Military AI التطبيقات العسكرية للذكاء الاصطناعي في إدارة الحروب

مقالات
Military AI  التطبيقات العسكرية للذكاء الاصطناعي في إدارة الحروب

د. إيهاب خليفة رئيس وحدة التطورات التكنولوجية – مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

أصبح الذكاء الاصطناعي قلب عملية إدارة الحروب الحديثة، بداية من عملية الرصد الاستباقي مروراً بتحديد الأهداف وتدميرها، نهاية بالتعلم والتطور المستمر، وقد اختصر هذا التحول زمن سلسلة القتل Kill Chain من أيام وأسابيع إلى دقائق، بل في بعض الأحيان ثوانٍ معدودة.

فملايين الساعات التي تجمعها المسيرات، وملايين الصور التي ترسلها الأقمار الاصطناعية، وملايين الرسائل التي تعترضها أنظمة اعتراض الاتصالات، وملايين التعليقات التي تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، لا يمكن لأي جهد بشري على الأرض أن يقوم بتحليلها ولو استغرق ذلك آلاف السنين، لكن من خلال أنظمة الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتحقق ذلك ليس في دقائق أو ساعات؛ بل حتى في الوقت الحقيقي وبصورة فورية وآنية.

هذه القدرة الكبيرة على تحليل المعلومات واستخراج الأهداف في وقتها الحقيقي جعلت الذكاء الاصطناعي هو القائد الحقيقي في العمليات العسكرية الحديثة، وأصبح دور البشر هو المُصادقة على قرارات الذكاء الاصطناعي في كثير من الأحيان.

بالطبع هناك أخطاء قد تحدث؛ لكن الذكاء الاصطناعي يتعلم بسرعة وقد تتراجع نسبة هذه الأخطاء مستقبلاً، ورغم احتمالية الخطأ؛ فإن ذلك لم يمنع بعض الدول مثل الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل والمملكة المتحدة من أن تدمج الذكاء الاصطناعي في قلب آلاتها العسكرية، ليس فقط عملية جمع المعلومات وتحليل البيانات وتحديد الأهداف؛ بل أيضاً في تحديد نوع السلاح المناسب وكمية الذخيرة المطلوبة؛ بل وتنفيذ المهمة نفسها.

ومن هنا، تحاول هذه الدراسة المكثفة، أن تتناول دورة الذكاء الاصطناعي العسكري في كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل والمملكة المتحدة بقدر من التفصيل، وهي ثلاثة نماذج مختلفة في آلية عملها وفلسفتها والأدوات التي تستخدمها؛ لكنها تشترك في دورة واحدة للذكاء الاصطناعي تبدأ بجمع المعلومات وتنتهي بتحقيق الأهداف، وفي أثناء ذلك تحاول هذه الدراسة رسم صورة كاملة عن تفاصيل دورة الذكاء الاصطناعي العسكري مستعرضة البنى التحتية والتطبيقات والبرمجيات والشركات المطورة، وكذلك درجة دقة الاستهداف في هذه الأنظمة وفقاً لما هو متاح من معلومات، مع عمل تقييم ختامي لكل نظام من الأنظمة الثلاثة.

وبصورة عامة، تبدأ دورة اتخاذ القرار العسكري عبر الذكاء الاصطناعي بمرحلة الاستشعار الشامل؛ حيث تتحول ساحة المعركة إلى فضاء مُشبَع بالبيانات القادمة من مصادر متعددة مثل الأقمار الاصطناعية والطائرات المسيّرة المزودة بكاميرات، والرادارات الأرضية، وأجهزة اعتراض الاتصالات واستخبارات الإشارة، إضافة بيانات التواصل الاجتماعي وأي تقارير ميدانية من الجنود المرتبطين بأنظمة رقمية وهواتف تكتيكية؛ بما يضمن تغطية مستمرة لما يحدث دون وجود فجوات معلوماتية.

تنتقل هذه البيانات فوراً إلى مرحلة الدمج والمعالجة السحابية، وفيها يتم الاعتماد على منصات متكاملة مثلAnduril Lattice  التي طورتها شركة Anduril الأمريكية وتعتبر العقل الرقمي؛ حيث تقوم بدمج البيانات من مصادرها المتعددة وتحويلها إلى قرارات عسكرية، أو الاعتماد على بنى الحوسبة السحابية العسكرية التي تقدمها شركات مثل أمازون، وذلك بغرض تحليل ومعالجة البيانات المتدفقة وتحويلها إلى صورة عملياتية موحدة.

في المرحلة الثالثة، تدخل الخوارزميات إلى قلب العملية عبر التصنيف والاستهداف الخوارزمي، باستخدام تقنيات الرؤية الحاسوبيةComputer Vision  وتعلم الآلاتMachine Learning  وأنظمة مثل Helsing AI التي تعمل كذكاء اصطناعي يعمل على حافة الشبكة (Edge AI) داخل المسيّرات نفسها –أي لا يحتاج إلى الاتصال بالإنترنت أو أنظمة معالجة البيانات المركزية-، فتقوم بالتعرف على الأهداف وتحديدها وتصنيفها (مركبة، رادار، موقع لوجستي)، وتقدير مستوى التهديد وإنتاج قائمة أهداف مرجّحة بدرجات ثقة رقمية.

هنا تظهر نقطة القرار البشري؛ حيث يتفاعل القائد مع واجهات عرض تكتيكية ليوافق أو يعدّل أو يرفض خلال ثوانٍ أو دقائق ترشيحات الأهداف التي قدمها الذكاء الاصطناعي؛ اعتماداً على صورة عملياتية آنية تُعرض عبر شاشات ميدانية أو أجهزة لوحية عسكرية.

يلي ذلك التقييم القانوني والتكتيكي؛ حيث تُستخدم أنظمة مثلPRIISM  لتقدير الأضرار الجانبية وتحليل المخاطر، لضمان توافق القرار مع القانون الدولي الإنساني والتشريعات القانونية قبل التنفيذ.

أما في المرحلة الخامسة، فتُترجم القرارات إلى فعل عبر التنفيذ والضرب، من خلال منصات مرتبطة بالشبكة مثل الطائرات المسيّرة الانتحارية مثل DART 250، أو الصواريخ الدقيقة؛ حيث تنتقل الأوامر عبر شبكات اتصال تكتيكية إلى السلاح أو ضابط تنفيذ المهمة دون تأخير يُذكر.

وأخيراً، لا تنتهي الدورة عند الضربة؛ بل تعود لتغذي نفسها عبر التعلم والتطوير المستمر وتحليل ما بعد المهمة؛ حيث تُغذّى النماذج بالنتائج الميدانية لتحسين الدقة وتقليل الأخطاء؛ بما يجعل النظام أكثر كفاءة مع كل دورة تشغيلية جديدة. وبهذا، تتحول العملية بأكملها إلى حلقة متسارعة لا يكون فيها التفوق مرتبطاً فقط بالقوة؛ بل بالقدرة على التعلم والتكيّف أسرع من الخصم.

” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”


اترك تعليقاً