من كار إلى ستوب: أزمة العشرين عاماً مجدداً

مقالات
من كار إلى ستوب: أزمة العشرين عاماً مجدداً

محمد العربي رئيس تحرير دورية اتجاهات الأحداث

 

في يوليو 1939، قبل أسابيع من اقتحام قوات ألمانيا النازية لإقليم دانسك في بولندا وبداية الحرب العالمية الثانية في أوروبا؛ أنهى إدوارد هاليت كار، الدبلوماسي البريطاني المخضرم، وأحد مهندسي معاهدة فرساي في 1919، كتاب “أزمة العشرين عاماً 1919-1939: مقدمة لدراسة العلاقات الدولية”. وقتها كان كار قد اعتزل السياسة، وإن لم يعتزل محاولة التأثير في مسار السياسة البريطانية تجاه الأزمة المتفاقمة في القارة؛ ومحورها مطالبة ألمانيا النازية باستعادة الأراضي التي خسرتها في الحرب الأولى، وتأسيس مجالها الحيوي. وفي “أزمة العشرين عاماً”، أخذ كار في تحليل بنية النظام الدولي الذي شكلته تسويات الحرب العظمى، ورأى أنها أفضت إلى فشل ذريع في تحقيق السلام أو الاستقرار، وأن العالم قد دخل في مرحلة “ما بين العهدين” (Interregnum) وهو مصطلح لاتيني يعود إلى القرون الوسطى يصف المرحلة الانتقالية بين عهد ملكي بائد وآخر لم يستقر.

كان كار من دعاة الواقعية في السياسة الدولية، في نسختها الأولى الأكثر ابتعاداً عن الإفراط النظري، وربما كان هذا بحكم عمله السياسي والدبلوماسي، وتخصصه الرئيس في التاريخ؛ لذا خصص كتابه لتفكيك النظرة المثالية والطوباوية، التي رأى أنها حاولت بناء نظام دولي قائم على القواعد بعد الحرب العالمية الأولى. وفقاً لكار، فقد افترض دعاة المثالية، التي يطلق عليها اليوم الليبرالية الدولية، وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي ودرو ويلسون، أنه من الممكن بناء نظام دولي على أساس ما؛ ينبغي أن يكون غير ما هو كائن بالفعل.

كذلك، تصور هؤلاء أنه بالإمكان تحقيق انسجام بين مصالح مختلف الأطراف الدولية من خلال تأكيد “إقرار السلام” والتعامل مع الحرب على أنها “مجرد سوء تفاهم يمكن تجاوزه”؛ وهو ما اتضح استحالة تحقيقه في العقدين التاليين لفرساي؛ حيث عاش العالم في أزمة مستمرة وصراعات دائمة ناتجة عن تعارض المصالح الذي تضمنته تسويات الحرب، وعدم فعالية “عصبة الأمم” التي كان من المفترض بها أن تكون تجسيداً لانسجام المصالح بين الأمم.

رأى كار أن العالم الذي تمخضت عنه الحرب العالمية الأولى أكثر حدة من حيث انقسامه بين معسكرين؛ هما الدول التي استفادت من التسويات وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، والتي يشير إليها بـ”من يملكون” (Have)، والدول التي خرجت من الحرب خالية الوفاض أو خاسرة، سواء أكانت انتصرت عسكرياً مثل اليابان وإيطاليا، أم تلك التي وقعت معاهدات مذلة مثل ألمانيا، ويشير إليها بأنها القوى التي “لا تمتلك” (Have-Not). وبالنسبة للأخيرة؛ فلا سبيل لتحقيق مصالحها إلا بإثارة الاضطرابات وتقويض السلام؛ أي بشن المزيد من الحروب (بالنسبة لدبلوماسي في بريطانيا الاستعمارية، لم تكن بقية العالم مهمة؛ لأنها كانت مستعمرات أو مجرد ساحة للصراع بين القوى الغربية).

لذا، وفقاً له، فالحل الأمثل للتعامل مع هذا الخلل هو إدراك طبيعة القوة وصعوبة تحقيق التوازن المثالي بين مصالح الجميع. وعلى الرغم من استشعار كار لطبول الحرب التي كانت تقرع في القارة وتصل أصداؤها إلى لندن؛ فقد كان من أشد مؤيدي سياسة نيفيل تشامبرلين، التي عرفت بالاسترضاء وقامت على احتواء المطالب النازية بدلاً من الدخول في صراع مباشر معها. بالنسبة لكار، كان مؤتمر ميونخ في 1938 تعبيراً عن إدراك حكومة تشامبرلين للتغير الحادث في علاقات القوة.

