لم يكن حمد المرعى المواطن القطري البالغ من العمر واحد وستون عاما ويعمل كرئيس قسم لأحدى الإدارات في قطر يتوقع أن يكون ضعف السمع في أذنه اليمنى بداية رحلة مع أحد أكثر أنواع السرطان شراسة. لكن ما بدأ بعرض بسيط انتهى بقصة شفاء ملهمة ورسالة أمل لكل مريض في قطر ودول الخليج.
عندما بدأ حمد يشعر بضعف تدريجي في السمع في أذنه اليمنى، اعتقد أن الأمر لا يتجاوز مشكلة بسيطة في الأذن. إلا أن استمرار الأعراض دفعه إلى مراجعة طبيب الأنف والأذن والحنجرة في أحد المراكز الصحية، ليتم تحويله لاحقاً إلى مؤسسة حمد الطبية لإجراء فحوصات متقدمة شملت التصوير بالرنين المغناطيسي.
و كانت نتيجة التشخيص مفاجئة وصادمة. فقد كشفت الفحوصات عن أن حمد مصاب بسرطان البلعوم الأنفي. وهو نوع من السرطان غير معروف السبب و لكن هناك عوامل تزيد من خطر الإصابة به، وتشمل فيروس إبشتاين-بار (EBV)، الاستعداد الوراثي، التاريخ العائلي، الأنظمة الغذائية الثقيلة من اللحوم والأسماك المملحة، والتعرض المهني للفورمالديهايد. و سرطان البلعوم الأنفي أكثر شيوعًا بين الرجال ويبلغ التشخيص ذروته عند حوالي سن الخمسين.
و أظهرت الأشعة التي أجريت لحمد وجود ورم خلف الأنف وشرح له الأطباء أنه يحتاج إلى تدخل عاجل، بما في ذلك أخذ خزعة لتحديد طبيعة الورم والعلاج الفوري دون تأخير.
بالنظر إلى الوراء، يقول حمد إن أكثر ما أثار خوفه آنذاك هو سماعه أن الورم خطير و سريع الانتشار. إلا أن تجربة صديق له سبق أن خاض رحلة علاج مماثلة و تمكن بنجاح من التغلب على سرطان مشابه بعد تلقي العلاج في مركز ميموريال سلون كيترنغ لعلاج السرطان غيّرت نظرته للأمر. و يتذكر حمد:” كان أحد أصدقائي قد عولج من سرطان مشابه في مستشفى ميموريال سلون كيترنغ لعلاج السرطان في نيويورك قبل ثماني سنوات، ومن الله عليه بالشفاء فقد تعافى تمامًا ولا يزال يتمتع بصحة جيدة حتى اليوم. سماع تجربته أعطاني الثقة، لذلك لم أتردد في السعي للحصول على العلاج في نفس المستشفى.”
و تواصل حمد مع مركز بوبست الدولي التابع لمستشفى ميموريال سلون كيترنغ لعلاج السرطان، وهو برنامج خدمات المرضى الدوليين، وقام موظفو الرعاية الدولية على الفور بجمع تقارير حماد الطبية ونسخ الصور الشعاعية الخاصة به، وأوصلوه بالدكتور دافيد فيستر، طبيب الأورام، ونانسي لي، أخصائية الأورام الإشعاعية، وكلاهما متخصص في علاج مجموعة واسعة من سرطانات الرأس والعنق، بما في ذلك سرطانات الفم والحلق والغدة الدرقية والغدد اللعابية كما يُعدّون من الخبراء المعترف بهم دولياً في علاج سرطان البلعوم الأنفي.
وفي خلال الاستشارة، التي أُجريت بمساعدة مترجم للغة العربية، شرح الدكتور فيستر والدكتورة نانسي لي أنهما قد راجعا تقارير حمد الطبية بعناية وطمأناه بأن هناك أسباب كثيرة تدعو للتفاؤل.
