محمد خلفان الصوافي كاتب إماراتي
لم تعد الحروب المعاصرة تُحسم فقط على جبهات القتال، ولم يعد النصر يُقاس بحجم المساحات الجغرافية المُسيطر عليها، أو بعدد الدبابات والطائرات المُدمرة فقط؛ حيث نعيش في عصر صعدت فيه “القوة السردية” لتصبح أحد أهم ركائز الأمن القومي وعنصراً حاسماً من عناصر القوة في العلاقات الدولية.
وفيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط، وخصوصاً في ضوء الحرب الراهنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وشبكة حلفائها من جهة أخرى، والتي نشبت بينهما في 28 فبراير 2026؛ تحولت صناعة الرواية إلى سلاح استراتيجي لا يقل أهمية عن الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة.
السردية السيادية
في إطار تحليل ما يشهده الإقليم في المرحلة الراهنة، يمكن القول إن الدولة الوطنية في الخليج العربي تواجه بخطابها العقلاني تحديات كبيرة تتطلب منها ليس فقط حماية حدودها ومكتسباتها التنموية عسكرياً وأمنياً، بل أيضاً الحفاظ على “سرديتها السيادية” المرتكزة على الاستقرار والازدهار في مواجهة سرديات الفوضى، والهويات العابرة للحدود، المضادة للدولة الوطنية، والتي تقود الجماهير وتثيرهم عبر دغدغة مشاعرهم ومظلومياتهم بدلاً من مخاطبة عقولهم ووعيهم بالحقائق.
وكما يشير أستاذ العلاقات الدولية الأمريكي جوزيف ناي، صاحب “نظرية القوة الناعمة”، فإن طبيعة القوة في العصر الرقمي شهدت تحولاً جذرياً؛ حيث لم تعد تُقاس حصراً بحجم الترسانة العسكرية، وأدوات القوة الصلبة، بل بالقدرة على صياغة الرواية الأكثر جاذبية. ويلخص ناي هذا التحول في مقولته البليغة: “في العصر الحالي، المنتصر ليس من يملك الجيش الأكبر، بل صاحب الرواية الأفضل”.
السردية كعنصر قوة في العلاقات الدولية:
لقد غير التطور التكنولوجي وثورة المعلومات مفهوم “القوة الناعمة” وجعلها أكثر هجومية، إذ إن السردية السياسية ليست مجرد قصة تُحكى، بل هي إطار معرفي يُحدد كيفية إدراك الشعوب وصناع القرار للحقائق، ومن خلالها يُعاد تعريف “المنتصر” و”المهزوم”، و”صاحب الحق” و”المعتدي”.
وُظفت هذه السرديةُ كأداة لإدارة الصراع وتحقيق مكاسب استراتيجية في الصراع الدائر بين المحور الأمريكي الإسرائيلي وإيران؛ حيث تعتمد إيران في استراتيجيتها الإقليمية على سردية معرفية وعاطفية تتمحور حول فكرة “المقاومة” ومواجهة “الاستكبار العالمي”. وتمكنت طهران من خلال هذه السردية من تقديم نفسها كمدافع عن القضايا العادلة في المنطقة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية؛ مما يمنحها مشروعية عابرة للحدود داخل المجتمعات العربية، إضافة إلى قدرتها على تحويل الخسائر العسكرية إلى انتصارات سياسية من خلال تبني مفهوم “الصبر الاستراتيجي” و”النصر الإلهي”؛ حيث يُصور أي بقاء للمجموعات الموالية لها على قيد الحياة، رغم الخسائر المادية والضربات العسكرية الهائلة، على أنه فشل للمخططات الإسرائيلية والأمريكية.
في المقابل، تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى فرض سردية ترتكز على شيطنة الخصم وعزله معرفياً عبر تصنيف شبكة النفوذ الإيراني كـمحور للشر أو جماعات إرهابية مُهددة للاستقرار العالمي والاقتصاد الدولي، من خلال استهداف أمن دول الجوار والمجتمعات العربية مثل: حزب الله اللبناني، والحشد الشعبي في العراق، واستهداف أمن الملاحة في الممرات المائية الحيوية، بدءاً من تهديدات حلفاء إيران (الحوثيين) في البحر الأحمر وباب المندب، وصولاً إلى المخاطر المباشرة في الخليج العربي ومضيق هرمز.
