أحمد عليبه رئيس وحدة الاتجاهات الأمنية – مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة
تنعقد قمة الناتو السادسة والثلاثون في أنقرة يومي 7 و8 يوليو 2026، وسط مفارقة مزدوجة؛ ما بين خطاب سياسي متأزم بين ضفتي الأطلسي في أعقاب حرب إيران، تقابله مؤشرات حيوية تسجل طفرة دفاعية غير مسبوقة منذ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
وتتوزع أجندة القمة المعلنة على خمسة ملفات رئيسية، هي: ترميم الشرخ البيني بعد حرب إيران، واختبار إمكانية إحداث اختراق تفاوضي أو عسكري في الملف الروسي الأوكراني، وإعادة توزيع الأعباء الدفاعية مع ترسيخ هدف الإنفاق عند 5%، وإطلاق “ثورة صناعات دفاعية”، إلى جانب ملفات نوعية في مقدمتها أمن سلاسل الإمداد العسكري في إطار قضية المعادن الحرجة.
ويطمح الأمين العام مارك روته إلى أن تشكل قمة أنقرة إطلاقاً للتأسيس الثالث للحلف “الناتو 3.0″، بعد انقضاء النسخة الثانية التي مثلت حقبة ما بعد الحرب الباردة. غير أن ما يميز هذا التأسيس عن سابقيه أنه لا يأتي تتويجاً لانتصار (كما في 1949 بعد الحرب العالمية الثانية) ولا استثماراً لانهيار خصم (كما في تسعينيات القرن الماضي في نهاية حقبة الحرب البادرة)، بل يجري في منتصف المعركة؛ حيث الحرب المستمرة على الجدار الشرقي للحلف، والشرخ الداخلي الذي أحدثته حرب إيران في العلاقات البينية، والصعود الصيني الذي يعيد تعريف طبيعة التحدي ذاته. وهذا التوقيت يجعل رهانات القمة أعلى كلفة من أي لحظة تأسيسية سابقة.
على هذا الأساس، في حال إتمام هذا التصور، من المتصور أن الحلف بصدد إعادة هندسة العقد الأطلسي؛ وهو الصفقة الاستراتيجية الضمنية التي قامت عليها العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا منذ تأسيس حلف الناتو عام 1949، والتي تتجاوز في مضمونها النص القانوني لمعاهدة واشنطن إلى تفاهم غير مكتوب يقوم على مبادلة مركبة، تقدم فيها واشنطن الضمانة الأمنية والمظلة النووية وتتحمل العبء الأكبر من كلفة الدفاع؛ مقابل قبول أوروبا موقع التابع الاستراتيجي والانحياز إلى المواقف الأمريكية في المنافسات الدولية الكبرى، مع ما يترتب على ذلك من نفوذ أمريكي سياسي واقتصادي يتجاوز المجال العسكري؛ وبهذا المعنى، فإن الحديث عن “إعادة تعريف العقد الأطلسي” هو تجسيد فعلي لعملية إعادة توزيع شاملة للسيادة والمخاطر والأعباء بين ضفتي الأطلسي.
البعد الهيكلي وتناقضات المرحلة:
يسهل الاستنتاج بأن الحلف يتخبط؛ إذا ما اعتمدنا على تحليل الخطاب السياسي لقادته، فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفع سقف الحرب الكلامية ضد الحلف قبيل القمة، وصعّد وزير الخارجية ماركو روبيو وتيرة الخطاب ذاته على خلفية عدم مساندة الحلف لواشنطن في حرب إيران، وسبق ذلك كله اشتباك كلامي أمريكي ألماني حول نفس القضية.
لكن التحليل القائم على قياس المؤشرات الحيوية للحلف ربما يقود إلى نتيجة معاكسة، فالحلف يسجل طفرة غير مسبوقة لا تقتصر على بلوغ موازنته الدفاعية مستوى تاريخياً، بل تمتد إلى نقاط التحول الدفاعي عموماً، والتوسع الهيكلي والتمدد الجيوسياسي. وهذا التباعد بين الخطاب والمؤشرات ليس تناقضاً؛ بقدر ما يمكن اعتباره آلية تفاوض؛ إذ إن التصعيد الكلامي الأمريكي يشكل عامل ضغط تفاوضي ولا سيما في عملية إعادة توزيع الأعباء؛ حيث أثبتت المؤشرات الحيوية فعالية هذا التوجه.
