أكد معالي عبدالله بن طوق المري، وزير الاقتصاد والسياحة، أن الملكية الفكرية تمثل أحد المرتكزات الأساسية للنمو الاقتصادي، مشيراً إلى أن الاقتصادات تقوم على ركيزتين رئيسيتين؛ الأولى سهولة وسرعة ممارسة الأعمال، والثانية حماية الملكية الفكرية وتسريع الابتكار، بما في ذلك حماية المصنفات الفكرية وحفظ حقوق المؤلف والحقوق المجاورة وبراءات الاختراع والتكنولوجيا والعلامات التجارية.
وقال معاليه، خلال مشاركته في جلسة “النشر: صون الملكية الفكرية والقيمة الإبداعية” ضمن فعاليات معرض أبوظبي الدولي للكتاب، إن التجارب الاقتصادية على امتداد التاريخ أظهرت أهمية حماية الملكية الفكرية في جذب المبتكرين والمخترعين وأصحاب الأفكار، موضحاً أن المخترع أو المفكر قد يختار دولة غير دولته لتطوير ابتكاره عندما يجد فيها منظومة توفر له الحماية اللازمة لحقوقه الفكرية.
وأضاف أن وزارة الاقتصاد والسياحة أولت خلال السنوات الأخيرة اهتماماً كبيراً بتطوير منظومة الملكية الفكرية، وفي عام 2024 أطلقت منظومة جديدة في هذا المجال، بالتوازي مع تطوير التشريعات وتعديل ثلاثة قوانين تشرف عليها الوزارة، وإطلاق عدد من المبادرات الهادفة إلى تفعيل المنظومة وتعزيز حماية حقوق الملكية الفكرية.
وأشار إلى أن هناك عملاً مستمراً لتطوير السياسات والبرامج والاستراتيجيات الخاصة بالملكية الفكرية، مؤكداً أن الهدف يتمثل في بناء قاعدة فكرية ومعرفية راسخة في دولة الإمارات، وتعزيز مكانتها دولةً للأفكار تحتضن المفكرين والمؤلفين وأصحاب الاختراعات.
وأوضح أن الوزارة عملت على خفض رسوم خدمات الملكية الفكرية بهدف تشجيع أصحاب الأفكار والمبتكرين على تسجيل حقوقهم، لافتاً إلى أن بعض الفئات تستفيد من إعفاء بنسبة 100%، وأخرى من تخفيض بنسبة 50%، وأن التركيز بالنسبة للوزارة ينصب على زيادة عدد المسجلين وليس على تحصيل الرسوم، مؤكداً أن هدفنا هو نمو الإيراد الفكري.
وقال معاليه إن الوزارة خفضت الرسوم مرتين، ووضعت فئات للاستفادة من التخفيضات والإعفاءات، ومن بينها الطلبة في خدمات الملكية الصناعية، الذين يمكنهم تسجيل براءات الاختراع دون رسوم، مؤكداً أن هذه الخطوات تأتي في إطار تشجيع الشباب وأصحاب الأفكار على حماية ابتكاراتهم.
وحول قطاع النشر، أكد معاليه أهمية الدور الذي تؤديه جمعيات الناشرين في تطوير القطاع وحماية حقوق الناشرين والمؤلفين، مشيراً إلى أن تطوير التشريعات والقوانين المرتبطة بالقطاع يسهم في دعم منظومة النشر والفكر وحفظ الحقوق.
وأوضح أن المرحلة المقبلة لا تقتصر على حماية الفكرة أو تسجيلها، وإنما تتجه نحو كيفية تحويلها إلى أصل اقتصادي يولد إيرادات، وتسليع الأفكار والابتكارات بحيث تصبح جزءاً من الحركة الاقتصادية.
وأشار في هذا السياق إلى العمل المتعلق بالعلامات التجارية وحقوقها في دولة الإمارات، وكيفية تمكين أصحابها من بيعها وشرائها والاستفادة من قيمتها المالية، إلى جانب تطوير منصات تخدم هذا التوجه وتسهم في جذب المفكرين وأصحاب المصنفات والأفكار، بما يعزز مكانة دولة الإمارات مقراً رئيسياً لهم.
