انقسام المعارضة: كيف يُعيد “الحزب الجديد” رسم الخريطة السياسية في تركيا؟
أطلق الرئيس السابق لحزب “الشعب الجمهوري” التركي، أوزغور أوزال، و90 نائباً منشقاً؛ حزباً سياسياً جديداً باسم “Yeni Parti”؛ أي “الحزب الجديد”، في مسعى لإعادة تنظيم صفوف المعارضة التركية قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة في 2028، وذلك بعد أن تعرض حزب “الشعب الجمهوري” لأزمة قانونية غير مسبوقة؛ أدت إلى عزل أوزال من رئاسة الحزب بقرار قضائي وإعادة رئيسه السابق، كمال كليتشدار أوغلو.
ورغم توقعات بأن يستقطب “الحزب الجديد” معظم ناخبي حزب “الشعب الجمهوري”؛ مما قد يشكل تحدياً جديداً للرئيس التركي، رجب طيب أردوغان؛ فإن اتساع الانقسام داخل أروقة المعارضة قد يصب في نهاية المطاف في مصلحة الرئيس ويعزز فرصه في تمديد بقائه في السلطة لولاية جديدة.
وتأسيساً على ذلك، يناقش هذا التقدير مدى قدرة الحزب الجديد بقيادة أوزغور أوزال على إعادة تشكيل الخريطة الحزبية في تركيا، وفرص نجاحه في المنافسة على السلطة واستقطاب أنصار الشعب الجمهوري، وانعكاس ذلك على مستقبل حزبي “العدالة والتنمية” و”الشعب الجمهوري”.
خلافات داخلية:
جاء إعلان أوزال عن تشكيل حزب سياسي جديد نتيجة لعدة مقدمات وتطورات متسارعة، منها:
- انقسامات داخلية: برزت الانقسامات داخل حزب “الشعب الجمهوري” بعد خسارة كمال كليتشدار أوغلو -رئيس حزب الشعب الجمهوري آنذاك- الانتخابات الرئاسية التي جرت في مايو 2023؛ أمام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. وفي وقت لاحق، قاد رئيس بلدية إسطنبول الموقوف، أكرم إمام أوغلو، الدعوات للتغيير داخل حزب “الشعب الجمهوري” ودعم ترشيح أوزال، الذي فاز حينها برئاسة الحزب في نوفمبر 2023، منهياً بذلك فترة حكم كليتشدار أوغلو، التي دامت 14 عاماً كزعيم للحزب.
- قرار قضائي بعودة كليتشدار أوغلو: برز الانقسام بشكل أكبر في صفوف حزب الشعب الجمهوري، وذلك عقب أزمة قيادية اندلعت إثر حكم قضائي في مايو 2026؛ أبطل نتائج المؤتمر العام الاعتيادي الـ38 للحزب الذي عقد في نوفمبر 2023؛ بسبب مزاعم بوجود مخالفات تتعلق بشراء أصوات المندوبين لصالح أوزغور أوزال، الذي عُزل بعد ذلك من منصبه وأُعيد كليتشدار أوغلو إلى رئاسة الحزب، والذي رفض بعد ذلك محاولات فريق أوزال ودعواته لعقد مؤتمر عام استثنائي مبكر.
- رفض أوزال لقرار العزل: لم تبق القضية ضمن إطار خلاف حزبي أو قانوني داخلي؛ إذ تطورت سريعاً إلى احتجاجات من قبل أنصار أوزال في الشارع؛ مما استدعى تدخلاً أمنياً في مقر الحزب بالعاصمة أنقرة لإخراج أوزال وقيادات ومناصرين كانوا يرفضون تسليم المقر للإدارة السابقة التي أعادها القضاء مؤقتاً؛ بهدف تحجيم الاحتجاجات الشعبية.
فرص صعود:
يمتلك الحزب الجديد الذي أسّسه أوزال مجموعة من المقومات التي تؤهله للصعود بقوة في المشهد السياسي التركي، وأهمها:
- انضمام عشرات النواب إلى صفوفه: جاء تأسيس “الحزب الجديد” إثر أزمة سياسة غير مسبوقة داخل حزب الشعب الجمهوري؛ لذا ينتظر بعد انتقال 91 نائباً إلى صفوفه أن يكون حزب المعارضة الأول في تركيا، في ظل توقعات بانضمام 3 أعضاء آخرين؛ ما يمنحه امتيازات مؤسسية عدة، مثل تحديد قاعات الكتل البرلمانية التي ستخصص للحزب الجديد، وعدد المستشارين، وغير ذلك من الإمكانات التي يوفرها البرلمان للأحزاب؛ بما يعزز استمرارية الدور الرقابي للمعارضة. كما تُجري إدارة أوزغور أوزال تحضيرات قانونية وسياسية لمواصلة استخدام مكتب رئيس الحزب والمساحات المخصصة حالياً لكتلة حزب الشعب الجمهوري.