ويمكن القول إن جوهر التحول البنيوي الرئيسي يتمثل في النظرة إلى التموضع الأمريكي في النسخة الجديدة للحلف، فالولايات المتحدة تنتقل من نموذج “المظلة الكاملة” -الضمانة الأمنية كالتزام مفتوح وغير مشروط- إلى نموذج “الضامن الأخير” (Guarantor of Last Resort) حيث تتدخل واشنطن عند عجز القوى الأوروبية في الحلف عن الدفاع.
وبصيغة نظرية التحالفات، تعيش أوروبا حالياً طرفي “معضلة التحالف” في ظل تخوفين في آن واحد، والتي صاغها جلين سنايدر، “تخوف الهجر” الذي تغذيه تلويحات ترامب بمراجعة الموقف الأمريكي، و”تخوف التورط” الذي أيقظته الضغوط الأمريكية للمساندة في حرب إيران، وهذا التلاقي بين التخوفين ربما يفسر السلوك الأوروبي المركب باتجاه معادلة متأرجحة بين تسلح متسارع استعداداً للهجر، وتحوط سياسي اتقاءً للتورط.
عودة الردع النووي إلى صدارة الأولويات:
من أبرز نقاط التحول الدفاعي في الحلف، والتي تجلت في الفترة الأخيرة هي مناورة “ستيدفاست نون” (Steadfast Noon) النووية، والتي أعادت مسألة الردع النووي إلى صدارة أولويات العمل في الحلف. ودلالة هذا التطور تتجاوز الطابع التدريبي للمناورة إلى مستويين:
الأول: أن الحلف يستعيد لغة الردع النووي العلني بعد عقود من التحفظ الذي ميز حقبة “الناتو 2.0″، حين كانت الترتيبات النووية للحلف، وفي القلب منها المشاركة النووية (Nuclear Sharing)، تدار بأدنى قدر من الظهور العام؛ ومن ثم فإن العودة إلى استعراض قدرة الردع النووي هي رسالة استراتيجية موجهة تحديداً إلى موسكو، التي كانت قد أجرت مناورات نووية في 21 مايو 2026.
الثاني: أن إعادة تفعيل الردع النووي تتقاطع مع التطور الأمريكي تجاه أوروبا، فكلما اتسعت الفجوة بين الانسحاب الأمريكي التقليدي والقدرات الأوروبية غير المكتملة؛ يزداد طردياً الارتكاز إلى الردع المتبادل، وفي هذه الحالة جاء تبادل الردع النووي كرافعة سريعة المفعول؛ وهي معادلة مألوفة تاريخياً، فحين يعجز الردع التقليدي عن سد الفجوة؛ يستدعى الردع النووي لموازنة الميزان، مع ما يحمله ذلك من مخاطر خفض عتبة التصعيد في مسرح يشهد أصلاً حرباً قائمة.
الاقتصاد الدفاعي ومعادلات الأمن:
لا يمكن توقع مخرجات القمم التي يحضرها الرئيس ترامب سلفاً، ويصعب القياس على تصريحاته الساخطة تجاه الحلفاء حتى عشية انعقاد القمة؛ لكن المرجح إلى حد التأكيد هو وجود هامش لعقد صفقات متعددة، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار زيارة روته إلى واشنطن وحديثه عن بلوغ حجم تمويل الإنفاق الدفاعي للحلف تريليون دولار، وأن هذا الإنجاز في التمويل الدفاعي تحقق بتحفيز من ترامب للحلفاء. غير أن الترجمة العملية ستظهر في الأدوار التي ستؤديها شركات التصنيع العسكري الأمريكية في المرحلة المقبلة.
انطلاقاً من النقطة السابقة، يتبلور نموذج “المشروطية التبادلية”، أو ربما “المقايضة” بين الحماية مقابل المشتريات، والمظلة الردعية مقابل الحصة السوقية؛ وبهذا المعنى، فإن هدف الإنفاق عند 5% ليس إصلاحاً محاسبياً لاختلال تقاسم الأعباء، وإنما إعادة توجيه للطلب الدفاعي الأوروبي نحو قاعدة التصنيع الأمريكية؛ في دلالة أخرى على أن الانكفاء العسكري الأمريكي يتحول إلى تموضع تجاري وصناعي.
