تحالف تقني: كيف عزَّزت “قمة تركستان” مسارات التكامل الرقمي بين أعضاء منظمة الدول التركية؟
انطلقت القمة غير الرسمية لمنظمة الدول التركية في مدينة تركستان بكازاخستان في 15 مايو 2026؛ حيث تُعيد القمة أهمية منظمة الدولة التركية، والتي تُعد الركيزة الأساسية للقوة التركية في آسيا الوسطى. ومن الواضح أن القمة لم تكن مجرد لقاء بروتوكولي بين الدول الأعضاء؛ إذ بدت أقرب لمحاولة لصياغة رؤية جديدة لمستقبل العالم التركي، تتجاوز الأطر الثقافية التقليدية نحو بناء شراكات اقتصادية وتقنية أكثر تأثيراً.
ويُذكر أن منظمة الدول التركية تأسست في 3 أكتوبر 2009، تحت مسمى مجلس تعاون الدول الناطقة بالتركية (المجلس التركي)، بعد توقيع اتفاقية نخجوان بين تركيا وأذربيجان وكازاخستان وقرغيزستان. وفي قمة باكو عام 2019، أعلنت أوزبكستان انضمامها ليصبح عدد أعضاء المنظمة خمسة، إضافة إلى تركمانستان والمجر وجمهورية شمال قبرص التركية بصفة مراقب. وفي قمة إسطنبول عام 2021، تقرر تحويل اسمها من المجلس التركي إلى “منظمة الدول التركية”.
قمة محورية:
يمكن الوقوف على أبرز الدلالات المرتبطة بانعقاد القمة على النحو التالي:
- هواجس استراتيجية: كان من المقرر عقد القمة الرسمية لمنظمة الدول التركية خلال العام الجاري (2026)، إلا أن موعدها لم يُحدد حتى الآن. غير أن التطورات المتسارعة الناتجة عن الحرب الإيرانية فرضت عقد قمة غير رسمية للمنظمة بالتزامن مع الزيارة التي يجريها الرئيس التركي إلى كازاخستان.
وقد جاءت هذه القمة الاستثنائية في ظل تحولات جيوسياسية كبرى وظرف إقليمي بالغ الحساسية، مع استمرار تداعيات الحرب الإيرانية وانعكاساتها السلبية على مختلف الأصعدة. وفي هذا السياق، برزت الحاجة إلى تأمين إمدادات الطاقة، وإعادة النظر في المنظومة الدفاعية والأمنية المشتركة للدول الأعضاء، إلى جانب تبني استراتيجيات جديدة للاقتصاد الرقمي؛ بما يضمن حماية التجارة وسلاسل الإمداد.
- الدلالة الثقافية للقمة: يُعد اختيار مدينة تركستان الكازاخستانية لعقد القمة أمراً له دلالات خاصة تتجاوز البعد السياسي، باعتبارها تحتضن ضريح الشاعر التركي والمتصوف الشهير، خواجه أحمد يسوي، الذي أدرج في وقت سابق ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي في 2002، في إشارة واضحة إلى أن العوامل الثقافية ما تزال تمثل عنصراً رئيساً في المشروع التكاملي التركي مع دول آسيا الوسطي.
- أولوية رقمية: تزامن انعقاد القمة وفق موضوعها “الذكاء الاصطناعي والتطوير الرقمي” مع خطوات فعلية من جانب الدول الأعضاء؛ حيث دخلت القوانين الرقمية الجديدة حيز التنفيذ في مطلع العام الجاري في كازاخستان وقرغيزستان، مع إطلاق أذربيجان خطتها الوطنية لدعم التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وتأسيس بنية حوسبية عالية، كما تم اعتماد استراتيجية تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي حتى عام 2030 في جمهورية أوزبكستان.
في المقابل، وضعت تركيا استراتيجية جديدة لتطوير بنيتها الرقمية لما بعد عام 2026، وتم إنشاء رئاسة الأمن السيبراني في تركيا؛ مما عُد خطوات مهمة لدفع التحول الرقمي للدول الأعضاء.
مآرب تركية:
لا شك في أن قمة تركستان كانت لها أهمية خاصة بالنسبة لتركيا؛ حيث تمثلت هذه الأهمية في ثلاثة اعتبارات:
- تعزيز النفوذ الجيوسياسي التركي في آسيا الوسطى: عززت القمة مكانة تركيا باعتبارها القوة الأكثر تأثيراً داخل منظمة الدول التركية. فـ”إعلان تركستان” أكد التوجه نحو تعميق التعاون السياسي والاقتصادي والتكنولوجي بين الدول الأعضاء؛ وهو مسار تدفعه أنقرة منذ سنوات لتحويل المنظمة من إطار ثقافي إلى تكتل سياسي واستراتيجي، وقد انعكس ذلك في تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على هامش القمة؛ إذ أكد أن منظمة الدول التركية لم تعد مجرد منصة ثقافية، بل أصبحت إطاراً للتعاون الاستراتيجي في ملفات الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا؛ وهو ما يعكس نجاح الرؤية التركية في تطوير المنظمة.
