مؤشر المعرفة العالمي… أداة لقياس التقدم وصناعة المستقبل
يُعد مؤشر المعرفة العالمي أداة لقياس مستوى المعرفة في أي دولة، ويستند إلى إطار نظري يسمح بتقديم قياس موضوعي للجوانب المرتبطة بالمعرفة. وقد تم تطوير هذا المؤشر بالتعاون بين مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. ويُعد مؤشر المعرفة أول مؤشر عالمي يتم في العالم العربي. ويحسب لهذا المؤشر أنه تمكن – منذ انطلاقه في عام 2017- من أن يصبح المقياس الأكثر استخداماً في قياس أداء الدول بشكل مفصل في مجال المعرفة.
ويتكون المؤشر في نسخته الأخيرة (2025) من ستة مؤشرات فرعية هي: التعليم قبل الجامعي؛ التعليم التقني والتدريب المهني والتعليم العالي؛ البحث والتطوير والابتكار؛ تكنولوجيا المعلومات والاتصالات؛ الاقتصاد؛ البيئة والمجتمع والحوكمة (شكل 1). ويتشكل كل مؤشر فرعي من ثلاثة محاور، ويتشكل كل محور من 2 إلى 3 محاور فرعية لتمثل 40 محوراً فرعياً، ويتم قياس كل محور فرعي بواسطة عدد من المتغيرات تتراوح بين متغيرين إلى 5 متغيرات ليصل إجمالي عدد المتغيرات إلى 115 متغيراً (كما هو مبين في جدول 1). ويقدم مؤشر المعرفة العالمي من خلال هذا القياس المتكامل لأبعاد المعرفة منظوراً متكاملاً يفيد في صياغة ومراجعة السياسات العامة لمجتمع المعرفة.
الإمارات على خريطة المعرفة العالمية:
بلغت قيمة مؤشر المعرفة في دولة الإمارات العربية المتحدة 55.2 نقطة في عام 2025، ولتقييم هذه القيمة يمكن مقارنتها بقيمة المؤشر في دول أخرى، وقد بلغت أعلى قيمة أخذها هذا المؤشر 67.8 نقطة في سويسرا، في حين بلغت أقل قيمة 16.4 نقطة في تشاد؛ أي إن قيمة المؤشر في دولة الإمارات العربية المتحدة تقل عن أعلى دولة بـ12.6 نقطة مئوية؛ وهو ما يضعها في الترتيب 26 من أصل 195 دولة، ويضعها في المرتبة الأولى بين الدول العربية. وعند مقارنة متوسط قيمة المؤشر عبر الأقاليم الجيوسياسية في العالم نجد أن قيمة المؤشر في دولة الإمارات العربية المتحدة تكاد تماثل متوسط أعلى منطقة في العالم وهي مجموعة دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (55.9 نقطة).
وبمقارنة قيمة المؤشرات الفرعية الستة في دولة الإمارات العربية المتحدة بقيمتها في أعلى دول العالم، نجد أنها تتقارب بدرجات متفاوتة. وتصل درجة التقارب إلى أقصاها في المؤشر الفرعي الخاص بتكنولوجيا المعلومات وتقع الإمارات في المركز الخامس على مستوى العالم في هذا المؤشر، ويلي ذلك المؤشر الفرعي الخاص بالاقتصاد وتقع الإمارات في المركز الثالث عشر على مستوى العالم به، (والمؤشران تتصدرهما سنغافورة). ويلي ذلك المؤشران الخاصان بالتعليم وهما المؤشر الفرعي الخاص بالتعليم قبل الجامعي والذي تتصدره كوريا، والمؤشر الفرعي الخاص بالتعليم التقني والتدريب المهني والتعليم العالي والذي تتصدره سويسرا، وتقع الإمارات في المركز الثاني والثلاثين والثالث والثلاثين على مستوى العالم في هذين المؤشرين. ويعقب ذلك المؤشر الفرعي الخاص بالبحث والتطوير والابتكار والذي تتصدره سويسرا وتقع الإمارات في المركز الخامس والثلاثين عالمياً به. ويأتي في النهاية المؤشر الفرعي الخاص بالبيئة والمجتمع والحوكمة والذي تتصدره السويد وتأتي الإمارات فيه بالمركز السابع والأربعين على مستوى العالم.
