صعود اليسار : كيف يُعيد التيار التقدمي تشكيل الحزب الديمقراطي قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية؟

مقالات
مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

 

صعود اليسار : كيف يُعيد التيار التقدمي تشكيل الحزب الديمقراطي قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية؟

 

 

 

مثّلت نتائج الانتخابات التمهيدية الأخيرة مؤشراً جديداً على اتساع نفوذ الجناح اليساري داخل الحزب الديمقراطي، وتزايد قدرته على تحدي المؤسسة الحزبية التقليدية. ففي كولورادو، حققت الاشتراكية الديمقراطية ميلات كيروس، البالغة من العمر 29 عاماً، فوزاً مفاجئاً في الانتخابات التمهيدية للحزب عن الدائرة الأولى، بعدما أطاحت بالنائبة الديمقراطية المخضرمة ديانا ديجيتي، التي احتفظت بالمقعد لخمس عشرة دورة؛ أي لما يقرب من ثلاثة عقود.

وتكرر المشهد في ولاية نيويورك؛ حيث نجحت دارياليزا أفيلا شوفالييه، المحسوبة على التيار اليساري، في إزاحة النائب أدريانو إسباييات عن ترشيح الحزب في الدائرة الثالثة عشرة، رغم شغله المقعد لخمس دورات متتالية. وتعكس هذه النتائج تحولاً كبيراً في مسار هُوية الحزب الديمقراطي وأولوياته السياسية قبل انتخابات التجديد النصفي، وذلك بصعود تيار اليسار الديمقراطي بشكل ملحوظ.

يسار بديل:

يختلف تيار اليسار الديمقراطي عن المؤسسة التقليدية للحزب الديمقراطي، وينعكس ذلك في أجندته وداعميه وقياداته؛ ومن ثم فإنه من المهم التعرف على هذا التيار المتنامي داخل الحزب الديمقراطي:

1- أجندة إعادة التوزيع: يركز اليسار الديمقراطي في الولايات المتحدة على أجندة اقتصادية واجتماعية أكثر جذرية من المؤسسة التقليدية في الحزب الديمقراطي؛ تقوم على دعم إصلاحات العمل والسياسات المؤيدة للنقابات، وإتاحة التعليم المجاني في الجامعات الحكومية والمدارس المهنية، وتوفير رعاية صحية شاملة، وإطلاق برامج وظائف اتحادية، وتبني نظام ضريبي أكثر عدالة عبر فرض ضرائب أعلى على الأثرياء والشركات، وسد الثغرات التي يستفيد منها أصحاب الدخول والثروات الكبرى. كما يدعو إلى إعادة توسيع دور الدولة في معالجة الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية.

وينطلق من رؤية تعتبر أن الحكومة يمكن أن تكون أداة إيجابية لتحسين حياة المواطنين، وأن بناء دولة رفاه واسعة، أقرب إلى النموذج الأوروبي؛ يمكن أن يتعايش مع الاقتصاد الرأسمالي. ويربط هذا التيار بين معالجة أزمة غلاء المعيشة وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، من خلال خفض الإنفاق العسكري، وتوسيع برامج الرعاية الاجتماعية، والدعوة إلى إلغاء إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية وإعادة توجيه مخصصاتها إلى برامج اجتماعية محلية.

2- الداعمون: تُعد منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين (Democratic Socialists of America) إحدى أبرز الأطر التنظيمية لهذا التيار؛ إذ تسعى إلى تحويل السياسة الأمريكية عبر التركيز على الطبقة العاملة، وتعزيز المساواة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، ورفض الهياكل القائمة المدفوعة بمنطق الربح والأطر الرأسمالية التقليدية. ورغم أنها تمثل الآلة التنظيمية الرئيسية للحركة؛ فإنها ليست حزباً سياسياً يمكن للناخبين التسجيل فيه، بل جماعة ناشطة غير ربحية، كما أن بعض المرشحين قد يتبنون أفكار الاشتراكية الديمقراطية من دون أن يكونوا أعضاء رسميين فيها.