بيد أن سياسة الاسترضاء والاحتواء لم تحل دون اندلاع الحرب. وبعد شهرين من إعلان لندن وباريس الحرب على برلين، صدر كتاب كار بالضبط بعد عشرين عاماً من إعلان الهدنة الشاملة التي أنهت الحرب العالمية الأولى. لقد كان إصداراً مواتياً لإعلان انتهاء الهدنة الطويلة وبداية الحرب رسمياً مرة أخرى. وخلال سنوات الحرب، أردف كار كتابه بدراسة أخرى تشرح موقف السياسة البريطانية خلال أزمة العشرين عاماً، وفيه بدأ في التنصل تدريجياً من تأييده لسياسة “الاسترضاء”؛ معبراً عن تأييده لسياسة ونستون تشرشل القائمة على تأكيد هزيمة ألمانيا في الحرب الجارية. وبعد الحرب، تفرغ كار للكتابة عن تاريخ الاتحاد السوفيتي، وأتحف العالم في ستينيات القرن العشرين بمحاضراته الرائعة عن ماهية التاريخ.

تجد أفكار كار صدى لها في عالم اليوم الآخذ في تحولات عميقة، وأصبح كتاب “أزمة العشرين عاماً” نصاً كلاسيكياً بالنسبة للواقعيين. وقد حاول كثيرون استخدامه لتشريح تحولات النظام الدولي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. فمع تصاعد أزمة وباء كورونا في 2020، أصدر أستاذ العلاقات الدولية بجامعة لندن فيليب كونليف كتابه “أزمة العشرين عاماً: 1999-2019”. وفيه اتخذ من أفكار كار مرشداً لشرح تفكك النظام الليبرالي، الذي بشرت به الولايات المتحدة والقوى الغربية. وجادل بأن هذا التفكك إنما يعود إلى مواطن خلل داخلية في المنظومة الليبرالية الدولية؛ تتمثل في هيمنة المنطق الرأسمالي والروح الإمبريالية وتعزيز الروح القومية العدائية، لا إلى صعود السلطويات على عكس ما تدعي القوى الغربية.

وبعد سنوات من أزمة كورونا، وتراكم تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، والحرب الدائرة لثلاث سنوات حتى الآن في الشرق الأوسط؛ أصبحت أفكار كار أكثر حضوراً من أي وقت مضى. ومثلما جادل كار، فقد أثبت النظام الدولي القائم على القواعد إخفاقه، واتضح أنه بالأساس كان تعبيراً عن مصالح القوى الغربية المنتصرة في الحرب الباردة. وكما أكد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني خلال قمة دافوس الأخيرة في إبريل 2026، فقد استخدمت “القواعد” التي تأسست على أكاذيب جزئية و”خيال مريح” لإخضاع القوى الأضعف، وتطبيق القوانين الدولية على نحو انتقائي.

من ناحية أخرى، أصبح انقسام العالم بين معسكري “من يملكون” و”من لا يملكون” جلياً بما يكفي. ففي حين تحاول الولايات المتحدة وأوروبا واليابان الحفاظ على مكتسباتها من الحرب الباردة؛ من خلال الإفادة من المنظومة المالية والتجارية الدولية، والهيمنة على أسواق التكنولوجيا، وسهولة الوصول للموارد الدولية؛ تحاول القوى “التصحيحية” الصاعدة التي تتشكل حالياً من روسيا والصين وربما الهند وبعض أجزاء الجنوب العالمي إعادة رسم القواعد الدولية بما يحافظ على مصالحها القومية.