وتفيد هذه المقارنات في رسم السياسات المستقبلية ذات الصلة بمجتمع المعرفة وتحديد أولويات العمل لتحقيق هدفين على التوازي، أولهما يكمن في الحفاظ على الريادة في مجال المعرفة (ولا سيما مجال تكنولوجيا المعلومات الذي تشغل فيه دولة الإمارات موقعاً متميزاً)، وثانيهما المضي قدماً في تحقيق تقدم من أجل تجسير الفجوة القائمة في بعض المجالات (ولا سيما البيئة والمجتمع والحوكمة والذي تشغل فيه الإمارات موقعاً متوسطاً بين دول العالم).
قراءة متعمقة في المؤشرات الفرعية ومحاور المعرفة في دولة الإمارات:
يعرض جدول 2 قيمة وترتيب المؤشرات الفرعية للمعرفة والمحاور الخاصة بكل مؤشر فرعي. وفيما يتعلق بالتعليم قبل الجامعي والذي يتكون من ثلاثة محاور، يأتي محور بيئة التعلم في المقدمة حيث تشغل الإمارات فيه المركز الثاني عالمياً، ويأتي محور الوصول والإتاحة في المركز الرابع والثلاثين ومحور النتائج في المركز الثالث والسبعين. أما بالنسبة للتعليم التقني والتدريب المهني والتعليم العالي والذي يتكون من نفس المحاور الثلاثة، فيختلف ترتيب الإمارات، حيث تشغل المركز الحادي عشر عالمياً في محور النتائج بينما تتراجع في محور بيئة التعلم للمركز الثالث والستين، وفي محور الوصول والإتاحة إلى المركز الثالث والسبعين. والاختلاف في الأداء النسبي بين محاور التعليم قبل الجامعي من جهة ومحاور التعليم التقني والتدريب المهني والتعليم العالي من جهة أخرى؛ يستوجب تحليلاً أكثر تفصيلاً للمسببات وللحلول المتعلقة بقطاع التعليم في الدولة.
أما بالنسبة للمؤشر الفرعي للبحث والتطوير والابتكار والذي يتكون من ثلاثة محاور فيتقارب الأداء بين محاوره الثلاثة (الترتيب يتراوح بين 27 و36). وفيما يتعلق بالمؤشر الفرعي لتكنولوجيا المعلومات، فتشير المحاور إلى وضع متميز لدولة الإمارات، حيث تبوأت المركز الثاني عالمياً في محور الاتصال، والثالث عشر في محور التمكين والثاني والعشرين في محور التأثير. وكان أداء الإمارات في المؤشر الفرعي للاقتصاد مميزاً في محور المخرجات؛ إذ جاءت الأولى عالمياً في هذا المحور، بينما جاءت في المركز العشرين في محور المدخلات، وفي المركز الأربعين في محور التأثير. أما المؤشر الفرعي الأخير وهو البيئة والمجتمع والحوكمة، فجاء ترتيب الإمارات 47 بين دول العالم في محور الصمود الاجتماعي، و57 في محور الحوكمة الرشيدة، و132 في محور الأداء البيئي.