3- الشخصيات المؤثرة: يبرز على المستوى الوطني عدد من الشخصيات التي تمثل الوجوه الأهم لليسار الديمقراطي في الولايات المتحدة، وفي مقدمتها:

– بيرني ساندرز: وهو سيناتور مستقل عن ولاية فيرمونت، يصطف داخل مجلس الشيوخ مع الكتلة الديمقراطية، ويُعد المرجعية الأيديولوجية الأبرز وأحد المؤسسين الفعليين لليسار الديمقراطي الأمريكي الحديث. وقد حافظ -خلال مسيرته السياسية– على رؤيته الداعمة لما يُعرف بـــ”الاشتراكية الديمقراطية” باعتبارها الإطار الأقدر على معالجة الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية في الولايات المتحدة.

– إليزابيث وارن: تُعد أحد أبرز رموز اليسار الليبرالي الأمريكي، الذي يسعى لإصلاح النظام الاقتصادي والاجتماعي. ويرى البعض أن الخلاف بين ساندرز ووارن يمكن تأطيره على أنه ثورة في مقابل إصلاح؛ فبينما يعتبر مواقف ساندرز تميل إلى حركة جماهيرية ثورية ضد من يراهم يتلاعبون بالاقتصاد ومواجهة النخب الرأسمالية؛ تهتم وارن أكثر بالعمل ضمن النظام القائم، وتصف نفسها بأنها “رأسمالية حتى النخاع”.

– ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز: والمعروفة اختصاراً بـ AOC، تُعد من أبرز الوجوه الصاعدة في اليسار الديمقراطي، بعدما وسّعت حضورها السياسي بصورة لافتة، ولا سيما في منصات التواصل الاجتماعي، عبر تبني مواقف وسياسات تدعم قضايا البيئة، والعدالة الاجتماعية، والرعاية الصحية الشاملة، والتعليم المجاني. ويرى بعض المقربين من بيرني ساندرز أنها قد تمثل الامتداد الطبيعي لتياره التقدمي؛ بما تمتلكه من قدرة على تجاوز القاعدة التقليدية لليسار وجذب شرائح أوسع من الناخبين.

– رشيدة طليب: نائبة ديمقراطية تقدمية تمثل الدائرة الثانية عشرة في ولاية ميشيغان، وتنحدر من أسرة فلسطينية مهاجرة في مدينة ديترويت؛ حققت سابقة تاريخية عام 2008 بوصفها أول امرأة مسلمة تُنتخب لبرلمان ميشيغان، ثم أصبحت عام 2019 واحدة من أول مسلمتين تدخلان الكونغرس الأمريكي. وتركز في خطابها على العدالة الاقتصادية، وحقوق العمال، ومواجهة نفوذ الشركات الكبرى، وحماية الحقوق المدنية والبيئية.

– إلهان عمر: نائبة ديمقراطية تقدمية تمثل الدائرة الخامسة في ولاية مينيسوتا، وتشمل مدينة مينيابوليس وضواحيها. وُلدت في الصومال وعاشت فترة من طفولتها في مخيم للاجئين قبل انتقالها إلى الولايات المتحدة. دخلت الكونغرس عام 2019؛ لتصبح أول لاجئة إفريقية وأول أمريكية من أصول صومالية تصل إليه، وواحدة من أول مسلمتين تُنتخبان لعضويته؛ تركز على العدالة الاجتماعية، وإصلاح الهجرة، والرعاية الصحية، والسياسة الخارجية القائمة على حقوق الإنسان والدبلوماسية وتقليص التدخلات العسكرية.

– زهران ممداني: يشغل منصب عمدة مدينة نيويورك منذ يناير 2026، ولم يعد مجرد مسؤول محلي في نيويورك فحسب، وإنما برز بوصفه أحد أبرز الوجوه الصاعدة في الجناح اليساري للحزب الديمقراطي؛ يركز خطابه على مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة وتحسين أوضاع الطبقات العاملة. وتضمنت أجندته توفير حافلات عامة مجانية، وتوسيع رعاية الأطفال، وإنشاء متاجر بقالة تملكها المدينة، وزيادة الضرائب على الشركات وأصحاب الدخول المرتفعة لتمويل الخدمات الاجتماعية.

