بعد رحلة استمرت أكثر من عام من المناشدات وحملات التبرعات والمبادرات المجتمعية، وصل الطفل التركي ييت إلما (11 عاماً) إلى أبوظبي، حيث يستعد لتلقي علاج جيني متقدم لمرض دوشين لضعف العضلات في مدينة برجيل الطبية، بعد أن قادت جهود الآلاف من الداعمين داخل تركيا وخارجها عائلته إلى دولة الإمارات أملاً في منحه فرصة جديدة لمواجهة المرض.
وبينما تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم إلى منافسات كأس العالم، يخوض ييغيت اليوم المباراة الأهم في حياته، لكنها هذه المرة ليست على أرضية ملعب، بل داخل غرفة في المستشفى، حيث ينتظر تلقي علاج Elevidys، وهو علاج جيني مخصص للأطفال المصابين بمرض دوشين لضعف العضلات.
وعندما يتحدث ييت عن كرة القدم، تضيء ملامح وجهه، فمنذ ثلاث سنوات، أصبح الطفل القادم من مدينة قونية التركية مشجعاً وفياً لنادي بشكتاش، أحد أكثر أندية كرة القدم جماهيرية في تركيا، ويحرص دائماً عند الحديث عن فريقه المفضل على أداء “إشارة النسر” الشهيرة، فيعقد ذراعيه على صدره ويشكل بيديه جناحين، وهي الحركة التي يشتهر بها مشجعو النادي، ولا يقتصر شغفه على بشكتاش، بل يعشق أيضاً النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي، ويحلم بأن يلعب كرة القدم مع أصدقائه، ويركب دراجته الهوائية، ويشجع فريقه من المدرجات، إلا أن تلك الأحلام أصبحت مهددة بعد إصابته بمرض دوشين لضعف العضلات DMD))، وهو مرض وراثي نادر يؤدي إلى ضعف العضلات بشكل تدريجي.
ويصيب هذا المرض نحو طفل واحد من بين كل 3500 إلى 5000 مولود ذكر حول العالم، ورغم أن الأطفال المصابين به قد يبدأون حياتهم وهم يمشون ويلعبون بصورة طبيعية، فإن أنشطة مثل الجري وصعود الدرج والوقوف تصبح أكثر صعوبة مع مرور الوقت، ومع غياب الرعاية المناسبة قد يفقد كثير منهم القدرة على المشي، قبل أن تظهر لاحقاً مضاعفات تؤثر في الجهازين التنفسي والقلب.
بداية رحلة المرض
بدأت أولى علامات المرض بالظهور عندما كان الطفل ييت في الخامسة من عمره، بعدما لاحظ والداه، رابيا وإسماعيل إلما، وجود تورم في ساقيه، وبعد سلسلة من الفحوصات الطبية، تأكدت إصابته بمرض دوشين لضعف العضلات، وأبلغت الأسرة في ذلك الوقت بأنه لا يوجد علاج شافٍ للمرض، ومع مرور السنوات، علمت العائلة بتوفر علاج Elevidys الجيني في دولة الإمارات، وهو علاج يُعطى لمرة واحدة، إلا أن تكلفته البالغة نحو 8.2 مليون دولار أمريكي كانت تفوق بكثير قدرة الأسرة على تحمله، لتبدأ بعدها رحلة مختلفة عنوانها الأمل.
حملة تضامن صنعت الأمل
كانت الأمنية الوحيدة لوالدة الطفل ييت، السيدة رابيا، أن ترى ابنها يحقق أحلامه، وسرعان ما لاقت قصته اهتماماً واسعاً في وسائل الإعلام التركية، قبل أن تنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي وتتحول إلى حملة تضامن مجتمعية واسعة، وانطلقت حملة التبرعات من مدينة قونية بعد الحصول على الموافقات الرسمية في تركيا، وشارك فيها مسؤولون محليون، ومؤسسات مجتمع مدني، ورجال أعمال، وأندية رياضية، إلى جانب آلاف المتطوعين والداعمين، وشهدت الحملة تنظيم مباريات لكرة القدم دعماً لييت، إضافة إلى مزاد على سيارة تم التبرع بها، وبطولات للكرة الطائرة، وموائد إفطار رمضانية، ومبادرات مجتمعية متنوعة، أسهمت جميعها في استمرار حملة جمع التبرعات، وامتد الدعم إلى خارج تركيا، حيث ساهمت Winners في ربط الأسرة بمدينة برجيل الطبية، فيما دعمت Manzil الترتيبات الخاصة بجمع التبرعات المتعلقة بتكاليف العلاج داخل دولة الإمارات، لتتحول فرصة علاجية بدت يوماً بعيدة المنال إلى رحلة أوصلت ييغيت اليوم إلى أبوظبي.