وقال إن أحد أبرز التحديات التي تواجه تحويل الابتكارات إلى قيمة اقتصادية يتمثل في الفجوة بين المبدع أو المخترع وبين الشركة أو الإدارة القادرة على تحويل الفكرة إلى نشاط اقتصادي، وهي الفجوة المعروفة في الأدبيات الاقتصادية بمصطلح “وادي الموت”(Valley of Death).
وأوضح معاليه أن المخترع قد يمتلك قدرة كبيرة على الابتكار، لكنه لا يمتلك بالضرورة المهارات اللازمة لإدارة النشاط الاقتصادي، ولذلك فإن الاقتصادات المتقدمة تعمل على بناء جسر بين “جبل الأفكار والاختراعات” من جهة، والجهة التي تمتلك القدرة المالية والخبرة الإدارية لتحويل تلك الأفكار إلى مشروعات استثمارية وتجارية من جهة أخرى.
وأضاف أن المبتكر قد يكون دوره تطوير الفكرة وتسجيلها وحمايتها، ثم تسليمها إلى من يمتلك الخبرة المناسبة لاستثمارها، ليعود هو إلى ابتكار فكرة جديدة، مؤكداً أن “التسليع” يمثل حلقة أساسية في الربط بين الأفكار وتحويلها إلى سلع ومنتجات قابلة للإنتاج والاستثمار.
وحول الذكاء الاصطناعي، أكد معاليه أن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يمثلان فرصة لرفع الإنتاجية وتسريع الخدمات وليس تحدياً في حد ذاته، مشيراً إلى إمكانية استخدام التقنيات الحديثة في التحقق من طبيعة المحتوى، وكذلك في تسريع إجراءات تسجيل وحماية الملكية الفكرية.
وقال معاليه إن وزارة الاقتصاد والسياحة تعمل اليوم على توظيف الذكاء الاصطناعي في تعزيز تجربة المتعامل وتقليص زمن خدمات الملكية الفكرية.
وأكد أن الذكاء الاصطناعي لا يلغي دور المؤلف أو الكاتب أو صاحب الفكرة، وإنما يمكن أن يساعده في عدد من المهام مثل التدقيق والتعديل والتحقق من المراجع والوصول إلى المعلومات، مشدداً على أن الإنسان يظل صاحب الدور الأساسي في التفكير والإبداع.
وأضاف أن الثورات الصناعية المتعاقبة أثارت في كل مرحلة تساؤلات بشأن تأثير التكنولوجيا على الإنسان والعمل، إلا أن جوهر هذه التحولات كان رفع كفاءة الإنسان وإنتاجيته، مشيراً إلى أن الثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي يواصلان الاتجاه نفسه من خلال تمكين الإنسان من إنجاز المهام بكفاءة وسرعة أكبر.
وأوضح أن تقييم قوة الاقتصاد لا ينبغي أن يقتصر على الناتج المحلي الإجمالي، وإنما يجب النظر أيضاً إلى إنتاجية العمل “Labor Productivity”، ضارباً مثالاً بشركتين تحقق كل منهما أرباحاً قدرها 10 ملايين، بينما يعمل في الأولى 10 موظفين وفي الثانية 100 موظف، وستكون إنتاجية العاملين في الشركة الأولى أعلى.
وأكد أن رفع الإنتاجية يمثل عنصراً أساسياً في النمو الاقتصادي، وينطبق ذلك أيضاً على قطاع التأليف والنشر وإنتاج الأفكار، لافتاً إلى أن دور الوزارة يتمثل كذلك في رفع إنتاجيتها في خدمة هذا القطاع من خلال تسريع إجراءات حماية حقوق المؤلفين والمبتكرين.
وقال معاليه إن حماية الملكية الفكرية تمثل عاملاً أساسياً في تعزيز الاستثمار في الصناعات الإبداعية، إذ يحتاج المستثمر إلى التأكد من أن الأصل الذي يستثمر فيه محمي وأن حقوقه محفوظة، مشيراً إلى أن تسريع الحماية وخفض تكلفتها وتطوير الخدمات المرتبطة بها يسهم في إيجاد البيئة المناسبة للاستثمار.
