محمد بن زايد.. كلمات قيادية تصنع الثقة

مقالات
محمد بن زايد.. كلمات قيادية تصنع الثقة

كتب/ أحمد سعيد العلوي

في مدرسة القيادة السياسية هناك دائما فارق واضح بين خطاب الخوف وخطاب الثقة، فالأول يعتمد على التهويل واستدعاء القلق، أما الثاني فيستند إلى الطمأنينة وإعادة ضبط الإيقاع النفسي للمجتمع.

والقيادة التي تعرف شعبها جيدا تدرك أن المجتمع لا يحتاج دائماً إلى خطب طويلة، بل يحتاج أحياناً إلى كلمة صادقة تقال في وقتها المناسب، كلمة تعيد تثبيت البوصلة الوطنية.

وخلال مسيرة دولة الإمارات في العقد الأخير يمكن التوقف عند ثلاث عبارات قصيرة قالها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة “حفظه الله” في ثلاث لحظات متباعدة زمنيا، لكنها متشابهة في طبيعتها حيث لحظات التوتر والاختبار، ثلاث جمل فقط، لكنها كانت كافية لتثبيت معادلة واضحة قوامها دولة واثقة ومجتمع متماسك وقيادة تعرف متى تتكلم وماذا تفعل.

اللافت أن هذه العبارات الثلاث لم تأت في سياق واحد، بل في ثلاث أزمات مختلفة الطبيعة؛ الأولى أزمة سياسية إقليمية، والثانية أزمة صحية عالمية، والأخيرة أزمة جيوسياسية عسكرية. ومع ذلك حملت الرسالة ذاتها، وهي تثبيت الثقة وتحصين الجبهة الداخلية ونشر الطمأنينة.

“البيت متوحد”، “لا تشلون هم”، “الإمارات بخير لحمها غليظ لا يؤكل”، ثلاث عبارات أُطلقت في مناسبات مختلفة، لكنها تحوّلت مع مرور الوقت إلى ما يشبه الذاكرة السياسية للإمارات، لأنها لم تُقل في لحظات الاحتفال أو الإنجاز الاقتصادي، بل في لحظات الاختبار وهنا يظهر الفارق الحقيقي بين قيادة تدير النجاح وقيادة تعرف كيف تدير الأزمات.

فمنذ عام 2011 عبرت المنطقة العربية مرحلة شديدة الاضطراب، سقطت فيها دول وتصدعت أخرى، بينما كانت خرائط النفوذ تعاد صياغتها وسط صراعات حادة ومشروعات أيديولوجية عابرة للحدود، وفي خضم تلك التحولات العاصفة، كانت دولة الإمارات تبني نموذجا مختلفا يقوم على الاستقرار والتنمية وتحصين الدولة الوطنية.

في عام 2012، حين كانت ارتدادات ما يسمى “الربيع العربي” تضرب المنطقة، وكانت جماعات الفوضى السياسية والإعلامية تحاول زعزعة استقرار الدول خرجت العبارة التي تحولت لاحقا إلى شعار وطني جامع “البيت متوحد”.

لم تكن تلك الجملة مجرد رسالة طمأنة للداخل، بل كانت أيضا رسالة ردع سياسي واضحة لكل من توهم أن يد العبث يمكن أن تمتد إلى استقرار الإمارات، فقد أدرك صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان بحدسه الاستراتيجي أن الجبهة الداخلية هي خط الدفاع الأول، وأن تماسك المجتمع هو السد الحقيقي في مواجهة التنظيمات والأجندات العابرة للحدود.

وبعد ثمانية أعوام فقط واجه العالم اختبارا مختلفا تماما، ففي عام 2020 حبست البشرية أنفاسها أمام جائحة كورونا التي أربكت القوى العظمى وشلت اقتصادات كبرى، وفي خضم حالة القلق العالمية، خرجت عبارة قصيرة بلهجة إماراتية بسيطة لكنها عميقة الدلالة “لا تشلون هم”.

في تلك اللحظة لم يتحدث السياسي بقدر ما تحدث القائد الذي يدرك أن إدارة الأزمات تبدأ بإدارة شعور الناس، لقد نقلت تلك العبارة المجتمع من حالة الفزع إلى حالة الثقة بالفعل، خصوصا مع الإجراءات السريعة التي اتخذتها الدولة في مجالات الصحة والأمن الغذائي وإدارة الموارد.

وبينما كانت دول تتصارع على شحنات الكمامات والمستلزمات الطبية كانت طائرات الإمارات تجوب العالم حاملة المساعدات الإنسانية في رسالة تؤكد أن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على حماية نفسها، بل أيضا بقدرتها على مساعدة الآخرين.

واليوم، في ظل حالة الغليان الجيوسياسي التي تعيشها المنطقة، ومع تصاعد التوترات والصراعات الإقليمية، تأتي العبارة الثالثة لتضع النقاط على الحروف “الإمارات بخير”.

ليست هذه الجملة مجرد توصيف لحالة اقتصادية أو اجتماعية، بل هي تعبير عن ثقة دولة بنت قوتها عبر سنوات من التخطيط والاستثمار في الإنسان والاقتصاد والأمن والتكنولوجيا والدبلوماسية، فالثقة التي تعبر عنها هذه الكلمات ليست خطاباً معنوياً فحسب، بل هي انعكاس لواقع ملموس صنعته سياسات طويلة المدى.

ربما يمكن وصف هذا النهج بما يمكن تسميته “سياسة الجملة الواحدة”، حيث تختصر القيادة رسائلها الكبرى في عبارات قصيرة لكنها مكثفة، قادرة على الانتشار السريع داخل المجتمع، والتحول إلى شعارات جامعة تعيد إنتاج الثقة في لحظات التوتر.

وهكذا تتحول الكلمات القليلة في لحظات الأزمات إلى جزء من الذاكرة السياسية للأمم ليس لأنها قيلت ببلاغة فقط، بل لأنها قيلت في اللحظة التي احتاجت فيها الدولة إلى صوت يختصر الطريق بين القلق والثقة.

وفي الحالة الإماراتية، تبدو هذه الكلمات تعبيرا عن معادلة واضحة تستند إلى قيادة تعرف شعبها جيدا وشعب يعرف قيادته، لتبقى الإمارات ماضية نحو مستقبلها، لأن في “البيت” حكيما يعرف كيف يقرأ التاريخ ليصنع المستقبل، إنها باختصار قصة وطن.

 


اترك تعليقاً