عوامل مفسرة للصعود:

شهدت القاعدة الانتخابية للحزب الديمقراطي تحولاً واضحاً نحو اليسار؛ بما يتجاوز كونه تغيراً عابراً في تفضيلات الناخبين داخل الانتخابات التمهيدية؛ ليعكس إعادة تموضع أعمق في هُوية الحزب واتجاهاته السياسية، ويمكن تفسير هذا التحول من خلال عدة عوامل رئيسة كالتالي:

1- ولاية ترامب الثانية: أسهمت عودة ترامب إلى السلطة في دفع قطاعات أوسع من القاعدة الديمقراطية نحو مواقف أكثر حدة؛ إذ بددت الاعتقاد بأن صعوده للمرة الثانية كان “لحظة عابرة” يمكن احتواؤها بمرشح وسطي. فقد كشفت ولايته الثانية عن رسوخ التحول اليميني داخل الحزب الجمهوري؛ ما جعل كثيراً من الديمقراطيين يرون أن مواجهته لا يمكن أن تتم بالأدوات التقليدية أو عبر الاكتفاء بالدفاع عن المؤسسات القائمة؛ وإنما من خلال تبني أجندة أكثر يسارية، وبناء قوى سياسية جديدة أكثر قدرة على التعبئة والمواجهة.

2- تحول جيلي: يمثل صعود اليسار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي تحولاً جيلياً يتجاوز التأييد المؤقت لبعض المرشحين؛ إذ أصبحت الفئات الأصغر سناً أكثر إيماناً بأن السياسات التقدمية، مثل توسيع الرعاية الصحية، وضبط الإيجارات، ورفع الضرائب على الأثرياء، وتخفيف أعباء التعليم؛ تمثل استجابة أكثر ملاءمة لأزماتها الاقتصادية والاجتماعية. والحقيقة أن استطلاعاً لجامعة ييل الأمريكية في ربيع 2026 كشف عن فجوة عمرية واضحة داخل الحزب؛ فقد تصدرت ألكساندريا أوكاسيو كورتيز تفضيلات الديمقراطيين دون سن الخامسة والثلاثين لانتخابات الرئاسة الافتراضية عام 2028، في حين فضّل الناخبون الأكبر سناً شخصيات أكثر ارتباطاً بالمؤسسة الحزبية، مثل جافين نيوسوم. ويتكامل ذلك مع استطلاع “غالوب” الصادر عام 2025، الذي أظهر أن 66% من الديمقراطيين ينظرون بإيجابية إلى الاشتراكية، مقابل 42% فقط للرأسمالية، مع تراجع أوضح في النظرة الإيجابية للرأسمالية بين الديمقراطيين دون الخمسين. وتعكس هذه المؤشرات أن اليسار التقدمي بات بالنسبة إلى الأجيال الديمقراطية الأصغر هُوية سياسية أكثر رسوخاً، وليس مجرد موجة احتجاج عابرة.

والحقيقة أن النتائج التي أفرزتها الانتخابات التمهيدية في نيويورك؛ تشير إلى عامل التغييرات الديمغرافية باعتباره عاملاً حاسماً في الصعود، فالنتائج لم تكشف فقط عن تفوق مرشح تقدمي على منافسيه، بل أظهرت أيضاً أن خرائط الناخبين في المدينة بدأت تتغير بصورة لافتة؛ مرجحة الكفة لصالح أحياء شابة ومتنوعة، تدعم خطاب العدالة الاجتماعية، وباتت أشد تحفظاً تجاه السياسات الخارجية الأمريكية التقليدية.

3- أزمة ثقة في الرأسمالية والطبقة السياسية: ازدادت قناعة جيل الألفية والأجيال الأصغر سناً بأن الرأسمالية بصيغتها الحالية تقف وراء جانب كبير من أزمات المجتمع الأمريكي، ولا سيما عدم المساواة الاقتصادية وتمركز الثروة؛ ومن ثم استفاد الجناح التقدمي من قدرته على تقديم خطاب أكثر وضوحاً في تحديد مصادر الخلل وخصومه السياسيين والاقتصاديين، والتركيز على نفوذ شركات التكنولوجيا الكبرى وتأثيرها في حياة الأمريكيين. في المقابل، بدا الخطاب الوسطي أقل قدرة على التقاط هذا القلق الاجتماعي والاقتصادي، وأكثر انحصاراً في معارضة دونالد ترامب من دون طرح سردية أوسع حول جذور الأزمة.

