اختبار “المنصوري”: مسارات تشكيل الحكومة المغربية بعد الانتخابات التشريعية
عيّن العاهل المغربي الملك محمد السادس، يوم 29 سبتمبر 2026، فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، رئيسة للحكومة؛ لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المغرب، وذلك بعد تصدر حزبها نتائج انتخابات مجلس النواب التي أُجريت يوم 23 سبتمبر.
وقد كشفت نتائج هذه الانتخابات عن إعادة رسم خريطة المشهد السياسي في البلاد خلال السنوات الخمس المقبلة؛ حيث أفضت إلى تصدر حزب الأصالة والمعاصرة ترتيب الأحزاب السياسية بحصوله على 97 مقعداً من إجمالي 395 مقعداً، مع تراجع حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي قاد الحكومة السابقة للمركز الثاني، بعدما حصل على 66 مقعداً. وجاء في المركز الثالث حزب الاستقلال بحصوله على 65 مقعداً، يليه حزب العدالة والتنمية بـ54 مقعداً.
ولم تؤد هذه النتائج إلى ظهور قوة واحدة مهيمنة على مجلس النواب، وهو ما يتسق مع طبيعة الخريطة الحزبية وتوزيع المقاعد داخل البرلمان المغربي؛ ومن شأن ذلك أن ينعكس على عملية تشكيل الحكومة المقبلة برئاسة المنصوري.
نتائج الانتخابات:
ثمة دلالات رئيسية لنتائج انتخابات مجلس النواب المغربي، يتمثل أبرزها فيما يلي:
1- انتقال مركز الثقل داخل الائتلاف الحاكم: لم تؤد الانتخابات التشريعية المغربية إلى تغيير كامل في القوى التي هيمنت على الائتلاف الحكومي خلال السنوات الخمس الماضية؛ حيث استمرت الأحزاب الثلاثة (الأصالة والمعاصرة، والتجمع الوطني للأحرار، والاستقلال) التي شكلت الحكومة السابقة برئاسة عزيز أخنوش، في احتلال المراكز الثلاثة الأولى في البرلمان الجديد. إلا أن النتائج أعادت ترتيب موازين القوى بينها، وأدت إلى انتقال مركز الثقل داخل الائتلاف السابق من حزب التجمع الوطني للأحرار إلى حزب الأصالة والمعاصرة؛ بما يعني أن ما حدث يمثل إعادة ترتيب لمواقع النفوذ والأوزان النسبية بين القوى الرئيسية التي تصدرت المشهد خلال البرلمان السابق.
وأدت النتائج إلى صعود حزب الأصالة والمعاصرة من المركز الثاني في انتخابات عام 2021 إلى المركز الأول في الانتخابات الحالية، بعدما تمكن من زيادة عدد مقاعده بـ10 مقاعد؛ إذ حصل الحزب عام 2021 على 87 مقعداً مقابل 97 مقعداً في الانتخابات الحالية. وفي المقابل، تراجع حزب التجمع الوطني للأحرار من المركز الأول إلى الثاني، بعد انخفاض عدد مقاعده من 102 إلى 66 مقعداً، بخسارة 36 مقعداً مقارنة بانتخابات 2021. كما احتفظ حزب الاستقلال بموقعه كثالث الأحزاب في البرلمان رغم خسارته 16 مقعداً، بعدما تراجع من 81 مقعداً في انتخابات 2021 إلى 65 مقعداً في الانتخابات الحالية.
كما تشير هذه النتائج إلى أن حزب الأصالة والمعاصرة نجح في تعزيز موقعه داخل البرلمان؛ مستفيداً من تحركاته خلال الفترة السابقة للانتخابات. وفي المقابل، جاء التراجع لحزب التجمع الوطني للأحرار بعد خمس سنوات قاد خلالها الحكومة؛ وهو ما جعل الحزب أكثر ارتباطاً بتقييم الناخبين لأداء الحكومة المنتهية ولايتها؛ ومن ثم يمكن تفسير جانب من خسارة الحزب لـ36 مقعداً في ضوء تحمله جزءاً من الكلفة السياسية لقيادة الحكومة السابقة، إلى جانب عوامل أخرى تتعلق بالمنافسة الحزبية، وتراجع المشاركة الانتخابية، وإعادة توزيع أصوات الناخبين.
