اتجاهات مستقبلية

الرئيسية مقالات
مجموعــــــــة ترينـــــــــــــــــدز
اتجاهات مستقبلية

 

اتجاهات مستقبلية

الجاهزية العالمية للجائحة القادمة

 

 

نحو 6 سنوات مرّت علينا منذ إعلان تفشّي فيروس كورونا بوصفه حالة طوارئ صحية بالعالم، و3 سنوات فقط منذ انتهاء حالة الطوارئ الصحية، وبينما تَعلق حالة “كورونا” في أذهاننا وذاكرتنا الجماعية بآثارها الاجتماعية والنفسية والاقتصادية، يبدو أننا لسنا بعيدين تمامًا عن احتمال اقترابنا من جائحة جديدة قد تتسبب في فقدان عظيم في الأرواح، وتداعيات ربما لن نتحملها إذا كانت أشد في الإصابات والقتل عن سابقتها.

ويبدو أن العالم لا يتعامل مع احتمال انتشار جائحة جديدة، ولا يأخذها على محمل الجد كما ينبغي، وربما يظهر ذلك في تلكّؤ المساعي الدولية ما بعد جائحة “كوفيد-19″، إضافة إلى بعض الأطر المؤسسية لرصد مسببات الأمراض، والتعاون في تبادل البيانات، لكن الأسئلة الرئيسية تظل بلا ملامح واضحة في اللقاحات، وكذلك مراقبة الأوبئة وكشفها.

وتدور على مسامعنا فيروسات تنتشر هنا أو هناك بين الحين والآخر، وإن كنا في وضع آمن إلى الآن، فإن الغد محمّل بضرورات في الجاهزية والاستعداد، حيث تُقدِّر منظمة الصحة العالمية أن خطر تفشي فيروس “هانتا” في العالم منخفض؛ وذلك يعود لأن الفيروس الخطير لا ينتقل بين الناس، وإنما عادة عن طريق القوارض المصابة.

ويطرح تفشّي “إيبولا” في الكونغو الديمقراطية مخاوفَ جائحةٍ جديدة؛ إذ ينتقل فيروس “إيبولا” إلى الإنسان من الحيوانات البرية، ثم ينتقل بالعدوى من المصابين إلى الأصحاء، ويبلغ معدل الوفاة بين المصابين 50% تقريبًا في المتوسط. وبالمقابل أمام العالم نقاط ضعف متعددة، خاصة مع انعدام المساواة في الوصول إلى التمويل والأدوات اللازمة لمكافحة الأوبئة، مثل اللقاحات، وضعف القدرة على الاستجابة السريعة للكوارث الصحية، إلى جانب الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المتزايدة.

لقد حاول العالم الاستعداد بخطوات اتُّخِذَت؛ إذ علمتنا الجائحة أن التهديدات العالمية تتطلب استجابة عالمية؛ لأنها لن تقف عند الحدود، ولن تفرّق بين الدول المتقدمة والنامية، إلا في الاستعداد والقدرة على الوقاية والرعاية والاستجابة. وبالفعل اعتُمِدت اتفاقية منظمة الصحة العالمية بشأن الأوبئة في مايو 2025؛ لوضع نهج شامل للوقاية من الأوبئة، والتأهب والاستجابة، ومازال الخلاف قائمًا حول نظام الوصول إلى مسببات الأمراض، وتقاسم المنافع.

وعملت الجهود الدولية على توسيع نطاق التطوير والإنتاج المحلي والعادل للقاحات والتشخيصات والعلاجات، وأنشأت منظمة الصحة العالمية فيلق الطوارئ الصحية العالمي لمساعدة البلدان في مواجهة حالات طوارئ صحية عامة، وشرعت الدول في خطوات لتعزيز قدرة العالم على الاستجابة بشكل أسرع، والتخفيف من آثار الأوبئة المستقبلية.

وبرغم ذلك، فماتزال الجهود أقل أمام اضطرابات في الصحة العالمية. وفي ظل تحوّل التمويل من الصحة إلى الدفاع والأمن القومي، وخفض المساعدات المقدَّمة إلى منظمة الصحة العالمية، كما فعلت الولايات المتحدة، وقد كانت إحدى أكبر الدول الداعمة ماليًّا، أو الخروج من عضوية المنظمة – كلّ ذلك يضع على كاهل الصحة العالمية تحديات أكبر من قدرة المنظمة على الاستيعاب، ولعل سحب مليارات الدولارات من تمويل المنظمة يُفشِل نظام المراقبة المبكر للفيروسات.

كما تراجع العالم في إجراءات ضمان الوصول العادل إلى اللقاحات والفحوصات والعلاجات، مقارنة بوقت جائحة كورونا (17 شهرًا)، خلال تفشّي “جدري القردة”، واستغرق وصول اللقاحات إلى الدول الأفريقية المتضررة نحو عامين، في حين أن التهاون في الاستعداد والوقاية من الأوبئة يُعرّض الدول، بل والعالم كله، للخطر؛ إذ لا تعترف مسببات الأمراض بالحدود، ولا يمكن لأي دولة أن تمنع أو تُدير جائحة بمفردها، ويتطلب الأمن الصحي العالمي التعاون الدولي، والعالم ليس آمنًا من الأوبئة.

والخطر الأكبر أن العالم لو ضُرب بوباء، فإنه في حالة هشّة مع الانقسامات والصراعات، وعبء الديون العالمية الضخمة، ومازالت الدول الأعضاء في منظمة الصحة العالمية بعيدة عن الاتفاق على كيفية تحديد القواعد المنظّمة للوصول إلى مسببات الأمراض، والوصول إلى قواعد البيانات التي تحتوي على مسببات الأمراض والتسلسلات الجينية، والحاجة إلى مزيد من المصنِّعين في البلدان النامية للمشاركة في إنتاج اللقاحات.

لا يفتقر العالم إلى حلول، ولكن من دون النظر إلى العدالة، بآليات دائمة لمراقبة مخاطر الجوائح، وتوفير التمويل اللازم لتعزيز الجاهزية والاستجابة السريعة لتفشي الأمراض، ستصبح كلّ الدول أكثر عرضة للخطر عند وقوع الجائحة المقبلة، مع صعود المخاوف من ظهور جائحة عالمية بظهور فيروسات جديدة تنتشر في مناطق مختلفة، ويمكنها التحوّر في المستقبل لإصابة الإنسان بشكل أكبر، أو التسبب في أخطاء، أو عدم الجاهزية للمراقبة والوقاية في تفشيها عالميًّا، ولكي لا نصل إلى هذه النقطة، ونحدّ من الآثار، علينا الاعتماد على إمكانيات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في تحسين الاستعداد، خاصة في رصد الأوبئة، والاستعداد للمستقبل بالكشف المبكر، والتكامل المؤسسي بين الجهات الصحية المحلية والعالمية، والاستثمار في الجاهزية الوقائية، والاستجابة المبكرة، بوصفها عاملًا أساسيًّا في المواجهة لأي جائحة محتملة.


اترك تعليقاً