وترتكز هذه السردية على تسويق وإقناع الرأي العام العربي بأن التفوق الاستخباراتي والتقني الإسرائيلي الأمريكي قادر وحده على صياغة شرق أوسط جديد أكثر أماناً وتكاملاً، في مقابل الترويج لفكرة أن نموذج المقاومة المسلحة لا يجلب للشعوب سوى الدمار والفوضى. ويمكن القول إن المعرفة في هذا السياق صانعة للحدث، ولم تعد تابعة له؛ حيث إن الطرف الذي يمتلك القدرة على فرض أطروحته المعرفية، هو من يستطيع شرعنة أفعاله العسكرية واكتساب غطاء دولي وإقليمي؛ مما يجعل قوة السردية محدداً رئيسياً لموازين القوة الدولية.
الاعلام الحديث و”تسويق السردية”:
مع ظهور الفضاء الرقمي، انتقلت معركة الإدراك من غرف الأخبار التقليدية المقيدة بالرقابة السياسية إلى الفضاء المفتوح لوسائل التواصل الاجتماعي؛ مما جعل نتائج الحروب مرتبطة بقدرة كل طرف على كسب الرأي العام. في هذا السياق، يمكن تفسير آليات عمل الوعي الافتراضي بالاستناد إلى أطروحة عالم الاجتماع السياسي مانويل كاستيلز حول “مجتمع الشبكة” The Network Society)) ويوضح كاستيلز أن الفضاءات الرقمية وشبكات التواصل لم تعد مجرد قنوات لنقل الأخبار، بل باتت بيئات حيوية لإعادة صياغة القوة وبناء الإدراك الجمعي. فمن خلال خوارزميات هذه الشبكات، تنشأ “غرف الصدى” التي تعزل الجمهور عن الحقائق والواقع التنموي داخل فقاعات فكرية تكرر آراءه، وتُغذي في المقابل مشاعر الغضب العاطفي والمظلوميات؛ مما يمنح “الغوغائية الرقمية” فرصة ذهبية لتزييف الوعي الجمعي وتوجيه عقول الجماهير عن بُعد؛ مهددة بذلك استقرار وتماسك الدولة الوطنية.
واقعياً، لم يعد بوسع القوى العظمى احتكار الرواية السياسية. فالصورة القادمة من الميدان عبر هاتف محمول لمواطن بسيط يمكنها تقويض سردية دولية كاملة بُنيت بمليارات الدولارات. على سبيل المثال، قد تعلن إسرائيل عن نجاح عسكري باهر في تدمير بِنْية تحتية عسكرية؛ لكن انتشار مقاطع فيديو لضحايا مدنيين أو لحجم الدمار الهائل يحول هذا “الانتصار العسكري” إلى “هزيمة أخلاقية واستراتيجية” في الرأي العام العالمي؛ مما يضغط على صناع القرار لوقف العمليات.
وتستخدم الأطراف المتصارعة الذكاء الاصطناعي لتوجيه الرأي العام من خلال تضخيم الإنجازات وخلق انطباع سائد بالنصر الساحق لتثبيط عزيمة الخصم، إلى جانب شن حرب نفسية موجهة عبر بث مقاطع مسربة أو إشاعات مدروسة؛ تهدف للتلاعب بالروح المعنوية لجمهور الطرف الآخر لزعزعة ثقته في قيادته السياسية والعسكرية؛ لذا أصبحت سردية الانتصار تُصاغ في “التريندات” الأكثر تداولاً، وفي مدى قدرة الرواية على البقاء والانتشار واكتساب التعاطف الأخلاقي والإنساني.
مستقبل الأمن الإقليمي بين المفاوضات والسردية:
لن تتحدد معالم مستقبل الشرق الأوسط فقط عبر طاولة المفاوضات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران في جنيف، بل بدرجة كبيرة وفقاً لقدرة كل طرف على إقناع الجمهور المحلي والإقليمي بمشروعية روايته الوطنية للأحداث. وهذا ما تؤكده “المدرسة البنائية” في العلاقات الدولية، وتحديداً روادها مثل ألكسندر ويندت؛ حيث تُظهر البنائية أن الواقع الدولي والسياسات الإقليمية لا تتشكل حصراً بناءً على الحسابات المادية أو الموازين العسكرية، بل وفقاً للإدراك والهوية، والمعاني المشتركة.
فالبنية الأمنية للمنطقة هي بناء فكري ومعرفي في المقام الأول؛ حيث تسعى إيران لصناعة واقع إقليمي عبر فكرة “المقاومة وأيديولوجيا المواجهة”، بينما تسعى إسرائيل لفرض واقعها عبر فكرة “التفوق التكنولوجي والردع المطلق”؛ لذا، فصراع الهوية والمعرفة يجعل من “القوة السردية” المحرك الأساسي لإعادة رسم مشهد التحالفات والخصومات في المنطقة. وبناءً على هذا المنظور البنائي، يبرز صراع محتدم في المنطقة بين مشروعين فكريين وسياسيين متناقضين. الأول: مشروع الفوضى والثورية القائم على الهويات العابرة للحدود، والذي يتغذى على الأزمات والمظلوميات والحروب المستمرة، ويرى في السردية أداة للتعبئة الأيديولوجية والعاطفية؛ موجهاً خطابه بالدرجة الأولى نحو العواطف والحشود الشعبوية.
