نبيل فهمي وزير الخارجية المصري الأسبق
عندما سافر قادة الولايات المتحدة وروسيا إلى بكين في مايو 2026، لم تكن زياراتهم مجرد لقاءات دبلوماسية روتينية، بل مثّلت تلك اللقاءات لحظة جيوسياسية فارقة سلّطت الضوء على التحول العميق الجاري في النظام الدولي. فلعقود طويلة، كانت واشنطن تحتل مركز الصدارة في الدبلوماسية العالمية، بينما كانت موسكو دائماً متذبذبة في موقفها بين المواجهة أو التوافق مع الغرب. أما اليوم، فكلا القوتين تجد نفسها مضطرة بشكل متزايد للتعامل مع الصين ليس فقط كشريك مهم، بل كشريك لا غنى عنه.
إن ما يعطي هاتين القمتين أهمية كبيرة ليس فقط نتائجهما الثنائية، بل ما كشفتاه معاً عن ميزان القوى المتطور، والطبيعة المتغيرة للتنافس الاستراتيجي، وظهور نظام عالمي أكثر تشرذماً وعدم استقرار. وعلى الرغم من اختلاف طبيعة الاجتماعات في القمتين اختلافاً كبيراً في اللهجة والمضمون والسياق الاستراتيجي، فإنهما أكدتا معاً حقيقة مشتركة؛ ألا وهي أن الصين قد رسّخت مكانتها بقوة في قلب السياسة الدولية بطرق لم يكن من الممكن تصورها قبل عقدين من الزمن.
تعايش تنافسي:
لقد ركزت القمة بين الولايات المتحدة والصين في المقام الأول على إرساء وإقرار العلاقة التي باتت تُشكل التنافس الأكثر أهمية وتعقيداً في القرن الحادي والعشرين. وأسفرت المناقشات بين الجانبين عن اتفاقيات متواضعة بشأن التجارة، والمشتريات الزراعية، والاستثمار، وآليات إدارة الأزمات؛ حيث كان كلا الجانبين حريصاً على تخفيف حدة التوترات وسط تزايد عدم الاستقرار في الأسواق العالمية ومناطق التوتر الأمني الإقليمية.
بالنسبة للولايات المتحدة، فقد حققت القمة عدة أهداف. أولاً، كان الهدف الأساسي لواشنطن هو منع التصعيد غير المنضبط في العلاقة المتوترة بالفعل بين البلدين؛ بسبب النزاعات حول الرسوم الجمركية، والقيود التكنولوجية، وتايوان، والنفوذ الاستراتيجي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وثانياً، سعت الولايات المتحدة إلى طمأنة الأسواق المالية والمستثمرين العالميين بأن المنافسة مع الصين ستظل تحت السيطرة ولن تكون كارثية. وثالثاً، بدت الإدارة الأمريكية عازمة على الحفاظ على قنوات الاتصال في الوقت الذي تُنذر فيه الأزمات الدولية المتعددة -بما في ذلك التوترات المتعلقة بإيران وأوكرانيا والأمن البحري- بالتصعيد المتزامن.
وعلى الرغم أن الولايات المتحدة قد حققت الاستقرار التكتيكي الذي كانت تسعى إليه؛ فإن الصين ربما نجحت في تأمين مكاسب استراتيجية أكثر أهمية. فقد نجحت بكين في إظهار صورة التكافؤ مع واشنطن؛ إذ عززت رمزية زيارة الرئيس الأمريكي للصين، وانخراطه في مباحثات مطولة رفيعة المستوى مع نظيره الصيني، وتأكيده التعاون؛ هدف الصين طويل الأمد المتمثل في الاعتراف بها كقوة عالمية مساوية لواشنطن.
وعلى القدر نفسه من الأهمية كانت قدرة الصين على تقديم نفسها باعتبارها جهة دولية فاعلة مسؤولة تدعو إلى الحوار والاستقرار، حتى مع حفاظها على مواقفها الثابتة بشأن تايوان، وسياسة التكنولوجيا، والأمن الإقليمي. وفي كثير من النواحي؛ خرجت بكين من القمة وهي واثقة وصبورة ومرتاحة بشكل متزايد في ممارسة نفوذها الدبلوماسي على نطاق عالمي.
لقد سلطت القمة الضوء أيضاً على حدود التعاون بين الولايات المتحدة والصين. ولم يتم حل أي من النزاعات الهيكلية الأساسية بين البلدين، ويظل الاختلاف الضمني في المصالح واسع النطاق. فمن ناحية، ستظل واشنطن تنظر إلى الصين باعتبارها منافسها الاستراتيجي الرئيسي على المدى الطويل، ومن ناحية أخرى، ستظل بكين عازمة على تقليل اعتمادها على التكنولوجيا الغربية وإعادة تشكيل المؤسسات الدولية لتعكس مصالحها ومصالح العالم النامي بشكل أفضل.