حدود “الثورة الصناعية” الأوروبية:
قد يكون عنوان “الثورة الصناعية الدفاعية” الذي يبشر به أمين عام الحلف براقاً إلى حد الإيحاء بنهضة أوروبية، مع توسع هيكلي أبرزه ألماني تمثل في اعتماد خطة افتتاح 16 مصنعاً بقيادة شركة “راينميتال” (Rheinmetall)بدأت قبل نحو أربعة أعوام، غير أن هناك قيدين يحدان من هذا الطموح:
الأول: أن أغلب القوى الأوروبية تسعى إلى الشراكة مع الولايات المتحدة على مستوى ثنائي أكثر من سعيها إلى الشراكة مع الشركات الأوروبية، رغم الإعلانات المتواصلة عن الاستقلالية. وهذا السلوك يعيد إنتاج المعضلة التاريخية للركيزة الأوروبية بشأن الحوافز الوطنية قصيرة المدى (سرعة التسليم، والتوافقية مع المنظومات الأمريكية، وتثمين العلاقة الثنائية مع واشنطن) والتي تتغلب باستمرار على الحوافز الجماعية طويلة المدى. ويكفي شاهداً على هشاشة المسار الجماعي تعثر المشروع الفرنسي الألماني المشترك.
الثاني: يتصل بسلاسل الإمداد العسكري، وتحديداً ما تسمى بـ”السوق السيادية” الخاصة بصناعات التكنولوجيا الفائقة والمعادن الحرجة، فقد أفرد الحلف في قمة 2024 قائمة من 12 عنصراً من هذه المعادن، وخطا خطوة أخرى بمبادرة ألمانية أوروبية لإنشاء مصنع لأشباه الموصلات تابع لشركة “إنفينيون” (Infineon) في دريسدن؛ ومع ذلك، يظل هذا كله نقطة بداية على مسار طويل وسط منافسة عالمية شرسة.
الجغرافيا الثلاثية لـ”الناتو 3.0″
وتتمثل هذه الجغرافيا الثلاثية في ثلاث دوائر متصلة، تجري فيها أو بشأنها التفاعلات الخاصة بالتحالف، وهي الدائرة الأوراسية، والشرق الأوسط، والإندوباسيفيك، وذلك على النحو التالي:
- الإقليم الأوراسي وتموضع الملف الروسي الأوكراني في منطقة الحسابات الرمادية: يشهد الملف الروسي الأوكراني موجة تصعيد ميداني متبادل بين موسكو وكييف، فيما تبدو واشنطن -وربما تؤيدها تركيا- أقرب إلى التسويات الجزئية المتدرجة مع موسكو؛ لكن الملف ما يزال من الناحيتين الدفاعية والسياسية في منطقة الحسابات الرمادية، تتجاذبه متغيرات متعاكسة، ومن أبرزها:
- الالتزام التمويلي الغربي بنحو 70 مليار يورو لأوكرانيا خلال عام 2026 ومثلها في 2027. ويقابله التحول النوعي في الاقتصاد الدفاعي الأوكراني؛ إذ باتت كييف تمتلك قاعدة تصنيع عسكري ذكية إلى جانب صفقات دفاعية مع دول الخليج في مجال التعاون المشترك ونقل خبرة صناعة المسيّرات تحديداً؛ وهو تطور يحول أوكرانيا من متلقٍ صافٍ للدعم إلى عقدة في شبكة تصنيع دفاعي ممتدة من أوروبا إلى الخليج.
- إرهاق الالتزام لدى بعض الدول الأوروبية التي تسعى إلى تخفيف عبء التمويل. أو أولويات التخطيط الدفاعي، على سبيل المثال: التحوط البولندي؛ إذ تتجه وارسو إلى منح الأولوية لخططها الوطنية في ضوء موقعها في الزاوية بين روسيا وأوكرانيا، وربما تخشى من أن تترجم روسيا نشر قوات على أراضيها كخطوة تصعيدية. وهذا المتغير الأخير بالغ الدلالة، فحين تتحوط الدولة الأمامية الأكبر في الجناح الشرقي؛ فإن ذلك مؤشر مبكر على أن منطق “الخطط الوطنية” قد ينافس منطق الدفاع الجماعي في قلب المسرح الأكثر حساسية.
- الشرق الأوسط وإشكالية الدور: شكلت حرب إيران نقطة الشرخ البيني الأبرز في الحلف قبل قمة أنقرة، حين لم يساند الحلف واشنطن بالقدر الذي توقعته؛ لكن المفارقة أن الشرق الأوسط ذاته يتحول في الوقت نفسه إلى مجال وظيفي للحلف؛ حيث يتسع المفهوم الأمني من الدفاع عن أوروبا إلى منظومة تشمل ممرات الشرق الأوسط وسلاسل الإمداد؛ ومن ثم لا يوجد خلاف على أهميته بالنسبة للحلف، بقدر ما هو خلاف حول في أي مرحلة وطبيعة الدور الذي يتعين القيام به.
