابعة للقوات البحرية المشتركة ومقرها البحرين، لا تزال قائمة وشاركت خلال العام الحالي في عمليات تنسيق مع “أتلانتا” لمواجهة نشاطات قرصنة قبالة الصومال. بيد أن استمرار وجودها المؤسسي لا يعني بقاء تركيزها الاستراتيجي كما كان خلال ذروة أزمة القرصنة الصومالية. فارتباط القوة بالأسطول الخامس الأمريكي يجعل أولوياتها مرتبطة بصورة متزايدة بالتوترات الإقليمية الأوسع، خاصة في الخليج العربي والبحر الأحمر. كما أن الضغوط العملياتية الناتجة عن استمرار المواجهة مع الحوثيين عبر “قوة المهام المشتركة 153” (CTF-153) منذ أواخر 2023؛ فرضت استنزافاً متزايداً للموارد البحرية متعددة الجنسيات في المنطقة.
وعملياً، لم تُفكك البنية الدولية لمكافحة القرصنة رسمياً؛ لكنها باتت مطالبة اليوم بتغطية ثلاث ساحات متزامنة؛ القرصنة الصومالية؛ وتهديدات الحوثيين في البحر الأحمر؛ والتوترات المتصاعدة في الخليج ومضيق هرمز، باستخدام موارد أقرب إلى تلك التي خُصصت سابقاً لمسرح واحد فقط. وهذا النمط من التمدد العملياتي يُعد، في الأدبيات العسكرية، أحد أبرز مؤشرات الاستنزاف البنيوي الذي يسبق التراجع التشغيلي طويل المدى.
تشابك التهديدات الأمنية:
يمكن الخلوص إلى أن تحقيق الردع في البحر يظل مرهوناً بإرساء استقرار طويل الأمد على البر. فالتعاون البحري متعدد الجنسيات، بالرغم من أهميته بوصفه أداة رئيسية للتدخل؛ لا يكفي وحده لضمان قيام منظومة حوكمة مستدامة على البر. وقد عكس النموذج التحليلي للبنك الدولي هذه الفكرة بوضوح؛ إذ أشار إلى أن الدوريات البحرية والحراس المسلحين على متن السفن أسهما معاً في التراجع الحاد لأعمال القرصنة بعد عام 2012، غير أن تلك الإجراءات لم تعالج جذور المشكلة على البر، وفي مقدمتها استمرار شبكات التجنيد والبيئات الحاضنة للقرصنة.
وعليه، فإن دراسات القرصنة التي بلغت مرحلة النضج بدأت تكشف تحديداً عن هذه الفجوة بين ممارسات التدخل والظروف الجذرية المسببة للقرصنة. ويوضح تقرير الأمين العام للأمم المتحدة عن القرصنة قبالة السواحل الصومالية لعام 2022 (S/2022/819) هذه النفطة؛ حيث يؤكد أن خطر هجمات القرصنة انخفض بفعل تنويع جماعات القرصنة الصومالية لأنشطتها وتركيزها على أعمال أقل مخاطرة، مثل أنشطة التهريب وغيرها من الجرائم البحرية، مع احتفاظها مع ذلك بالقدرة على تنفيذ هجمات انتهازية محتملة في المستقبل.
وبما أن الحوثيين يربطون هجماتهم على السفن بحرب إيران؛ فإن دوافع عودة القرصنة في الوقت الراهن ترتبط بدورها بظروف أمنية وسياسية تتشكل على البر. فما تزال الصومال تواجه تحديات أمنية داخلية معقدة، في مقدمتها تهديدات التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها حركة الشباب، إضافة إلى التنامي المتزايد لنشاط تنظيم داعش؛ وهو ما يدفع الأولويات الأمنية في الصومال والمنطقة الأوسع بعيداً عن أمن البحر الأحمر والمجال البحري عموماً.
وفي هذا السياق، لا تُعد القرصنة التحدي الأمني الوحيد الذي تواجهه قوات الأمن الصومالية؛ الأمر الذي يجعل منحها أولوية مطلقة أمراً غير مضمون في ظل تعدد التهديدات الداخلية والخارجية الملحّة. فقد برزت خلال السنوات الأخيرة تهديدات أخرى تصدّرت أولويات الأجهزة الأمنية الصومالية والجهات الدولية الداعمة، وفي مقدمتها التحدي المزدوج لمكافحة الإرهاب، المتمثل في تنامي حضور تنظيم داعش في منطقة بونتلاند، إلى جانب استمرار التهديد طويل الأمد الذي تمثله حركة الشباب والجهود المتواصلة لمكافحتها.