- دعم شخصيات بارزة: يحظى الحزب بدعم سياسي من رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، الذي دعا المواطنين من داخل محبسه إلى النضال جنباً إلى جنب مع أوزغور أوزال. بجانب دعم رئيس بلدية أنقرة، منصور يافاش، الذي سارع بتهنئة أوزال عقب الإعلان عن تأسيس الحزب الجديد. وفي تصريح أدلى به بعد الاجتماع الأول للحزب في أنقرة، قال أوزال للصحفيين إن حزبه سيدعم ترشح أكرم إمام أوغلو لرئاسة الجمهورية في انتخابات عام 2028، ولكن من الممكن إجراؤها قبل ذلك.
- رمزية التوقيت: إعلان أوزال عن تأسيس الحزب في ذكرى معاهدة لوزان -والتي أنهت رسمياً الحرب بين تركيا ودول الحلفاء وكرّست الاعتراف الدولي بسيادة الدولة التركية الحديثة وحدودها عام 1932- ومن مبنى البرلمان الأول يحمل رسالة طمأنة مهمة للقاعدة الشعبية لحزب الشعب الجمهوري؛ مفادها أن الحزب الجديد هو الامتداد الحقيقي لمبادئ الجمهورية والإرث السياسي لحزب الشعب الجمهوري، في مواجهة القيادات الجديدة التي فرضتها الأحكام القضائية.
- الاستراتيجية التنظيمية للحزب: يحاول أوزال تفادي أية عراقيل قانونية أو تنظيمية قد تؤخر انطلاقة الحزب، بعد أن تم إدراج جميع مؤسسي الحزب من نواب البرلمان؛ لإغلاق الباب أمام وزارة الداخلية لإطالة أمد تأسيس الحزب عبر طلب تحريات عن أسماء بعض المؤسسين. وتحسباً لأي اعتراض من الوزارة على مسمى “الحزب الجديد”، حُددت أسماء بديلة منها “حزب التغيير” وأسماء أخرى احتياطية لم يُكشَف عنها، بحسب بعض التقارير.
- تجاوز الإطار التقليدي لحزب الشعب الجمهوري: أعلن أوزال أن الحزب سيمثل قاعدة سياسية واجتماعية أوسع، تضم منظمات المجتمع المدني والنقابات المهنية وشرائح اجتماعية مختلفة، كما أكد أنه يتم العمل على نموذج تنظيمي يسمح لمختلف الشرائح بالمشاركة المباشرة في آليات صنع القرار. كما سيستند البرنامج السياسي للحزب إلى النظام والمبادئ العامة لحزب الشعب الجمهوري خلال فترة رئاسة أوزال، إلا أن الحزب سينطلق في مرحلة التأسيس بنظام داخلي وبرنامج محدودَي النطاق، على أن يُعد لاحقاً برنامج أكثر شمولاً ويُطرح للتصويت خلال المؤتمر العام الاعتيادي الأول.
- إنجاز المتطلبات التنظيمية: بمجرد الإعلان عن الحزب الوليد سارع أوزال لإنجاز المتطلبات التنظيمية والقانونية للتمكن من المشاركة في الانتخابات، وعلى رأسها تشكيل فروع للحزب في 41 ولاية على الأقل، وإتمام مؤتمرات الحزب الكبرى والولايات المختلفة قبل 6 أشهر على الأقل من موعد الانتخابات، ومن غير المستبعد اتفاق أوزال مع أحد الأحزاب الصغيرة لخوض الانتخابات تحت سقفه؛ حال الإعلان عن انتخابات مبكرة قبل استكمال شروط حزبه الجديد.
تحديات قائمة:
رغم فرص النجاح التي قد تكون متاحة للحزب؛ لا تزال هناك بعض التحديات التي قد تؤثر في قدرته على ترسيخ مكانته في المشهد الحزبي التركي، ومنها:
- تأخُّر الدعم الحكومي: لا يرتبط الدعم المادي الحكومي بعدد نواب الحزب الحاليين، وإنما بآخر نتائج انتخابات برلمانية حقَّقها الحزب؛ وهو ما يحرم الحزب الجديد من مصادر تمويل حكومية مُستقلة في مراحله الأولى.
- التاريخ السياسي للانشقاقات: وهو ما يظهر في حالة التشكك التي تشهدها أحزاب المعارضة التركية منذ سنوات، والتي تضعها أمام تحديات كبيرة في المنافسة على السلطة وعدم الاكتفاء بمقاعد المعارضة، خصوصاً مع تعدد حالات الفشل في الأحزاب الجديدة المنشقة في السياسة التركية خلال السنوات الأخيرة.
فالتاريخ السياسي لحزب الشعب الجمهوري شهد انشقاقات عدة انتهت غالباً إلى طريق مسدود. ففي العقود الأربعة الماضية؛ شهدت الساحة السياسية التركية العديد من الأحزاب والحركات السياسية التي انشقت عن الحزب، بداية من حزب “اليسار الديمقراطي” في ثمانينيات القرن الماضي، إلى حزب “البلد” الذي أسسه المرشح الرئاسي في الانتخابات الرئاسية السابقة في 2018، محرم إنجه، وكان مصيرها الزوال أو إعادة الاندماج مع أحزاب أخرى، ومع تجدد التجربة تثار التكهنات حول مستقبل الحزب الجديد.