2- تراجع نسبة المشاركة الانتخابية: بلغت نسبة المشاركة في انتخابات مجلس النواب، وفق بيان وزارة الداخلية المغربية، 38.02% على المستوى الوطني؛ وهي من أدنى نسب المشاركة المسجلة خلال السنوات الماضية، ولم تتجاوز سوى النسبة المسجلة في انتخابات عام 2007، والتي بلغت حينها نحو 37%. وتُظهر هذه النسبة تراجعاً واضحاً بمقدار نحو 12.3% مقارنة بانتخابات عام 2021، التي بلغت نسبة المشاركة فيها 50.35%.
وجاء تراجع نسبة المشاركة في ظل عزوف قطاعات من الشباب عن التسجيل في اللوائح الانتخابية. فقد بلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية نحو 15.8 مليون ناخب، فيما مثلت الفئة العمرية من 18 إلى 24 عاماً نحو 4% فقط من إجمالي المسجلين، والفئة من 25 إلى 34 عاماً نحو 15%؛ بما يعني أن من تقل أعمارهم عن 35 عاماً يمثلون نحو خُمس الهيئة الناخبة المسجلة. وتعكس هذه الأرقام محدودية وزن الفئات الشابة داخل اللوائح الانتخابية المسجلة.
وثمة تفسيرات عدة لأسباب تراجع مشاركة الناخبين، وربما منها تراجع مستويات الثقة لدى قطاعات من الشباب تجاه العديد من الأحزاب السياسية، وعدم قدرة الأخيرة على إقناع جزء من هذه الفئات بجدوى مشاركته الانتخابية. وضاعفت طبيعة إدارة الأحزاب للعملية الانتخابية من الفجوة مع بعض الناخبين، خاصة في ظل تبادل التُّهم بين عدد من الأحزاب.
3- زيادة حزب العدالة والتنمية تمثيله البرلماني: حصل حزب العدالة والتنمية (ذو المرجعية الإسلامية) على 54 مقعداً، بزيادة 41 مقعداً مقارنة بانتخابات عام 2021 التي حصل خلالها على 13 مقعداً فقط. وعلى الرغم من أن هذه النتائج لا تزال أدنى من المستوى الذي حققه حزب العدالة والتنمية عام 2016، عندما حصل على 125 مقعداً؛ فإنها ربما عززت موقعه في البرلمان ووضعته في صدارة المعارضة.
4- احتفاظ الأحزاب الاشتراكية والمتوسطة والصغيرة بحضورها البرلماني: أبقت نتائج الانتخابات على حضور الأحزاب الاشتراكية واليسارية داخل البرلمان، مع تفاوت في أدائها مقارنة بانتخابات 2021؛ إذ فقد بعضها عدداً من المقاعد، فيما تمكنت قوى أخرى من تعزيز تمثيلها. وبوجه عام، ظلت هذه الأحزاب ضمن القوى المتوسطة والصغيرة في الخريطة البرلمانية، دون أن يطرأ تحول كبير على موقعها النسبي.
وحصل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على 26 مقعداً، بخسارة 8 مقاعد مقارنة بانتخابات 2021، فيما حصل حزب التقدم والاشتراكية على 19 مقعداً مقابل 22 مقعداً في الانتخابات السابقة، بخسارة 3 مقاعد. وفي المقابل، تمكن تحالف اليسار، الذي يضم فدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد، من الحصول على 8 مقاعد، مقابل مقعدين كان الحزبان قد حصلا عليهما بصورة منفصلة في انتخابات 2021، بما يعكس تحسناً في حضور هذا التيار داخل البرلمان. كما تراجعت جبهة القوى الديمقراطية، ذات الجذور اليسارية والديمقراطية، من 3 مقاعد إلى مقعدين.
من ناحية أخرى، حافظ عدد آخر من الأحزاب المتوسطة والصغيرة، التي لا تندرج جميعها ضمن التيار الاشتراكي أو اليساري، على تمثيله داخل البرلمان. فقد حصل حزب الحركة الشعبية على 29 مقعداً، بزيادة مقعد واحد عن انتخابات 2021، فيما حصل الاتحاد الدستوري على 17 مقعداً بخسارة مقعد واحد. كما ارتفع تمثيل الحركة الديمقراطية الاجتماعية من 5 إلى 8 مقاعد، في حين دخل حزب الإنصاف البرلمان بمقعدين، وحصل كل من حزب الديمقراطيين الجدد وحزب الوحدة والديمقراطية على مقعد واحد.
