كيف تعيد الاستدامة تشكيل مستقبل التطوير العقاري في الإمارات؟

فعاليات
كيف تعيد الاستدامة تشكيل مستقبل التطوير العقاري في الإمارات؟

 

محمد الصالح سقَان، الرئيس التنفيذي لشركة «أكسس كونسلت» – عضو مجموعة «إكسلنس كونسورتيوم»: مع تسارع دولة الإمارات نحو تحقيق مستهدفاتها الطموحة للحياد المناخي بحلول عام 2050، يشهد القطاع العقاري تحولاً جوهرياً في طريقة تصميم المشاريع وتطويرها وتشغيلها. ولم تعد الاستدامة مجرد عنصر إضافي أو ميزة تسويقية، بل أصبحت عاملاً أساسياً يؤثر في قيمة الأصول العقارية وقدرتها على المنافسة وجاذبيتها للمستثمرين على المدى الطويل.

وتُعد الإمارات أول دولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تعلن التزامها بتحقيق الحياد المناخي بحلول عام 2050، مدعومة بمجموعة من الاستراتيجيات والمبادرات الوطنية التي تشمل قطاعات الطاقة والنقل والبناء والصناعة. كما تسهم أطر العمل المحلية مثل نظام «استدامة» في أبوظبي ونظام «السعفات» في دبي في ترسيخ معايير أكثر تقدماً للاستدامة وكفاءة استخدام الموارد في المشاريع العقارية الجديدة.

ومع تطور السوق العقاري ونضجه، أصبح التركيز يتجاوز مرحلة الإنشاء ليشمل الأداء طويل الأمد للمباني. فالمطورون والمستثمرون ينظرون اليوم بشكل متزايد إلى التكاليف التشغيلية وكفاءة استهلاك الطاقة والمياه وجودة البيئة الداخلية، باعتبارها عوامل تؤثر بشكل مباشر في قيمة الأصول واستدامة العوائد الاستثمارية.

ويبدأ تحقيق هذه الأهداف من مرحلة التصميم واختيار المواد. ففي السابق، كانت القرارات المتعلقة بالمواد تعتمد بشكل أساسي على التكلفة والمظهر الجمالي، أما اليوم فأصبحت معايير مثل المتانة والكفاءة الحرارية والأثر البيئي وطول العمر التشغيلي عوامل رئيسية في عملية الاختيار. وتكتسب هذه الاعتبارات أهمية خاصة في منطقة الخليج، حيث تمثل أنظمة التبريد أحد أكبر مصادر استهلاك الطاقة في المباني. لذلك، تسهم الواجهات عالية الأداء والعوازل الحرارية المتطورة والزجاج الذكي في خفض استهلاك الطاقة وتحسين كفاءة المباني على المدى الطويل.

وفي الوقت نفسه، تلعب الأنظمة الهندسية والتقنيات الذكية دوراً محورياً في دعم أهداف الاستدامة. فأنظمة إدارة المباني والحلول الذكية لمراقبة استهلاك الطاقة والمياه تساعد على تحسين الأداء التشغيلي وتقليل الهدر، كما تتيح للملاك والمشغلين اتخاذ قرارات أكثر دقة استناداً إلى البيانات الفعلية.

كما أصبحت التقنيات الرقمية مثل النماذج الرقمية التوأمية (Digital Twins) ونمذجة الطاقة أدوات مهمة لتقييم أداء المباني قبل بدء أعمال البناء. وتساعد هذه الحلول على اختبار السيناريوهات المختلفة وتحسين كفاءة التصميم وتقليل الحاجة إلى التعديلات المكلفة في مراحل لاحقة من عمر المشروع. وبعد تشغيل المبنى، توفر أجهزة الاستشعار وإنترنت الأشياء وتحليلات الذكاء الاصطناعي رؤية مستمرة للأداء الفعلي، ما يسهم في تعزيز الكفاءة وتحقيق الأهداف البيئية بصورة أكثر فعالية.

لكن تحقيق الاستدامة لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل يتطلب أيضاً تعاوناً مبكراً بين جميع الأطراف المعنية بالمشروع، بما في ذلك المطورين والمهندسين المعماريين والاستشاريين والمقاولين. فكلما تم دمج معايير الاستدامة في المراحل الأولى من التخطيط والتصميم، زادت فرص تحقيق نتائج أفضل من حيث الكفاءة والأداء والتكلفة.

وبالنسبة للمطورين العقاريين، فإن التحول نحو الاستدامة يتطلب النظر إلى المشاريع من منظور دورة الحياة الكاملة للأصل العقاري، وليس فقط تكلفة الإنشاء. فغالبية التكاليف تتحقق خلال سنوات التشغيل والصيانة، ما يجعل الاستثمار في الكفاءة والاستدامة قراراً اقتصادياً طويل الأمد وليس مجرد التزام تنظيمي.

ومع استمرار الإمارات في ترسيخ مكانتها كإحدى الدول الرائدة عالمياً في مجال التنمية المستدامة، سيصبح نجاح المشاريع العقارية مرتبطاً بشكل متزايد بقدرتها على تحقيق التوازن بين الجودة والكفاءة البيئية والعائد الاستثماري. وفي هذا السياق، لن تكون الاستدامة خياراً إضافياً، بل معياراً أساسياً يحدد قيمة الأصول العقارية وقدرتها على مواكبة متطلبات المستقبل.


اترك تعليقاً