- انقسام القاعدة الشعبية: لأن حالة الانقسام داخل المعارضة، والخلافات التي ما زالت موجودة داخل حزب الشعب الجمهوري؛ تلقي بظلالها على الحزب الجديد، فهناك ناخبون ضمن الأعمار المتوسطة وكبار السن يرفضون أي تغيير في الحزب ويمنحون أصواتهم لشعار الحزب مهما حل بداخله.
وعليه، فإن طريق الحزب الجديد لن يكون معبداً، خصوصاً أن أوزال ما زال يواجه شكاوى تطالب برفع الحصانة البرلمانية عنه ومحاكمته بتهم الفساد أيضاً.
انعكاسات مُتباينة:
يمكن تسليط الضوء على أبرز الانعكاسات المحتملة لتأسيس الحزب الجديد في تركيا على حزب الشعب الجمهوري، على النحو التالي:
- تراجعه على الخريطة الحزبية: قد تمثل استقالة أوزغور أوزال زلزالاً سياسياً داخل أروقة حزب الشعب الجمهوري، باعتباره الحزب المعارض الأكبر في تركيا؛ إذ تقلَّصت كتلته البرلمانية من 135 إلى 44 مقعداً داخل البرلمان؛ ما يسلب الحزب صفته التاريخية كقائد للمعارضة التركية داخل البرلمان.
حيث سيحتل “الحزب الجديد” المرتبة الأولى بين أحزاب المعارضة، والثانية بعد حزب “العدالة والتنمية” الحاكم بزعامة الرئيس رجب طيب أردوغان، والذي يستحوذ على 277 مقعداً، يليه حزب “الديمقراطية ومساواة الشعوب” في المرتبة الثالثة بـ56 مقعداً، ثم حزب “الحركة القومية” رابعاً بـ46 مقعداً، وخلفه يأتي حزب “الشعب الجمهوري” في المرتبة الخامسة بـ44 مقعداً، ثم حزب “الجيد” بـ29 مقعداً، ويليه تحالف “الطريق الجديد” الذي يضم أحزاب؛ السعادة والديمقراطية والتقدم والمستقبل، بـ20 مقعداً من أصل إجمالي مقاعد البرلمان وعددها 600.
- مُعضلة القيادة: أعاد انتخاب أوزال رئيساً لحزب الشعب الجمهوري، عقب خسارة انتخابات الرئاسة في 2023، الثقة لأنصار الحزب من الناخبين؛ إذ مثَّل محاولة لتجديد الدماء وبث روح التغيير داخل الحزب؛ مما أسهم في تحقيق الحزب لانتصار تاريخي في الانتخابات البلدية 2024، غير أن أزمة القيادة الأخيرة داخل حزب الشعب الجمهوري والتدخلات الأمنية التي حدثت لتسليم رئاسة الحزب لكليتشدار أوغلو؛ قد تقلل من فرص استقطابه للأجيال الشابة والمستقلين، وفقاً لمراقبين.
- الدعم المادي: يمنح القانون التركي دعماً مادياً حكومياً لحزب المعارضة الرئيسي، غير أنه بعد انتقال الأغلبية البرلمانية للحزب الجديد، قد تتزايد الاحتمالات القانونية لتقليص الدعم المادي المقدم للحزب، في خطوة إضافية من الحكومة لمضاعفة التحديات أمام حزب الشعب الجمهوري.
وفي هذا الإطار، أشار رئيس حزب “الحركة القومية”، دولت بهشلي، إلى إمكانية تقاسم الدعم المقدم إلى حزب الشعب الجمهوري عقب انتخابات عام 2023، والبالغ أكثر من مليار ونصف المليار ليرة تركية، مع الحزب الجديد على أساس عدد نواب البرلمان المنضمين إليه، واعتبرها “مسألة أخلاقية”.
- تراجع دعم الشباب: قد يشهد حزب الشعب الجمهوري تراجعاً في دعم الشباب له، خاصة وأن أكرم إمام أوغلو، عمدة إسطنبول السابق، وعمدة أنقرة الحالي، منصور يافاش، أعلنا دعمهما للحزب الجديد؛ إذ تفقد هذه الخطوة حزب الشعب الجمهوري أهم قواه الجماهيرية للمنافسة على السلطة؛ حيث كانت فئة الشباب أحد العوامل التي حسَّنت نتائج الحزب في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة.
وإجمالاً، يمثل إطلاق “الحزب الجديد” تطوراً مفصلياً في مسار المعارضة التركية، خاصة وأنه يمتلك مقومات عدة تؤهله لقيادة المعارضة، إلا أن ذلك يظل مرهوناً بقدرته على استكمال إجراءاته التنظيمية وتوثيق قاعدته الانتخابية، إضافة إلى مواجهة الضغوط القانونية التي قد يتعرض لها.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.