وفي الواقع، لم تحظَ العوامل البنيوية على اليابسة التي تغذي ظاهرة القرصنة، كما سبقت مناقشتها، إلا بنصيب محدود من الاهتمام والموارد، حتى في ذروة جهود مكافحة القرصنة البحرية. وقد انتقد عدد من الباحثين هذا الاختلال، ولعل جانباً أساسياً من هذا النقد يتعلق بإصرار المجتمع الدولي على التعامل الحصري تقريباً مع الحكومة الاتحادية في مقديشو، بالرغم من محدودية قدرتها على بسط نفوذها على كامل البلاد. ومن هذا المنظور، لا يحتاج الغرب إلى سياسة لمكافحة القرصنة بقدر ما يحتاج إلى سياسة متماسكة تجاه المعضلة الصومالية نفسها؛ سياسة تعترف بالسلطات الإقليمية والقبلية التي تضطلع بالعمل الفعلي على الأرض لتعزيز قدر من الاستقرار في بلد غارق في أزمات مركّبة.
مسرح بحري واحد وثلاثة أوجه:
لم تعد القرصنة قبالة السواحل الصومالية ظاهرة يمكن قراءتها بمعزل عن محيطها، فهي اليوم الضلع الثالث في مثلث من “الإكراه البحري” يُعيد تشكيل غرب المحيط الهندي بأكمله؛ حيث تفرض إيران رسوماً غير قانونية على المرور في مضيق هرمز، ويحاول الحوثيون جباية “إتاوة العبور الآمن” في باب المندب، ويطالب القراصنة الصوماليون بفديات على السواحل الممتدة بين بونتلاند وخليج عدن. وتشترك هذه الأطراف الثلاثة في منطق واحد؛ وهو تحويل الممرات البحرية الدولية إلى سلعة خاضعة للمساومة المسلحة.
وتترتب على ذلك تداعيات خطرة على قطاع النقل البحري، والاقتصاد العالمي. فالقرصنة تُهدد الاستثمارات وحركة التجارة العالمية، وتحرم دول المنطقة من استثمار ثرواتها البحرية، فيما يُضاعف إغلاق هرمز وهجمات باب المندب من تكاليف التأمين والشحن على المسارات البديلة، ويضع الناقلات أمام خيار صعب بين ثلاث جبهات خطرة. والأخطر من ذلك أن التشابك التشغيلي بين هذه الأطراف بات موثقاً، فقد أثبتت تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن، وتصريحات نائب مدير الاستخبارات في شرطة بونتلاند البحرية، كما أسلفنا، أن الحوثيين باتوا يُزودون مجموعات القرصنة الصومالية بالأسلحة وأجهزة التتبع عبر الأقمار الاصطناعية.
ومن هنا يتضح أن التركيز على التدابير الأمنية وحدها لا يُنتج سوى حلول مؤقتة ومحدودة الأثر. صحيح أن الدوريات البحرية متعددة الجنسيات، وتشديد الإجراءات الأمنية على السفن، والاستعانة بفرق الحراسة المسلحة، أثبتت منذ عام 2012 فعاليتها وضرورتها في الحد من الهجمات؛ إلا أن المقاربات ذات الطابع العسكري لا تستطيع، بحكم طبيعتها، تفكيك الاقتصادات الإجرامية الساحلية التي تُغذي ظاهرة القرصنة خلال فترات الهدوء الفاصلة بين موجات التصعيد المختلفة. فالسبب الجذري للقرصنة الصومالية كان، ولا يزال، انهيار الدولة.
أخيراً، فإن الدرس الذي يفرضه عام 2026 على مجلس الأمن الدولي والقوات البحرية المشتركة والاتحاد الإفريقي، هو أن غرب المحيط الهندي ينبغي أن يُعامل بوصفه مسرحاً استراتيجياً واحداً؛ إذ كلما اشتد الضغط على ممر بحري؛ ارتفعت الحوافز على الممرين الآخرين؛ ومن ثم فإن أي استجابة تُعالج هذه الأزمات الثلاث كلُ على حدة، أو تُعطي الأولوية لإحداها على حساب الأخرى؛ محكوم عليها بالفشل.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.