- الإندوباسيفيك كمجال حركة مستقبلي: تحفز التفاعلات في الإندوباسيفيك مقاربات دفاعية جديدة تظهر مدى التحولات الهائلة في دول آسيوية مثل اليابان، التي تغير جلدها الدفاعي بالكامل، وتتقارب مع الناتو، ومن مظاهر ذلك إرسال مجموعة من العسكريين إلى أوكرانيا في مهمة تدريب مؤخراً. ودلالة هذا التقارب مد المجال الوظيفي للحلف إلى مسرح لم يكن يوماً ضمن نطاقه الجغرافي والعملياتي، ويعكس إدراكاً متبادلاً بأن مسرحيْ الأمن الأوروبي والآسيوي باتا متصلين؛ بحيث لم يعد ممكناً فصل أحدهما عن الآخر؛ ومع ذلك، فمن المتوقع أن يظهر داخل الحلف تباين هائل في الأولويات حال الحاجة إلى القيام بدور في هذا المجال؛ بين من يرى أولوية التعاطي مع الضغط الروسي، ومن يرى التحدي الصيني من منظور الدعم الأمريكي، ومن يوازن بينهما.
متغير الوزن التركي في الحلف:
تشكل تركيا المتغير الأكثر قدرة على قلب موازين القمة، ورمزية استضافتها لقمة التأسيس الثالث لا تُخفي انتقال مركز الثقل إلى الجناح الجنوبي الشرقي، عند نقطة التماس بين المسارح الثلاثة. خاصة وأنه قد سبقت القمة إرهاصات تقارب تركي أمريكي، دلالته حديث الرئيس التركي عن أهمية الدور الأمريكي في الحلف؛ وهو ما بادله الرئيس ترامب الاهتمام إلى حد المجاملة الدبلوماسية بالقول إنه سيشارك في قمة شمال الأطلسي؛ لأنها تعقد في تركيا. لكن خلف المجاملات المتبادلة؛ تظهر انعطافه تتمثل في طرح الرئيس التركي تصوراً لشبكة أمن جديدة قطباها أمريكي تركي، وثمة حديث عن انفراجة في ملف مقاتلات “إف-35” يحتمل أن تظهر على هامش القمة.
وتستند عملية إعادة التموضع التركية إلى ثلاث ركائز تكاملية، هي: المكانة العسكرية بوصفها ثاني أكبر قوة في الحلف، وقاعدة الصناعات الدفاعية التي شكلت قيمة مضافة إلى هذه المكانة، ودور الوسيط في الملف الروسي الأوكراني. وستوظف أنقرة هذه الأوراق في ملفاتها العالقة مع أوروبا، وفي مقدمتها ملف الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وإن كانت قد تمنح الأولوية للشراكة الدفاعية؛ إذ ما تزال مستبعدة من برنامج “سيف” (SAFE) الأوروبي البالغ 150 مليار يورو.
ومن هنا تُقرأ دعوة الرئيس رجب طيب أردوغان حول “شبكة أمن من تكساس إلى أنقرة” بوصفها رهاناً مزدوجاً بين إبقاء واشنطن في قلب أي هندسة أمنية أوروبية، وتحصين الموقع التركي من مآلات “أوربة” الدفاع التي قد تعني -إذا اكتملت دون تركيا- تهميشها من المعادلة.
وفي المقابل، تتقارب قوى أوروبية عديدة -ترى أن اللحظة الراهنة لحظة أمنية بامتياز- في الاتجاه ذاته مع تركيا وإن بخطى أبطأ؛ فإذا كان سيناريو الاختراق السياسي في الملف الأوكراني هو الخيار التالي، فتركيا تبقى فاعلاً محورياً بحكم علاقاتها مع روسيا، وإن كان سيناريو الاختراق العسكري هو الخيار الواجب تعزيزه، فهي ركيزة في التسلح.
ويتعزز هذا التوجه بالنظر إلى تخبط التجربة الأوروبية في ضوء تعثر مشروع الدفاع المشترك الفرنسي الألماني، وأزمة تمويل الإنفاق العسكري في بريطانيا (تحت مظلة التعاون مع الناتو) التي بدأت باستقالة وزير الدفاع جون هيلي قبل أسابيع من القمة، قبل أن تتساقط بعدها قطع الدومينو داخل حكومة كير ستارمر. وبدورها تكشف الحالة البريطانية عن بعد آخر في المعادلة، وهو البعد الداخلي؛ إذ إن الإنفاق عند مستويات 5% ليس قراراً استراتيجياً فحسب، بقدر ما يمكن اعتباره اختباراً لقدرة الأنظمة السياسية الأوروبية على تحمل كلفته الاجتماعية والسياسية.
” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.