والحقيقة أن القمة قد تمنح لتركيا فرصة لتعميق علاقاتها مع كازاخستان وأوزبكستان وقرغيزستان وأذربيجان؛ ما يوسّع حضورها في منطقة تُعد تقليدياً ضمن المجالين الروسي والصيني. وتشير تحليلات إلى أن قمة تركستان جاءت في سياق إعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية في آسيا الوسطى؛ حيث تسعى دول المنطقة إلى تنويع شركائها وعدم الاعتماد الحصري على موسكو أو بكين؛ وهو ما يفتح مجالاً أوسع للدور التركي.
- دعم التكامل الاقتصادي عبر الممر الأوسط: من أهم المكاسب الجيوسياسية لأنقرة أن القمة ركزت على قضايا النقل والربط الإقليمي والتكامل اللوجستي. وتدعم هذه التوجهات مشروع الممر الأوسط (Middle Corridor) الذي يربط الصين وآسيا الوسطى بأوروبا عبر بحر قزوين ثم تركيا. ويمنح هذا المشروع تركيا موقعاً محورياً في التجارة العالمية وسلاسل الإمداد بين آسيا وأوروبا.
وفي القمة، يُلاحظ أن أردوغان تجاوز جدول الأعمال الرسمي، فربط الأزمة الإيرانية في مضيق هرمز مباشرة بأهمية الممر الأوسط، مؤكداً أن المنطق واضح ويتلخص في أنه “عندما تختنق الشرايين البحرية، تزدهر الممرات البرية”. وفي هذا الإطار، يرى مراقبون أن تركيا ليست مجرد دولة عبور على الممر الأوسط، بل هي بوابته الأوروبية. فكل حاوية تنتقل من كازاخستان عبر بحر قزوين، مروراً بأذربيجان وجورجيا، لا بد أن تمر عبر الأراضي التركية قبل وصولها إلى الأسواق الأوروبية، سواءً بالسكك الحديدية عبر أدرنة أم بحراً من إسطنبول ومرسين.
وقد تعاملت الموانئ التركية مع رقم قياسي بلغ 553 مليون طن من البضائع في عام 2025. ولم يأتِ هذا الرقم القياسي من فراغ، بل هو نتاج سنوات من الاستثمار في طاقة الموانئ، وربط السكك الحديدية، والبنية التحتية الجمركية. وما تُضيفه تركيا إلى هذا الممر، إلى جانب موقعها الجغرافي؛ هو نفوذها المؤسسي.
فأنقرة عضو في حلف الناتو، وتحافظ على علاقات تجارية نشطة مع الاتحاد الأوروبي. هذا المزيج، من العضوية المؤسسية الغربية إلى جانب القيادة في العالم التركي؛ يمنحها دوراً محورياً، فلا تستطيع كازاخستان التواصل مع بروكسل كما تفعل أنقرة، ولا تستطيع بروكسل التواصل مع أستانا كما تفعل أنقرة؛ هذه ليست ميزة ثانوية، بل هي النظام السياسي الأساسي لهذا الممر.
- ترسيخ ريادة تركيا في مجالات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي: مثّلت قمة تركستان فرصة مهمة لتركيا لترسيخ موقعها كقائد للتحول الرقمي داخل الفضاء التركي؛ إذ أولت القمة اهتماماً خاصاً بالذكاء الاصطناعي والابتكار والتعاون التكنولوجي بين الدول الأعضاء.
وتكتسب هذه القضية أهمية جيوسياسية بالنسبة لأنقرة؛ لأنها تنقل نفوذها من المجالات التقليدية كالثقافة واللغة إلى مجالات القوة الحديثة المرتبطة بالتكنولوجيا والاقتصاد المعرفي. وقد انعكس ذلك في تبني القمة مبادرات لتعزيز التكامل الرقمي وتطوير البنية التحتية التكنولوجية المشتركة، إضافة إلى دعم مشروع النموذج اللغوي الكبير للغات التركية (Turkic Large Language Model)، الذي يمنح تركيا دوراً محورياً في صياغة البيئة الرقمية للعالم التركي.
كما أن قيادة أنقرة لهذه المبادرات تتيح لها بناء شبكات اعتماد متبادل في مجالات البيانات والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي؛ مما يعزز قوتها الناعمة ويمنحها أدوات تأثير طويلة المدى تتجاوز الأبعاد السياسية والاقتصادية التقليدية.
آفاق واعدة:
أسفر البيان الختامي للقمة عن مجموعة من النتائج والتوصيات، حملت أبعاداً تقنية ورقمية واضحة؛ ما عكس رغبة الدول الأعضاء في تحول التكتل إلى قوة رقمية إقليمية قوية تواجه التحديات الجيوسياسية الراهنة، وقد انعكس ذلك في التالي:
- إنشاء مراكز الذكاء الاصطناعي: كان من بين أبرز مقترحات الرئيس الكازاخستاني، قاسم جومارت توكاييف، إنشاء شبكة من مراكز الذكاء الاصطناعي تحت مسمى “Turkic AI” في مختلف الدول التركية لتعزيز البحوث المشتركة وتنمية المواهب وتبادل التكنولوجيا.
