الجوع القائد التاريخي للثورات

مقالات
سمير اصطفان: كاتب سوري

الجوع القائد التاريخي للثورات

 

 

منذ الأحداث التي باتت تُعرف بـ”أيلول الأسود” العام 1970 في الأردن، وانتقال منظمة التحرير الفلسطينية بشكل كامل إلى لبنان، أنهى البلد الجميل الذي وصل القمة مسيرة ازدهاره ولم يكن يعرف أنه يتجه إلى أحداث قاهرة ستسبب الكثير من الانقسامات والمعاناة التي ستكون يومياته لعقود، وهو فضلاً عن عجزه عن المحافظة على تلك المرحلة المزدهرة التي كان قد بلغها كرمز للتقدم العلمي والأدبي والثقافي ووجهة سياحية رائدة في محيطه، لم يكن يترقب أن يكون النزول من القمة عبارة عن سقوطٍ مدوٍ.
حيث باتت “منظمة التحرير” مجدداً “دولة داخل دولة”، وطريق القدس تمر بـ”جوني”، والانقسام الذي كان بين أحزاب “يسارية” بمعظمها تشربت الكثير من شعارات القومية التي لم تستخدم إلا للتجييش وخدمة المناصب وتقوية التكتلات من جهة، وبين أحزاب أطلقت عليها صفات “يمينية” وهي بمعظمها لبنانية تاريخية تقوم على الولاء لرموزها التي كانت لا تزال قادرة على العمل بالسياسة من جهة ثانية، والتي سرعان ما تم اتهامها بمعاداة القضية الفلسطينية وبدأت المناوشات والتوترات بين منظمة التحرير المدعومة بتلك الأحزاب وبين الأحزاب “اليمنية” وخاصة “حزب الكتائب” ليكون الانفجار في 13 أبريل 1975 بنشوب الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت 15 عاماً، وهي التي شهدت تدخلات وصراعات وحولت البلد إلى ميدان لتصفية الحسابات، وقسمت الشعب حتى أيام خلت رغم توقفها قبل 30 عاماً.. حيث كان الجوع كفيلاً بإعادة توحيد الجميع “شعبياً” الذين وجدوا كم كانوا مرتهنين لطبقة سياسية توارثتهم كأملاك، فأمراء الحرب باتوا قادة الطوائف، وسماسرة الوطنيات صناع القرار، ولبنان عبارة عن لبنانات يتقاسمها السياسيون الذين يجيدون كيل الوعود لكنهم عاجزون عن تنفيذ أي منها، والخطط الموعودة بقيت حبراً على ورق وتسبب الفساد وسوء الإدارة إلى تراكم دين أكثر من 100 مليار دولار على كاهل الدولة، بحيث دفعت محاولة فرض ضرائب على تطبيق “الواتساب” كفيلاً بتفجير احتجاجات عارمة لم يعرفها لبنان في تاريخه، بما فيها الفترة اللاحقة لاغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري في العام 2005، حيث كان يومها النزول المتعدد الأسباب سواء عاطفياً أو لاستعراض مدى قوة كل طرف في مواجهة الشارع الآخر، لكنها اليوم ليست حزبية بل مطلبية يحركها الجوع القائد التاريخي والأول للثورات الحقيقية في العالم عبر تاريخه، والذي يجعل أي حراك يكون عفوياً وتلقائياً وغير مسيس ولا قائد معروف له ولا يملك أحد شجاعة الحديث باسم من يتضورون ويصرخون أن الأمعاء الخاوية ستكون وبالاً ينقلب على كل تجار الوطنيات، ومنهم الذين أوصلوا لبنان إلى حالته اليوم، فسقطت المحظورات وحصون الوهم التي ضربتها الطغمة السياسة حول أركانها وجعلت منها أداة للتحايل وشراء الأصوات الانتخابية ومفاقمة التمترس خلف أمور تبين أنها أدوات للمتاجرة من قبل الطبقة السياسية التي تستثمر بها لتمدد لنفسها الجلوس على كراس لا تستحقها.