خاتمة:
مؤشر المعرفة العالمي، والذي جاء نتاج تعاون بين مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي؛ اكتسب عبر السنوات الماضية قدراً كبيراً من المصداقية والتأثير في مجال حيوي يرتبط بمستقبل العالم، ويمكن إرجاع ذلك إلى الالتزام بعوامل نجاح حرجة نذكر منها ما يلي:
1) التراكم والاستمرارية: استند المؤشر إلى تراكم معرفي بدأ منذ عشر سنوات، تدرج من إرساء فكرة مؤتمر عالمي أطلق عليه “قمة المعرفة” انتهاءً بإطلاق مؤشر عالمي مروراً بإصدار نسخ تجريبية خضعت لنقاشات من الخبراء، وأدت في النهاية إلى إصدار منتج متميز.
2) المساندة السياسية: استفاد المؤشر من مساندة القيادة السياسية لدولة الإمارات العربية المتحدة، كما حظي بمساندة من قيادات دول متعددة تتجلى في مستوى التمثيل السياسي والأكاديمي الرفيع في مؤتمرات قمة المعرفة المتتالية.
3) الشراكة الذكية: جاءت الشراكة بين مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي؛ لتعكس صورة جيدة لتكامل الجهود بين مؤسسة وطنية رائدة ومؤسسة دولية عريقة لكل منهما خبرة ثرية في مجالات متنوعة، وتجلت هذه الشراكة في توظيف الفكر المتراكم لدى مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم في مجالات المعرفة مع الفكر المتراكم لدى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في مجال القياس وصناعة المؤشرات التنموية، وجاء مؤشر المعرفة العالمي نتاجاً لهذه الشراكة الذكية.
4) التأصيل النظري المتعمق والاعتماد على القرائن: تميز مؤشر المعرفة العالمي بقوة الإطار النظري الذي استند إليه، والذي يعتمد على ستة مؤشرات فرعية وثمانية عشر محوراً وأربعين محوراً فرعياً يتم قياسها بواسطة 115 متغيراً. ويغطي المؤشر في نسخته الأخيرة 195 دولة من دول العالم، ولا شك أن جمع هذا الكم من البيانات وتنقيحها والتأكد من تطابق التعريفات المستخدمة ومعايرة أساليب القياس هو عملية شاقة قد لا يدركها بالضرورة كل من يستخدم هذا المؤشر، ولكن يقدرها بالتأكيد كل المتخصصين في صناعة المؤشرات الدولية.
5) التجديد المستمر ومواكبة التحولات العالمية: إحدى الإشكاليات التي تواجه صناعة المؤشرات الدولية هي الاحتفاظ بالمنهجية وبتكوين المؤشر المركب، وعدم إدخال أية تحسينات على المنهجية أو التوسع في المتغيرات التي يتم تضمينها في المؤشر المركب، حتى لو كانت هذه التحسينات والإضافات لها ما يبررها، وذلك حتى يتسنى عقد المقارنات عبر الزمن. وفي المقابل، فإن إجراء تحسينات على المنهجية وتغيير مكونات المؤشر المركب بشكل مستمر، له مبررات علمية، ولكنه يربك مستخدمي المؤشر ويحرم الدول من عقد المقارنات الزمنية التي تسمح لها بتقييم السياسات القطرية وتتيح إعادة رسم الأولويات وتخصيص الموارد. وقد انتهج الفريق البحثي المسؤول عن إعداد المؤشر منهجاً وسطياً تمثل في إعادة النظر في مكونات المؤشر من خلال فريق بحثي عالمي، مع تحكيم ما انتهى إليه من تعديلات بواسطة فريق كبير من المتخصصين، كما ينوي الفريق المسؤول عن المؤشر إعادة تقدير قيمة المؤشر للسنوات الماضية؛ وهو ما يسمح للحكومات بعقد المقارنات عبر الزمن وتقييم أدائها؛ ومن ثم إعادة رسم سياساتها في مجال المعرفة، وإعادة النظر في أولوياتها وتخصيص الموارد المناسبة لتنفيذ البرامج والمشروعات للارتقاء بمستوى المعرفة القطري.
ويمكن أن نعتبر الالتزام بهذه العناصر بمثابة وصفة مثالية لصناعة مؤشر ناجح.
” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.