4- الدور المحوري لمنظمة الاشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين (DSA): أدت المنظمة دوراً مهماً في تحويل اليسار الديمقراطي من تيار احتجاجي محدود إلى قوة منظمة داخل السياسة المحلية، فعلى مدار عقد من الانتخابات، بدءاً من مجالس المدن، ووصولاً إلى المجالس المحلية الأصغر؛ نجحت فروع المنظمة في بناء قاعدة أيديولوجية وتنظيمية قوية؛ مكّنت اليسار من تحقيق انتصارات انتخابية وتوسيع حضوره خارج المناطق الحضرية المركزية. وقد ساعد هذا اليسار على تجاوز قاعدته التقليدية، التي كانت شابة وذات أغلبية بيضاء نسبياً، باتجاه دوائر انتخابية أكثر تنوعاً تضم ناخبين من ذوي الأصول الإفريقية واللاتينية، وبناء شبكات محلية قادرة على المنافسة الانتخابية وتغيير الصورة السلبية المرتبطة بالاشتراكية في الولايات المتحدة، والتي ترسخت خلال عقود الحرب الباردة وحملات التخويف من الشيوعية.

5- ترسّخ اليسار في المدن الكبرى: نجح اليسار خلال العقد الأخير في بناء قواعد تنظيمية وأيديولوجية قوية داخل المدن الكبرى مثل نيويورك وواشنطن وسياتل. ونتيجة لذلك، بات اليسار الديمقراطي يمثل في عدد متزايد من المدن؛ إما قوة حاكمة قادرة على التأثير في السياسات المحلية، أو فصيلاً معارضاً منظماً يضغط على المؤسسة الديمقراطية من داخل الحزب.

6- تأثير ممداني كصانع ملوك: وصفت صحيفة “نيويورك تايمز” زهران ممداني -الذي تولى منصب عمدة نيويورك قبل أقل من ستة أشهر- بأنه “صانع الملوك”، فمساندته لحلفائه اليساريين في ولاية نيويورك، وهم: ميلات كيروس، ودارياليزا أفيلا شوفالييه، وبراد لاندر؛ أدت إلى نجاحهم الساحق، الذي أحدث صدمة في أروقة الحزب الديمقراطي، فالرجل الذي خرج من رحم التيار التقدمي لم يكتفِ بإحراج المؤسسة التقليدية، بل فرض نفسه عنواناً لتحول أوسع في المزاج الديمقراطي؛ من مدينة نيويورك إلى أروقة الكونغرس في واشنطن؛ أو بعبارة أخرى، مع ترجيح فوز هؤلاء المرشحين بمقاعد في الكونغرس في نوفمبر؛ تبدو النتائج مؤشراً على صعود ممداني كفاعل مؤثر في إعادة تشكيل خريطة القوة داخل الحزب الديمقراطي، وتعزيز حضور التيار اليساري في مواجهة الديمقراطيين التقليديين.

انعكاسات مُحتملة:

1- الاستقطاب كمنطق حاكم: يبدو أن السياسة الأمريكية تتجه بصورة متزايدة نحو حالة يصبح فيها الحزبان الرئيسيان أكثر خضوعاً لضغوط أجنحتهما الأكثر حماسة وتطرفاً. فعندما يُنظر إلى الاعتدال باعتباره ضعفاً، وإلى مبدأ الأرضية المشتركة باعتباره استسلاماً، وإلى الديمقراطية الليبرالية باعتبارها عقبة لا إنجازاً سياسياً؛ تصبح الحياة السياسية أكثر قابلية للانحراف نحو الاستقطاب. وعلى هذا النحو، فإن صعود فصيل متطرف داخل أحد الحزبين؛ يدفع الحزب الآخر للبحث عن فصيل متطرف آخر لمجابهته.

