بقلم: يوسف عبدالله الجنيبي
Yjunaibi@hotmail.com
لا أحد يرى مستقبله وهو يتشكل، لأن المستقبل لا يُصنع أمام أعيننا، بل في تفاصيل الأيام العادية. لا يحدث ذلك في لحظة واحدة، ولا في قرار مفاجئ، بل في تفاصيل صغيرة تتكرر كل يوم. ساعة تقضيها في التعلم عندما كان بإمكانك أن تؤجل، مهمة تنجزها بإتقان عندما كان يكفي أن تنهيها بسرعة، أو قرار بسيط بأن تركز بينما كان من السهل أن تنشغل. في تلك اللحظات الهادئة، التي لا يلاحظها أحد، يبدأ مستقبلك بالتكون. الوقت لا يعلن أثره فوراً، لكنه لا يضيع شيئاً مما تعطيه له بصدق.
ولهذا يبدأ الفرق مبكراً، منذ سنوات الدراسة الأولى. الطالب الذي يحترم وقته، ويتعلم بجد، لا يشعر أنه يفعل شيئاً استثنائياً، لكنه في الحقيقة يضع الأساس الذي سيقف عليه لاحقاً. كل معلومة يفهمها، وكل مهارة يطورها، تصبح جزءاً من شخصيته المهنية القادمة. وعندما ينتقل إلى بداية حياته العملية، يستمر نفس المبدأ. الموظف الذي يركز على التعلم، وعلى إتقان عمله، وعلى فهم مسؤوليته، لا يبني فقط سمعته في العمل، بل يبني مستقبله خطوة بخطوة. النجاح لا يأتي فجأة، بل يتشكل بهدوء، من خلال الالتزام اليومي الذي لا يراه أحد.
هذا ما فهمه جيف بيزوس عندما اتخذ قراره بترك وظيفته المستقرة عام 1994. لم يكن القرار سهلاً، ولم يكن المستقبل مضموناً. كان يملك وظيفة آمنة، لكن كان لديه وضوح أكبر فيما يريد أن يبنيه. بدأ مشروعه من مرآب صغير، دون إمكانيات كبيرة، ودون فريق ضخم. كل ما كان يملكه هو فكرة، والتزام يومي بالعمل عليها. لم يكن النجاح سريعاً، ولم تكن الطريق واضحة في كل يوم، لكنه استمر، يركز، ويتقدم، ويحسن ما يبنيه. ومع مرور السنوات، لم يعد مشروعه مجرد فكرة صغيرة، بل أصبح شركة أمازون، واحدة من أكثر الشركات تأثيراً في العالم. لم يكن ذلك نتيجة لحظة حظ، بل نتيجة التزام طويل، واحترام عميق لكل يوم عمل.
ونفس الحقيقة تتجسد في قصة البطل المصري بيغ رامي، واسمه الحقيقي ممدوح السبيعي. لم يبدأ بطلاً، ولم تكن الأضواء مسلطة عليه. بدأ كفاحه بشكل عادي، لكن كان لديه هدف واضح، والتزم به. كان التدريب شاقاً ومتكرراً، وأحياناً بلا نتائج فورية. لم يكن كل يوم ممتعاً، لكن كل يوم كان ضرورياً. استمر، والتزم، وصبر، حتى أصبح بطلاً للعالم، وفاز بلقب مستر أولمبيا. لحظة الفوز التي شاهدها العالم لم تكن البداية، بل كانت نتيجة سنوات من المثابرة في الأيام التي لم يكن فيها أحد يراقب.
هذه القاعدة لا تخص المشاهير فقط، بل نراها في حياتنا اليومية، وفي مجتمعنا هنا في دولة الإمارات. هناك شباب بدأوا مسيرتهم مثل غيرهم، دون امتيازات استثنائية، لكنهم امتلكوا وضوحاً في أولوياتهم. لم ينتظروا الفرص، بل استعدوا لها. استثمروا وقتهم في التعلم، وفي تطوير مهاراتهم، وفي إتقان عملهم. ومع مرور الوقت، أصبحوا جزءاً من مشاريع وطنية كبيرة، لأنهم كانوا مستعدين عندما جاءت اللحظة المناسبة. الفرص لا تغير حياة الناس، لكن الاستعداد هو الذي يجعل الإنسان قادراً على الاستفادة منها.
ويظهر هذا المبدأ بوضوح أكبر داخل بيئة العمل نفسها. هناك من يركز على الإنجاز، وهناك من ينشغل دون أن يتقدم. الموظف الذي يلتزم بعمله، ويتقنه، ويدعم فريقه، يصبح مع الوقت عنصراً أساسياً. لا يعني ذلك أن العمل يجب أن يكون خالياً من لحظات المرح الإنسانية، لكن الإنجاز يبقى هو الأساس. الفريق القوي لا يُبنى على كثرة الحديث، بل على وضوح المسؤولية، وعلى أفراد يحترمون وقتهم ووقت فريقهم. عندما يلتزم كل فرد بدوره، يصبح نجاح الفريق نتيجة طبيعية.
ويمتد هذا الالتزام إلى حياة الإنسان كلها. عندما يكون لكل شيء وقته، يصبح لكل شيء قيمته. النوم بانتظام، والجلوس مع العائلة بحضور حقيقي، وأداء العبادات بطمأنينة. هذا التوازن لا يأتي من محاولة فعل كل شيء في نفس الوقت، بل من فهم أن لكل جانب من الحياة وقته. الذين يعيشون بهذه الطريقة لا يعيشون تحت ضغط أكبر، بل يعيشون بوضوح أكبر، لأنهم يعرفون أن كل شيء في حياتهم يسير في مكانه الصحيح.
في النهاية، لا يصنع مستقبلك ما تفكر به فقط، بل ما تلتزم به كل يوم. القرارات الصغيرة التي تتخذها اليوم، والطريقة التي تستخدم بها وقتك الآن، هي التي ستحدد المكان الذي ستصل إليه لاحقاً. الوقت يمر بالجميع، لكن الذين يلتزمون، ويتقدمون خطوة بعد خطوة، هم الذين يجدون أنفسهم بعد سنوات في المكان الذي كانوا يبنونه منذ البداية، بصمت، ومثابرة، وتصميم، وبالتزام لا يتوقف. فكن منهم ومعهم في الصفوف الأولى والريادة.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.