ولفت إلى أن بعض أصحاب الأفكار لا يسجلون حقوقهم الفكرية لأسباب تتعلق بالتكلفة أو رغبتهم في الاحتفاظ بأفكارهم ضمن نطاق الأسرار التجارية “Trade Secrets”، ولذلك تعمل الوزارة على تسهيل وتسريع إجراءات الحماية وخفض الرسوم لتشجيع مزيد من المبدعين والمبتكرين على التسجيل.
وحول التوازن بين حق المجتمع في الوصول إلى المعرفة وحق المبدع والناشر في حماية ثمرة عمله، قال معاليه إن التشريعات والقوانين موجودة، فيما تضطلع جمعيات الناشرين والجمعيات المعنية بدور أساسي في تحقيق هذا التوازن بين نشر المعرفة والتعريف بها من جهة، وحفظ حقوق أصحابها وحمايتها من جهة أخرى.
وأوضح أن تطوير منظومة الملكية الفكرية في الإمارات جرى وفق تسلسل يبدأ بوضع السياسة الواضحة التي تحدد التوجه والحلول للتحديات والانتقال من نقطة إلى أخرى، ثم تطوير القوانين والتشريعات واللوائح والقرارات التي تخدم هذه السياسة، وصولاً إلى تطوير الخدمات التي تنفذها على أرض الواقع.
وأكد أن الإمارات توفر أرضاً خصبة للمبدعين والملهمين والمفكرين، بما تمتلكه من تشريعات متطورة تخدم الناشرين والمؤلفين وتوفر الحماية لأفكارهم وتساعد على تجسيدها في مشروعات حقيقية.
وأشار إلى أن التطور الذي يشهده معرض أبوظبي الدولي للكتاب على مدى نحو 35 عاماً، والنمو المتواصل في التفاعل معه، يعكسان الدور الكبير الذي قامت به الدولة في تعزيز الفكر والمعرفة، بفضل توجيهات القيادة.
وقال إن رؤية الإمارات تضع الإنسان في قلب السياسات والقوانين والتشريعات والخدمات، مؤكداً أن هذه الرؤية تمثل عنصراً أساسياً في استقطاب المستثمرين والمؤلفين والكتاب والناشرين والمبدعين، وفي بناء بيئة تجعل الإمارات وجهة للأفكار والعقول.
وحول المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي ومستقبل النشر، قال معاليه إنه ينظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره فرصة لزيادة السرعة والإنتاجية، وليس تحدياً، مؤكداً ضرورة استعداد قطاع النشر والتأليف للتغيرات المتسارعة خلال المرحلة المقبلة.
وأوضح أن الكاتب الذي كان يحتاج إلى سنة أو سنتين لإنجاز كتاب قد يتمكن، باستخدام الأدوات الجديدة، من إنجازه خلال عدة أشهر، وهو ما يرفع الإنتاجية ويسرع انتقال الفكر والمعرفة.
وأشار إلى أن الجمهور نفسه أصبح أكثر قدرة على التمييز بين المحتوى البشري والمحتوى المصنوع بالذكاء الاصطناعي، وأن الإنسان في النهاية هو الذي يقرر ما يريد قراءته أو مشاهدته، مؤكداً أن عقل الكاتب وفكره لا يمكن نسخهما بالكامل، فيما يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة للتحقق من المراجع والمعلومات والنظريات ورفع كفاءة العمل.
وأوضح أن الهدف المستقبلي هو أن يسير تطوير بيئة ممارسة الأعمال وريادة الأعمال بالتوازي مع تطوير منظومة الملكية الفكرية وحمايتها وتعزيز الابتكار والإبداع، باعتبار أن المسارين مترابطان ولا يمكن لأحدهما أن يعمل بمعزل عن الآخر.
وأكد معالي عبدالله بن طوق المري أن أبواب وزارة الاقتصاد والسياحة مفتوحة للاستماع إلى المبدعين والناشرين وأصحاب الأفكار والعمل على تطوير المنظومة، مشيراً إلى وجود فريق الوزارة، من الوكيل والوكيل المساعد ومديري الإدارات، للتواصل مع القطاع والاستماع إلى احتياجاته والعمل على تطويره، لافتا إلى استمرار العمل خلال الفترة المقبلة على تطوير القطاع والخدمات المرتبطة به، ومواصلة دعم بيئة الملكية الفكرية في الدولة. وام
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.