لبنان الذي عُرف بـ”سويسرا الشرق” كان وجع المنطقة برمتها لزمن طويل، و بيروت التي كان الرئيس الراحل أنور السادات يوصي من يعينهم من المحافظين بأن يعملوا ليجعلوا تلك المدن أجمل منها، سوف تكون ميداناً تستحوذ عليه سلطة طائفية ومليشياوية فاسدة تدعي أنها صمام الأمان لمنع عودة الحرب الأهلية التي يبحث شبحها عن منفذ ليخرج.. فهؤلاء الساسة لم يعتادوا على رؤية من يعتبرونهم أنصارهم تحت أي سبب كان “حزبياً- طائفياً- مناطقياً”.. إلخ، إلا وهم يهتفون بحياتهم .. لكن أن تنقلب الأمور وتصرخ الأفواه الجائعة بكل قوة: “سئمنا وارحلوا” فهو ربما آخر ما تصورته السياسة اللبنانية المترهلة والتي أوصلت البلد إلى حاله المزري.. كيف يرى من ينظر إليهم الآخرون على أنهم لصوص لبنان و مئات الآلاف وهم يهتفون بأعلى أصواتهم “جوعتونا”؟.
من لم يتعلم من دروس التاريخ، ولم يأخذ العبر من الأوضاع التي تتشابه لدرجة التطابق سيسقط وسيكون سقوطه مدوياً، والسلطة التي تبحث عن سد العجز من جيوب المواطن الخاوية الذي أفقرته بسياستها وفسادها وتراكمات بيروقراطيتها وسذاجة مبرراتها ستنتهي بطريقة لم تتصورها في أكثر السيناريوهات ضبابية، يوم تصرخ المعدة وتتقدم على كل اعتبار آخر.
لبنان اليوم لا يحتاج مناقشة قانون انتخابي جديد، ولا حكومة ثانية أو طبقة أخرى، بل إن ما يحتاجه لبنان هو نظام جديد يلغي الطائفية والمحاصصة السياسية الحاضنة التاريخية والدائمة للفساد، ويدفع باتجاه تمكين الكفاءات واستعادة هيبة الدولة عبر تعزيز قوة ومتانة أجهزتها في مواجهة الدويلات والمليشيات وحتى التنظيرات.
****
العراق دولة ثانية تتشابه أوضاعها كثيراً مع أوضاع لبنان من جهات كثيرة، فهو بلد من أكبر حواضن التاريخ ورفد الحضارة، كما أن شعبه يزخر بتعددية كبيرة، لكن السياسات المدمرة ومنذ زمن طويل كانت تتميز بحروب لا تعد ولا تحصى، وفساد مرعب منذ العام 2003 انتهى بإعادة بناء عراق جديد لكن من ورق، واليوم انتهى الحال ببلد فيه نهران أن يكون حلم الكثير من أبنائه كأساً من الماء البارد، وبات حلم المواطن أن يرى الكهرباء في بعض المناطق وهي الدولة التي تطفو فوق بحر من النفط.. كل هذا كان يتم وسط فوضى عارمة وتدخل خارجي بات معروفاً عمل على تقسيم العراق شعبياً وحتى جغرافياً بقوة الأمر الواقع والعمل على نشر الفتنة عبر طبقة سياسية مرتهنة وسلاح منفلت ومليشيات وغير ذلك كثير.. دفع المواطنين للنزول في العاصمة العراقية والتي سرعان ما تحولت إلى احتجاجات عارمة في الكثير من مدن العراق وخاصة جنوبه على اعتبار الموصل عاصمة الشمال – مدمرة – هذا الجنوب الذي اعتقد البعض أنه سيطر عليه بحجج طائفية، لكن الحسابات السياسية القائمة على خداع شعب كامل لم ولن تكون كفيلة برمي الأزمات إلى الأمام، أو التمديد لمن لم يبقوا من العراق بالكاد إلا الاسم، فكانت الاحتجاجات السلمية أقوى من نيران القنص وكان الدم المتدفق يوحد العراقيين في المطالبة بأبسط حقوقهم في الوقت الذي بدت السلطة فيه عاجزة عن ردم الهوة مع شعبها، وكالعادة كانت كل الوعود عند أول اختبار تؤكد أنها مجرد لغو وخداع لكسب الأصوات و كل في واد.
***
الجوع بقدر ما هو حالة إنسانية مؤلمة، بقدر ما هو سلاح في جانب الشعوب التي تعاني منه، ولم يحدثنا التاريخ عن طغمة أو سلطة أو نظام تمكن من الانتصار على من يعشش الجوع في جوفهم، بل النتيجة كانت دائماً لصالح من يتضورون ومن يشعرون باليأس ومن نفذ صبرهم من تغيير الأمور للأفضل، فالجوع ظاهرة توحد كل الفقراء في مواجهة من تاجروا بهم حتى الرمق الأخير ولم يخطر لهم أن يتوقفوا فباتت هذه الظاهرة الكارثية وصمة عار في جباههم.. وهذه قاعدة ثابتة لا تحتاج إلى تأكيد ومنذ آلاف السنين كان الجوع دائماً في جانب من يعلن الانتصار بنهاية الأمر.