وتشير هذه النتائج إلى استمرار التعدد الحزبي داخل البرلمان واحتفاظ عدد من الأحزاب المتوسطة والصغيرة بوجودها، وإن ظلت أوزانها محدودة مقارنة بالأحزاب الكبرى، بما يعزز من الطابع المجزأ للخريطة البرلمانية ويُبقي هذه الأحزاب فاعلة بدرجات متفاوتة في التوازنات والتحالفات داخل مجلس النواب.
5- زيادة مقاعد المرأة في مجلس النواب: عكست نتائج الانتخابات ارتفاعاً غير مسبوق في تمثيل المرأة داخل مجلس النواب المغربي، بعدما نجحت النساء في الفوز بـ17 مقعداً في الدوائر المحلية، إلى جانب 90 مقعداً في الدوائر الجهوية المخصصة حصرياً للنساء في إطار آليات تعزيز التمثيل النسائي. وبلغ إجمالي عدد النائبات 107؛ لترتفع نسبة تمثيل النساء إلى نحو 27.1% من إجمالي 395 مقعداً، مقابل 96 نائبة في البرلمان السابق، وبزيادة قدرها 11 مقعداً، وهو أعلى مستوى للتمثيل النسائي في تاريخ مجلس النواب المغربي.
حكومة “المنصوري”:
تخضع عملية تشكيل الحكومة المغربية لضوابط دستورية في المقام الأول؛ إذ ينص الفصل 47 من الدستور على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، كما يعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها. وفي أعقاب تعيين أعضاء الحكومة، يتقدم رئيسها لعرض البرنامج الحكومي أمام مجلسي البرلمان (مجلس النواب، ومجلس المستشارين). وتُعد الحكومة منصبة بعد حصولها على ثقة مجلس النواب؛ المعبر عنها بتصويت الأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس لصالح البرنامج الحكومي، وفقاً للفصل 88 من الدستور.
وبناءً على نتائج الانتخابات الأخيرة، عيّن الملك محمد السادس، يوم 29 سبتمبر، فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، لتولي رئاسة الحكومة. وتتمتع المنصوري بخبرة قانونية كبيرة، بجانب عملها الحزبي والبرلماني، وموقعها في السلطة التنفيذية؛ حيث سبق أن تقلدت منصب وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في حكومة عزيز أخنوش (2021-2026)، كما شغلت عضوية مجلس النواب خلال ولايتي (2011-2016) و(2016-2021).
ومن المقرر أن تبدأ المنصوري في الأيام المقبلة مشاوراتها مع الأحزاب السياسية لتشكيل ائتلاف حكومي يضمن لها الأغلبية المطلوبة في مجلس النواب (198 مقعداً من إجمالي 395). وهناك عدة سيناريوهات محتملة لهذا الائتلاف؛ حيث قد تعيد المنصوري إنتاج الائتلاف الحكومي السابق بين حزب الأصالة والمعاصرة وحزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال، لكن قد يتطلب هذا المسار تجاوز الخلافات التي ظهرت بين بعض مكونات التحالف خلال الفترة السابقة للانتخابات. أيضاً، ربما يلجأ حزب الأصالة والمعاصرة إلى البحث عن صيغة أخرى للأغلبية الحكومية من خلال الانفتاح على أحزاب أخرى مثل الحركة الشعبية، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية.
وفي المقابل، من المتوقع أن تواجه حكومة المنصوري معارضة يقودها حزب العدالة والتنمية ومعه تحالف اليسار، وذلك بعد استبعاد الأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بنكيران المشاركة في حكومة يقودها حزب الأصالة والمعاصرة، وكذلك توجه تحالف اليسار إلى ممارسة المعارضة وعدم المشاركة في هذه الحكومة.
ختاماً، تكشف نتائج الانتخابات الأخيرة لمجلس النواب المغربي عن إعادة ترتيب للتوازنات الحزبية، مع تصدر حزب الأصالة والمعاصرة، وصعود فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة كأول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المغرب. بيد أن هذه النتائج لم تمنح الحزب أغلبية مطلقة؛ ما يجعل تشكيل ائتلاف حكومي مستقر الاختبار الأول أمام المنصوري.
” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.