توافق استراتيجي:
وفي حين عكست القمة الأمريكية الصينية التعايش التنافسي بين القوتين، كشفت القمة الروسية الصينية عن ديناميكية مختلفة تماماً وهي: ديناميكية التوافق الاستراتيجي. فبالرغم من عدم التماثل. كانت زيارة الرئيس فلاديمير بوتين إلى بكين تحمل قيمة رمزية كبيرة بالنسبة لموسكو. ففي الوقت الذي ما زالت فيه روسيا خاضعة لعقوبات غربية شديدة ومواجهة لعزلة استراتيجية عن معظم أنحاء أوروبا؛ جاء الدفء العام الذي أبدته الصين ليمنح موسكو شرعية سياسية وطمأنينة اقتصادية. وأكدت القمة من جديد الشراكة الوثيقة بين البلدين في مجالات الطاقة والتجارة والتنسيق الدفاعي ومعارضة ما تصفه الحكومتان بالأحادية الغربية.
واستفادت موسكو أيضاً من مظاهر التعامل معها باعتبارها فاعلاً عالمياً رئيسياً على الرغم من سنوات من الجهود الغربية لإضعافها وتهميشها دبلوماسياً. فقد سمح توقيت الزيارة، والذي جاء بعد القمة الأمريكية مباشرة، لموسكو بتصوير نفسها كجزء من قوة بديلة تتحدى الهيمنة الغربية.
ولكن تحت خطاب الشراكة هذا، أصبح عدم التوازن في العلاقة بين البلدين واضحاً بشكل متزايد؛ حيث إن الصين باتت تمتلك اليوم نفوذاً اقتصادياً وعالمياً وقدرة تكنولوجية أعظم بكثير من روسيا. صحيح أن موسكو تتمتع بأصول استراتيجية مميزة، بما في ذلك القدرات العسكرية وموارد الطاقة والنفوذ الجيوسياسي؛ ولكنها في الوقت نفسه تعتمد بشكل متزايد على الأسواق، والاستثمارات، والغطاء الدبلوماسي الصيني.
ولعل أوضح مثال على عدم التوازن في العلاقات هو استمرار عدم القدرة على الانتهاء من اتفاقيات الطاقة الكبرى طويلة الأجل بين موسكو وبكين، مثل خط أنابيب “قوة سيبيريا 2” المقترح. وقد أوضحت الصين أنها رغم تقديرها للتنسيق الاستراتيجي مع روسيا؛ فإنها غير راغبة في إخضاع مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية الأوسع للأولويات الروسية.
ومن المرجح أن يتعمق هذا التباين في المصالح/العلاقات بمرور الوقت. أما الآن؛ فإن روسيا تعمل باعتبارها شريكاً استراتيجياً بالغ الأهمية للصين وإن كان صغير الحجم؛ في حين تحاول الصين بعناية أن تحافظ على مرونتها في التعامل في وقت واحد مع أوروبا والولايات المتحدة والجنوب العالمي وموسكو.
الاضطراب المدار:
بقراءة القمتين معاً، تتكشف لنا العديد من السمات الهامة للوسط الدولي الناشئ:
أولاً، تحتل الصين الآن مكانة محورية فريدة من نوعها، تجعلها تتعامل مع الولايات المتحدة كنِدٍّ مساوٍ، وتتعامل مع روسيا كشريك ذي قيمة ولكنه تابع؛ فهذا النوع المزدوج من المواقف يعطي لبكين الفرصة لتعظيم نفوذها عبر جبهات جيوسياسية متعددة في وقت واحد.
ثانياً، أظهرت هذه القمة أن العالم لم يعد يدور حول مركز قوة واحد مهيمن، فبدلاً من ذلك؛ يتجه النظام الدولي اليوم نحو بنية أكثر مرونة، وانتشار يتميز بتعدد الجهات الفاعلة الرئيسية، وتداخل التحالفات، والتعاون الانتقائي.
ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بين هذا النظام الجديد وبين نظام مستقر متعدد الأقطاب. فخلافاً للثنائية القطبية التي كان ممكناً التنبؤ بها نسبياً أثناء الحرب الباردة؛ فإن نظام اليوم يتسم بعدم اليقين، ودبلوماسية المعاملات، وتغير التحالفات؛ حيث تتعاون القوى الكبرى في بعض المجالات بينما تتنافس بشدة في أخرى، ويوجد الترابط الاقتصادي بجانب الانفصال التكنولوجي، وتأتي المشاركة الدبلوماسية جنباً إلى جنب مع الردع العسكري.
بهذا المعنى، قد يكون العالم متجهاً نحو حالة من الاضطراب المُدار أكثر من كونه متجهاً نحو “نظام جديد” متماسك. وتتجلى التداعيات الجيوسياسية لهذا الاضطراب بالفعل في العديد من المناطق. فعلى سبيل المثال، في أوروبا، لا تزال الحرب في أوكرانيا والتوترات الأوسع نطاقاً مع روسيا تضغط على تماسك حلف الناتو وتُجبر الدول الأوروبية على إعادة تقييم تبعياتها الأمنية والاقتصادية. وفي آسيا، ما تزال المخاوف بشأن تايوان والتنافس البحري في بحر الصين الجنوبي من أبرز نقاط التوتر بين واشنطن وبكين. وفي الشرق الأوسط، تسعى القوى الإقليمية بشكل متزايد إلى إقامة شراكات متنوعة مع الولايات المتحدة والصين وروسيا في آن واحد؛ مما يعكس الاتجاه بتوسع نحو التحوط الاستراتيجي.