لقد كان غزو روسيا لأوكرانيا في 2022 تأكيداً لصحة رؤية كار بأن “من لا يملكون” سيحاولون دائماً إعادة صياغة القواعد الدولية بأية وسيلة ولو كانت حرباً. وسابقاً، أكد إخفاق عصبة الأمم في ثلاثينيات القرن العشرين في إيقاف غزو إيطاليا للحبشة، وغزو اليابان لمنشوريا؛ عجز منظومة المؤسسات الدولية؛ وهو ما يذكرنا بوضوح بعجز منظومة الأمم المتحدة عن الحؤول دون غزو روسيا لأوكرانيا أو توسع الصراع في الشرق الأوسط؛ بحيث أصبحت معظم الحروب الدولية، خاصة تلك التي تشنها القوى الكبرى، أقل عناية بالحديث عن “الشرعية الدولية” وكما أشار كار، فإن عجز هذه المؤسسات إنما يعبر عن طغيان قواعد القوة على القواعد أو القيم التي اعتقد المثاليون الليبراليون أنه بالإمكان بناء مؤسسات للحفاظ عليها.

مقارنة بالثلاثينيات، ربما تكمن المفارقة بشكل أكبر في أن تكون القوى التي ادعت الدفاع عن هذه القواعد هي من يخرقها. ولا أدل على هذا من الحروب غير المشروعة التي خاضتها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط من بداية القرن الحالي في أفغانستان والعراق، وصولاً إلى الحرب على إيران بالتحالف مع إسرائيل، وشن إدارة ترامب حروباً تجارية على الجميع من الصين إلى دول الاتحاد الأوروبي، والتوسع في استخدام سلاح العقوبات كأداة رئيسية للتعامل مع الأزمات الدولية، وصعود الصراع على التقنية والموارد الطبيعية.

لقد أدت هذه التطورات إلى تحطيم الوهم القائل إن تزايد الاعتماد الدولي في التجارة وحرية انتقال السلع والخدمات والأموال؛ من شأنه أن يؤدي إلى سلام بين الأمم. لقد تحولت التجارة من أداة لإقرار السلام إلى أداة في يد القوى الغربية لخنق القوى الأخرى، سواء الكبرى الصاعدة أم المتوسطة، وعلى حساب دول العالم الأكثر فقراً.

بالطبع، لو كان كار مراقباً لأوضاع العالم حالياً؛ لوضع الولايات المتحدة محل ألمانيا النازية باعتبارها القوة التي تحاول تقويض النظام الذي بنته. ومن المؤكد أنه سيرى أن أزمات العالم حالياً ليست وقائع منفصلة، بل هي أزمات حتمية لعجز النظام الدولي عن التكيف مع التحول في موازين القوى الدولية.

لقد شهد الغرب حالياً عدة محاولات لإنقاذ النظام الدولي من المزيد من التفكك والانجرار إلى صراع شامل على غرار الحرب العالمية الثانية. من بينها دعوة الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، إلى إعادة تأسيس النظام الدولي على أساس مغاير لمرحلة ما بعد الحرب الباردة.

يرى ستوب في كتابه الصادر العام الماضي “مثلث القوة: إعادة التوازن إلى النظام العالمي الجديد” أن الليبرالية الدولية قد ماتت وعفا عليها الزمن؛ وهو ما قد يصادق عليه كار، وأن العالم قد انقسم إلى ثلاثة معسكرات هي: الغرب العالمي (الولايات المتحدة وأوروبا وحلفاؤهما)، والشرق العالمي (الصين وروسيا وإيران)، والجنوب العالمي (ويشمل تحالفاً واسعاً وفضفاضاً من القوى المتوسطة في الشرق الأوسط وإفريقيا وأمريكا اللاتينية).

ينطلق ستوب في كتابه وخطابه من أزمة حرب أوكرانيا وتصاعد التهديد الروسي لأوروبا؛ وهو ما أدى إلى تأييده لانضمام فنلندا لحلف الناتو والتخلي عن سياسة الحياد التاريخية، ويتوجه بدعواه إلى الغرب، ويطرح على القوى الغربية أن تتبنى ما يطلق عليه “الواقعية القائمة على القيم” (Value-based  Realism) للتعامل مع الانقسام العالمي، ويعرف هذا اللون الجديد من الواقعية بضرورة الحفاظ على التزام الغرب بقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التجارة، مع إيجاد سبل للتعاون مع قوى الشرق والجنوب في إطار التعددية الدولية. ويرى ستوب أن العالم في وضعه الحالي أمام خيارين: إما توسيع إطار التعددية الدولية الذي أرسته قمة الأمن والتعاون في هلسنكي عام 1975، أو الانجرار إلى سياسات التعددية القطبية التي عبرت عنها قمة يالطا في 1944.