2- تشكيل كتلة تقدمية أوسع داخل الكونغرس: فالانتخابات التمهيدية الأخيرة التي أُجريت نهاية شهر يونيو الماضي، في ولايات نيويورك وميريلاند وساوث كارولاينا ويوتا؛ تُنذر باحتمال اتساع الحضور التقدمي داخل مجلس النواب في أعقاب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر 2026. فمع دخول شخصيات يسارية تقدمية جديدة إلى الكابيتول هيل؛ فإنه من المتوقع أن يتشكل ما يمكن وصفه “الجيل الجديد من السكواد” (0Squad 2.)؛ أي كتلة تقدمية أوسع من “السكواد” الأصلية التي بدأت بأربع نائبات في انتخابات 2018، وهن: ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز، إلهان عمر، رشيدة طليب، أيانا بريسلي. غير أن قوة التكتل الجديد لن تقوم على زيادة العدد فقط، بل على احتمال تمتعها بدرجة أعلى من التنظيم والتنسيق؛ ما قد يؤثر بشكل مباشر في الأجندة التشريعية في الكونغرس الأمريكي؛ ومن ثم التأثير في ملفات السياسة الاجتماعية والرعاية الصحية والهجرة وبعض السياسات الخارجية.

3- إضعاف الحزب الديمقراطي في انتخابات التجديد النصفي: يدخل الديمقراطيون انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر بمزايا محتملة، أبرزها قد يكون تراجع شعبية ترامب، وفق استطلاعات الرأي، وتصاعد غضب الناخبين من الجمهوريين بسبب ارتفاع الأسعار؛ نتيجة للتوترات في الشرق الأوسط، غير أن سلسلة انتصارات المرشحين اليساريين تثير مخاوف الوسط من الديمقراطيين، الذين أصبحوا أكثر قناعة بأن المناداة بالاشتراكية الديمقراطية أمر قد يضر الحزب ويكون بمثابة “عبء انتخابي” في الدوائر المتأرجحة، وخاصة أن الجمهوريين يستغلون صعود اليسار التقدمي لتصوير الحزب الديمقراطي على أنه بات أكثر تطرفاً وشيوعية.

وفي هذا السياق، يُلاحظ أنه فور الإعلان عن نتائج الانتخابات التمهيدية في يونيو الماضي، عقب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصة “تروث سوشيال” بالقول إن “أمريكا الجميلة لن تصبح أبداً دولة شيوعية”؛ مشيراً إلى أن “الولايات المتردية التي سيتولون إدارتها قريباً لن تزداد إلا سوءاً”.

وفي التقدير، لا يعكس صعود اليسار الديمقراطي مجرد نجاح مجموعة من المرشحين الشباب في إزاحة قيادات حزبية مخضرمة؛ بقدر ما يكشف عن تحول أعمق في مصادر الشرعية داخل الحزب الديمقراطي؛ إذ لم تعد الخبرة السياسية أو دعم كبار الممولين كافية لضمان الاستمرار، في ظل قاعدة انتخابية تطالب بسياسات أكثر جذرية تجاه غلاء المعيشة، وعدم المساواة، والرعاية الصحية، والهجرة، والسياسة الخارجية. ومن ثم، سيكون التحدي الأساسي أمام التقدميين هو الانتقال من قوة احتجاجية قادرة على الفوز في الانتخابات التمهيدية إلى قوة تستطيع تحويل شعاراتها إلى سياسات قابلة للتطبيق، من دون أن تفقد قدرتها على مخاطبة الدوائر الوسطية والمتأرجحة.

والحقيقة أن صعود اليسار التقدمي يؤكد أن الأحزاب لا تتغير فقط عندما تستبدل قياداتها، وإنما حين تتغير الأسئلة التي يطرحها جمهورها، وحين يصبح ما كان يُعد مستحيلاً بالأمس جزءاً من المجال السياسي الممكن؛ ومع ذلك، فإن قدرة اليسار على فرض وجوده ستظل رهينة نجاحه في الموازنة بين نقاء الفكرة وتعقيدات الواقع، وبين الرغبة في تغيير النظام وضرورة العمل من داخله.


اترك تعليقاً