في الواقع، قد يكون من أبرز نتائج القمتين الأمريكية والروسية في بكين؛ تسريع وتيرة الاتجاه نحو سياسة “التحالفات المتعددة” بين القوى المتوسطة. فدول الخليج وجنوب شرق آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية تُقاوم بشكل متزايد الانحياز الحصري لأي كتلة واحدة، وتسعى بدلاً من ذلك لتعظيم الفرص الاقتصادية والشراكات الأمنية والمرونة الدبلوماسية من خلال الانخراط مع قوى كبرى متعددة في آن واحد. ونرى أن نتيجة الاتجاه نحو هذه السياسة يُضعف هياكل التحالفات الجامدة التي ميزت العصور السابقة، ويُسهم في إنشاء بيئة عالمية أكثر لا مركزية.
تفكك تدريجي للعولمة:
وعلى الصعيد الاقتصادي، سلطت القمتان الضوء على التفكك التدريجي للعولمة. ورغم أنه لا يبدو أن أي قوة كبرى مستعدة لتبني الانفصال الاقتصادي الكامل؛ فإن الاقتصاد العالمي آخذ في الانقسام على نحو متزايد إلى أنظمة متداخلة جزئياً. فتستمر الولايات المتحدة وحلفاؤها في الهيمنة على التمويل المتقدم والتكنولوجيا المتطورة والتحالفات الأمنية. وفي المقابل، تعمل الصين على تعزيز دورها كمركز محوري للتصنيع والاستثمار في البنية التحتية وتكامل سلاسل التوريد في معظم أنحاء العالم النامي. وتظل روسيا مصدراً مهماً للطاقة والموارد، وخاصةً بالنسبة للدول التي تبحث عن بدائل للأسواق التي يسيطر عليها الغرب. والنتيجة ليست انهيار العولمة، بل تحولها إلى نظام أكثر انقساماً سياسياً، وأكثر تنافساً استراتيجياً.
على المدى القصير، قد تسهم قمتا بكين في تحقيق استقرار محدود. فالأسواق في العموم تستجيب بشكل إيجابي لمؤشرات الحوار بين القوى العظمى، وخاصة بين الولايات المتحدة والصين. فتقليل المخاوف من التصعيد الفوري من شأنه أن يساعد على استقرار تدفقات التجارة وأسواق الطاقة وثقة المستثمرين.
لكن على المدى المتوسط، من المرجح أن تشتد المنافسة الهيكلية. وستظل النزاعات المحورية التي تُشكّل السياسة الدولية -والتي تشمل الهيمنة التكنولوجية والتوازن العسكري وأمن الطاقة وسلاسل التوريد والذكاء الاصطناعي والنفوذ الإقليمي- دون حل على الإطلاق.
والأمر الأكثر أهمية هو أن قمتي بكين كشفتا أن القوى الكبرى باتت تقبل التعايش دون ثقة حقيقية. فهي تدرك مخاطر المواجهة المباشرة؛ ولكنها تظل غير راغبة في التنازل بشكل أساسي عن طموحاتها الاستراتيجية. وكنتيجة؛ فما يتبلور هو وسط دولي يتسم بأزمات متكررة، وتسويات مؤقتة، وتنافس مستمر.
وفي نهاية المطاف، ربما لن نتذكر قمتي بكين بسبب اتفاقيات محددة؛ بقدر ما سنتذكرهما بسبب ما رمزتا إليه وهو: بزوغ فجر عالم أصبحت فيه السلطة أكثر توزيعاً، والدبلوماسية أكثر معاملاتية، والقيادة العالمية أكثر إثارة للجدل من أي وقت مضى منذ نهاية الحرب الباردة؛ إذ تظل الولايات المتحدة القوة العالمية الشاملة الوحيدة؛ والصين هي المنافس الرئيسي الصاعد. وتحتفظ روسيا بقدرات عسكرية وجيوسياسية مُزعزعة للاستقرار على الرغم من ضعفها الاقتصادي النسبي، في حين تقوم القوى المتوسطة من حولهم بالمناورة باستقلالية متزايدة.
ويبقى من غير المؤكد ما إذا كان هذا النظام المتطور سيؤدي إلى نظام دولي أكثر توازناً أم إلى فترة أكثر خطورة من عدم الاستقرار الممتد، لكن ما هو واضح بالفعل هو أن عهد الهيمنة الغربية المطلقة قد انتهى، بينما يبقى شكل ما سيأتي بعد ذلك غير واضح المعالم.
” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.