و تحت رعاية فريق متخصص في أورام الرأس والعنق، في مستشفى ميموريال سلون كيترنغ لعلاج السرطان بقيادة الأطباء ريتشارد وونغ، نانسي لي، وآلان هو، ومع الدعم المستمر من مركز بوبست الدولي، قام الفريق بتطوير خطة علاجية مخصصة لحمد وتمكن من البدء فيها خلال أسبوعين فقط.
ويستذكر حمد تلك اللحظة قائلاً: “كنت مرهقاً وخائفاً، لكن عندما قال لي الطبيب: لا تقلق، لقد عالجت هذه الحالات طوال عشرين عاماً، شعرت براحة وتحسن في حالتي المعنوية لأول مرة منذ التشخيص.”
و خضع حمد لخطة علاجية متكاملة تضمنت العلاج بالبروتون بالتزامن مع العلاج الكيميائي. وحرصت الدكتورة نانسي لي على شرح جميع تفاصيل الخطة العلاجية الإشعاعية له، وطمأنته بأنه يتلقى أحدث وأفضل ما توصل إليه الطب في علاج هذا النوع من السرطان، وفق أعلى المعايير العالمية.
يقول حمد “عندما وصلت إلى المستشفى للمرة الأولى، كنت أشعر بقدر من القلق و الارتباك لأنني لم أكن أعرف ماذا أتوقع، لكن الرعاية والاهتمام اللذين تلقيتهما من الفريق الطبي و مقدمي الرعاية وطاقم قسم المرضى الدوليين جعلاني أشعر وكأنني في منزلي، فقد عاملوني كما لو كنت أحد أفراد عائلتهم.”
وعن دورها في العناية بحمد، قالت شيماء مصطفى، المنسقة الإدارية في المكتب الدولي لرعاية المرضى الدوليين “لقد كان من دواعي سروري تقديم الرعاية للسيد المرعى فهو متجاوب بصورة كبيرة، ويحرص باستمرار على الرد سريعا على استفسارات فريقنا الطبي وطلبات تزويدنا بالسجلات الطبية. ويُعد السيد المرعى بحق من أكثر المرضى لطفًا وتعاونًا من بين الذين حظيت بالعمل معهم، وكانت رعايته أشبه بالفعل بالعناية بأحد أفراد العائلة. وأتمنى له دوام الصحة والعافية.”
ورغم المخاوف التي تراود معظم مرضى السرطان بشأن العلاج، يؤكد حمد أن تجربته جاءت مختلفة عما كان يتوقع ويقول ” كنت أتلقى العلاج الكيميائي أسبوعياً، لكنني لم أشعر بمعاناة كبيرة. لم أواجه صعوبة في الكلام أو البلع أو تناول الطعام، وحتى شعري لم يتساقط.” كما بدأ ضعف السمع، الذي كان أول أعراض المرض، بالتحسن تدريجياً حتى اختفى تماماً بعد انتهاء العلاج حسب ما صرح به حمد.
واليوم، وبعد ثلاث سنوات من انتهاء العلاج، يعيش حمد حياته بصورة طبيعية، لكن أكثر ما تغير بعد هذه التجربة، كما يقول، ليس حالته الصحية فقط، بل نظرته للحياة.
“تعلمت ألا أفقد الأمل أبداً، وأن سرعة التشخيص واختيار مركز طبي يمتلك خبرة كبيرة في هذا النوع من الأورام قد يصنعان الفارق بين الحياة والمرض.”
ويوجه حمد رسالة إلى المرضى في قطر ودول الخليج يدعوهم فيها إلى عدم تجاهل أي أعراض غير طبيعية، مهما بدت بسيطة، وإلى طلب الاستشارة الطبية مبكراً، مؤكداً أن العلاج المبكر يرفع فرص الشفاء بشكل كبير.
ويختتم حديثه قائلاً: “أنصح كل من يواجه تشخيصاً مشابهاً بألا يستسلم للخوف وألا يفقد الأمل، وأن يبحث عن مركز طبي متخصص يمتلك الخبرة في علاج هذه النوع من الأورام. فالأطباء الذين يمتلكون الخبرة الطويلة يمنحون المريض الثقة قبل أن يمنحوه العلاج، ومع الأمل والإيمان يمكن تجاوز أصعب المحن.”
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.