لا تخلو دعوة ستوب من المصداقية بحكم إرثه الدبلوماسي وخلفيته الأكاديمية وروحه النشطة التي أثارت إعجاب ترامب نفسه غير مرة .إلا أنها لا تخلو من التناقض والانحياز، وربما لن تصمد كثيراً في ظل عدم وجود دليل مادي يؤشر على إمكانية تحقيق “الواقعية القائمة على القيم” على أرض الواقع. فمن ناحية نظرية، تبدو هذه النظرية “تناقضاً لفظياً” يحاول أن يجمع شيئين متناقضين ينفي كل منهما الآخر. ومن دون الخوض في تعامل المدرسة الواقعية في السياسة الدولية مع معضلة “الأخلاق والقيم”؛ فإن طرح ستوب يتصور أن القيم الدولية، أو بالأحرى الغربية، توجد في معزل عن علاقات القوة الدولية لا نتيجة لها. وعلى الرغم من اعترافه بتضرر “هذه القيم” في ظل تقاعس الغرب عن التدخل لحل الأزمات الإنسانية في غزة والشرق الأوسط، وإعلان الجنوب العالمي رفضه “ازدواج المعايير الغربية”؛ فإنه لا يرى بديلاً عن “انتصارها الحتمي”؛ وهو ما يعبر عن إيمان عميق بتفوق قيم الغرب على ما عداها.

يدعو ستوب إلى إصلاح منظومة الأمم المتحدة لتفعيل أطر التعددية الدولية، ومنح الجنوب العالمي القدرة على التحرك بفاعلية بما يوازن العلاقة بين الغرب والشرق العالميين. إلا أن هذه الدعوة تتغافل، كما أشار كار في حالة عصبة الأمم، عن أن الأطر المؤسسية الدولية لا تنجح في حل الأزمات أو تأكيد دورها إلا كترجمة للعلاقات بين القوى الكبرى.

والأهم من هذا أنه لا يجيب عن التساؤل الملح عما إذا كان الغرب العالمي، بافتراض أنه لا توجد خلافات حادة بين جانبي شمال الأطلسي؛ راغباً في القيام بتنازلات عن نصيبه من القوة العالمية، أو القيام بإصلاحات هيكلية لدعم المؤسسات الدولية أو دعم التنمية في الجنوب، وتمكين اقتصاداته من تحقيق نمو كاف لأداء دور دولي، أو التخلي مثلاً عن الهيمنة على البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي أو حق الفيتو في مجلس الأمن الدولي. في الحقيقة، فإن تحركات القوى الغربية في الأزمات الأخيرة وتحديداً في أوكرانيا والشرق الأوسط؛ أثبتت أنها تتعامل مع الأطر المؤسسية الدولية والقانون الدولي بمنطق نفعي محض، فلا تدافع عنه إلا بقدر ما يدعم مصالحها.

سابقاً، رأى كار أن الحل الوحيد لحل أزمة العشرين عاماً هو اتجاه الدول لإحداث “تغيير سلمي” وطوعي من خلال تنازلها المحسوب عن نصيبها من القوة لصالح إعادة التوازن إلى موازين القوة المختلة. إلا أنه أقر أن مثل هذه التنازلات غالباً ما تكون مؤلمة وغير مرضية، ولا تمثل ضمانات مطلقة لمنع الصراع ومنع أسبابه؛ وهو ما برهنت عليه الحرب العالمية الثانية، وتبرهن عليه صراعات العالم حالياً.

لذا، بدلاً من الوقوع في براثن المغالطات الدبلوماسية التي يتقنها السياسيون خاصة في إطار المحافل الدولية، فمن الضروري التعامل بحنكة مع تحولات القوة الدولية كما هي، لا كما ينبغي أن تكون، والتي تخضع لقوانين المنفعة والتبادل. وبقدر صلابة هذه القوانين، بقدر ما تقبل التغيير؛ فالصراع ليس حتمياً، ويمكن أن يتحول إلى منافسة محسوبة بدقة. ويتطلب إدراك هذه التحولات فكراً ناضجاً يبتعد، كما يذكر كار في مقدمة كتابه، عن “الطوباوية المثالية” أو تصور إمكانية تحقيق انسجام مطلق بين مصالح البشر المتعارضة دائماً.

” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”


اترك تعليقاً