وقال إسماعيل إلما، والد الطفل ييت: “لقد وقف المجتمع وبلدنا إلى جانبنا طوال هذه الرحلة، إن هذا العلاج، والإمكانات التي تمتلكها مدينة برجيل الطبية لدعم الأطفال مثل ييغيت، يمنحان الأمل لكثير من العائلات التي تواجه ظروفاً مشابهة، ونأمل أن تتحسن حالة ابننا مع هذا العلاج، ليتمكن من ملاحقة أحلامه.”
فريق طبي متعدد التخصصات
وفي مدينة برجيل الطبية، خضع ييت لتقييم شامل من قبل فريق متعدد التخصصات بقيادة البروفيسور أيمن الحطاب، استشاري أمراض الجينات والوراثة ورئيس مركز الجينات والأمراض النادرة، وأحد الخبراء العالميين في مجال الأمراض الوراثية النادرة، وذلك للتأكد من جاهزيته لتلقي العلاج الجيني وفق أعلى المعايير الطبية، فيما أكدت الفحوصات الجينية جاهزية الطفل للبدء في العلاج.
وقال البروفيسور أيمن الحطاب: “يمثل العلاج الجيني تطوراً مهماً في رعاية الأطفال المصابين بمرض دوشين لضعف العضلات، إذ يهدف إلى إبطاء تطور المرض والحفاظ على الوظائف الحركية لأطول فترة ممكنة عندما يُعطى في الوقت المناسب، ويخضع كل مريض لتقييم دقيق وشامل قبل العلاج للتأكد من ملاءمته، بما في ذلك الفحوصات الجينية والمناعية اللازمة، لضمان تقديم العلاج بأعلى مستويات الأمان والرعاية.”
كما يشرف على متابعة حالة ييت البروفيسور خالد مسلم، رئيس مركز العلاج الخلوي والجيني وأمراض الدم في معهد برجيل للأورام بمدينة برجيل الطبية، والذي يقود الأبحاث الطبية في برجيل القابضة في مجال العلاج الجيني لمجموعة من الأمراض الوراثية النادرة.
وقال البروفيسور خالد مسلم: “رحلة الطفل ييت تعكس ما يمكن أن تحققه الشراكة بين التقدم العلمي والتكاتف المجتمعي، وفي برجيل، نعمل على توسيع الوصول إلى أحدث العلاجات الجينية للأطفال والمرضى الذين يعانون أمراضاً وراثية نادرة، من خلال بناء منظومة متكاملة تضم الخبرات الطبية والبنية التحتية المتخصصة والشراكات العالمية، بما يتيح تقديم هذه العلاجات المتقدمة داخل دولة الإمارات ويمنح المرضى وعائلاتهم أملاً جديداً.”
وأوضح الأطباء أن علاج Elevidys يعمل على مساعدة الجسم في إنتاج نسخة أقصر، لكنها فعالة، من بروتين الديستروفين، الذي تحتاجه العضلات للحفاظ على قوتها ووظيفتها، ورغم أن العلاج لا يستطيع عكس التلف العضلي الذي حدث بالفعل، فإنه يساعد على إبطاء فقدان العضلات مستقبلاً، وهو ما يجعل التدخل المبكر عاملاً أساسياً، خصوصاً لدى الأطفال الذين لا يزالون قادرين على المشي، وقبل إعطاء العلاج، يخضع المرضى لفحوصات متخصصة للكشف عن وجود أجسام مضادة قد تمنع وصول العلاج بأمان إلى الجسم، وقد أظهرت نتائج الفحوصات التي خضع لها ييت عدم وجود هذه الأجسام المضادة، ما جعله مؤهلاً للحصول على العلاج.
ويمثل وصول الطفل ييت إلى أبوظبي تتويجاً لعام كامل من الجهود التي شارك فيها آلاف الأشخاص داخل تركيا وخارجها، بعدما تحولت قصة طفل يحلم بالركض خلف كرة القدم إلى حملة إنسانية جمعت أفراد المجتمع ومؤسساته حول هدف واحد، وهو منحه فرصة للعلاج.
أما بالنسبة لييت، فإن رحلته إلى أبوظبي لا تمثل نهاية الطريق، بل بداية فصل جديد من حياته، فكل ما يتمناه هو أن يعود يوماً إلى ملعب الحي ليلعب كرة القدم مع أصدقائه، وأن يستقل دراجته الهوائية من جديد، وأن يقف في مدرجات بشكتاش يهتف لفريقه المفضل بكل حماس.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.