وبالتوازي مع ذلك، فقد تم الإعلان عن خطط لإنشاء جامعة متخصصة في الذكاء الاصطناعي في كازاخستان؛ حيث أكد الرئيس الكازاخستاني استعداد بلاده لتقديم منح دراسية للطلاب من الدول التركية، واقترح إقامة أولمبياد سنوي علمي وتكنولوجي في البرمجة والذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية المتقدمة بين الشباب من الدول الأعضاء.
وعلى هامش القمة، تمت مناقشة إنشاء مركز تكنولوجيا معلومات مشترك يسمى “الذكاء الاصطناعي التركي” داخل مركز Alem.aiفي مدينة أستانا، كما تمت الدعوة إلى الاعتراف المتبادل بالتوقيعات الرقمية والوثائق الإلكترونية بين الدول الأعضاء، وذلك لتعزيز العمليات التجارية والتكامل الاقتصادي.
- التعاون في مجالي الأمن السيبراني والفضائي: أشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، خلال القمة، إلى أن “الأمن السيبراني في الوقت الراهن أصبح ضرورياً، ويعادل في الأهمية أمن الدول في البر والجو والبحر”. ومن هذا المنطلق، شهدت القمة موافقة الدول الأعضاء على مقترحات سابقة لكازاخستان تتعلق بإنشاء مراكز للمراقبة الرقمية والابتكار تابعة لمكتب الأمن السيبراني، بالإضافة إلى تشكيل مجلس للأمن السيبراني لمساعدة الدول الأعضاء على تبادل المعلومات التشغيلية والاستجابة للتهديدات الرقمية.
وعلى صعيد آخر، توافق الأعضاء في القمة على التعاون في مجال تقنيات الفضاء، بما في ذلك الاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية وأنظمة الملاحة والمراقبة، كما هو الحال في مشروع القمر الاصطناعي العلمي OTS-Sat-12U، وهو مشروع مشترك بين وكالات الفضاء التابعة لمنظمة الدول التركية. وقد صُمم لدعم رصد الأرض، وعرض التكنولوجيا في المدار، وتطوير القدرات الفضائية المشتركة.
- البنية التحتية الرقمية: رحبت القمة بالمقترحات التي قدمها رئيس جمهورية كازاخستان، بشأن إنشاء “مركز الابتكارات الرقمية”، كما اعتمدت القمة ما عُرف بمفهوم “العالم التركي الرقمي” (Digital Turkic World) كإطار شامل للنهوض بالتكامل الرقمي، وأنظمة الابتكار، والتعاون القائم على البيانات، والتعاون العملي في مجال الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة في جميع بلدان منظمة الدول التركية.
وفي هذا الإطار، دعمت القمة توسيع تطبيقات مثل (E-Permit) و(E-CMR) والتوقيع الإلكتروني المتبادل، وربط النوافذ الوطنية الموحدة للدول الأعضاء؛ بهدف تسهيل حركة التجارة والنقل عبر الممر الأوسط العابر لبحر قزوين.
- تعزيز التكامل الصناعي والسياحي: أكَّد البيان الختامي للقمة أهمية تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء لضمان التنفيذ الفعال والمنسق لمبادرات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في القطاع الصناعي. كما دعا إلى تطوير التعاون الرقمي في قطاع السياحة عبر تسهيل الوصول إلى المنصات والخدمات السياحية الرقمية الوطنية للدول الأعضاء، وتعزيز تبادل المعلومات وأفضل الممارسات.
ويهدف هذا التوجه إلى دعم الترويج للمنتجات السياحية المشتركة، وزيادة حركة السياح بين الدول الأعضاء بصورة مستدامة؛ ما يعزز التكامل الاقتصادي ويواكب التحولات الرقمية المتسارعة.
- الرقمنة الثقافية: رحبت القمة، في بيانها الختامي، بإنشاء مؤسسة التراث والثقافة التركية (TCHF) للمنصة الرقمية “التراث التركي”، التي تهدف إلى تنظيم المعلومات المتعلقة بالشعوب التركية وتاريخها وثقافتها وحياتها المعاصرة، إضافة إلى إنشاء فضاء رقمي موحد يضم موسوعة رقمية ومكتبة وسائط متعددة وموارد تعليمية وخدمات تفاعلية وتقنيات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك أرشيف للوسائط المتعددة.
وفي التقدير، يمكن القول إن قمة تركستان لمنظمة الدول التركية لم تكن قمة غير رسمية، ينظر لها أنها مجرد فرصة لالتقاط الصور بين قادتها؛ فالحقيقة أنها كشفت عن توجه واضح نحو تحويل منظمة الدول التركية من إطار للتعاون الثقافي والسياسي إلى منصة للتكامل الرقمي والتكنولوجي بقيادة الدول الأكثر تقدماً في هذا المجال، وفي مقدمتها تركيا.
مع تأكيد توجه واضح، وهو أن الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي يمثلان أولوية استراتيجية للعالم التركي، مع الالتزام بتعميق التعاون متعدد الأطراف في هذه المجالات لتعزيز الابتكار والنمو الاقتصادي والتكامل الإقليمي.
” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.