والثاني: مشروع الدولة الوطنية القائم على التنمية والاستقرار، والذي يرتكز على بناء المؤسسات وتحقيق جودة الحياة الاقتصادية، ويرى في السردية أداة للبناء والإنجاز وصناعة المستقبل؛ حيث يوجه خطابه العقلاني مستنداً إلى لغة الأرقام والمؤشرات ومستوى جودة الحياة.
السردية الخليجية:
في خضم هذا الصراع العنيف بين السرديات المتناقضة، تقف دول مجلس التعاون الخليجي، وفي مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة، كممثل أصيل لنموذج “الدولة الوطنية الحديثة”. وتمتلك هذه الدول سردية خاصة بها، حظيت باحترام عالمي، وهي سردية التنمية والازدهار والاستقرار والتسامح.
وتعتمد الرواية الوطنية لدول الخليج على تقديم نموذج بديل وجاذب للشرق الأوسط، يتلخص في تحقيق الريادة الاقتصادية والتكنولوجية عبر تقديم الدولة كمركز عالمي للاستثمار والابتكار والذكاء الاصطناعي واستكشاف الفضاء، بالتوازي مع ترسيخ السلم الإقليمي والتصفير الاستراتيجي للأزمات من خلال تبني سياسة خارجية قائمة على الدبلوماسية وبناء الجسور والوساطات وحل النزاعات سلمياً، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن التنمية لا يمكن أن تزدهر في بيئة مضطربة، إضافة إلى تعزيز قيم التعايش الإنساني بتقديم نموذج مجتمعي يحتضن مئات الجنسيات والثقافات في إطار من سيادة القانون والتسامح؛ مما يدحض عملياً سرديات الصدام الطائفي أو الأيديولوجي.
تحدي مرحلي:
رغم نجاح السردية الخليجية وتجسدها في واقع ملموس من مدن عالمية واقتصادات قوية وجودة حياة مرتفعة؛ فإنها تواجه تحديات جسيمة في ظل الاستقطاب الإقليمي الراهن؛ حيث تبرز موجات الشحن العاطفي التي تدفع الجماهير وقت الأزمات والحروب نحو الشعارات الحماسية؛ مما يجعل لغة التهدئة والعقلانية السياسية التي تطرحها دول الخليج تبدو وكأنها منفصلة عن هذا الاتجاه؛ وهو ما تستغله بعض الخطابات الثورية لمحاولة تشويه النموذج التنموي.
هذا التباين الحاد في التفسير ينعكس مباشرة في محاولات اختراق الفضاء الرقمي؛ حيث تواجه المنصات الخليجية سيلاً من الدعاية المنظمة التي تسعى للتشكيك في مواقفها وتصوير نهضتها كجزيرة معزولة لا تهتم بمحيطها؛ الأمر الذي يفرض حماية “أمن الرواية الوطنية” لتحصين عقول الأجيال الناشئة من الانسياق وراء التضليل الإعلامي الممنهج.
تفكيك “الغوغائية الرقمية”:
لِفهم آليات تعزيز القوة السردية للدولة الوطنية الخليجية ومواجهة هذه التحديات وكسب معركة الإدراك، لا يمكن الاكتفاء بالإنجازات المادية على الأرض فحسب، بل يجب تحويلها إلى محتوى معرفي وثقافي عابر للحدود ومقنع للداخل والخارج عبر استراتيجيات متعددة؛ تبدأ بصياغة “إعلام معرفي استباقي” ينتقل من القوالب الدفاعية أو الترفيهية إلى فضاء استراتيجي يفكك “الغوغائية الرقمية” ببراهين عقلانية، ويقدم رواية الدولة الوطنية بأساليب بصرية ورقمية تواكب لغة العصر كصناعة المحتوى، و”البودكاست”، والتحقيقات المرئية المعمقة؛ وهو ما يتجسد عموماً في النماذج الخليجية الرائدة للاستثمار الاستراتيجي في الكادر البشري؛ مثل “أكاديمية الإعلام الجديد” في دولة الإمارات، حيث تمثل هذه المؤسسات المتخصصة منارات معرفية لتمكين وصقل مهارات جيل جديد من صناع المحتوى، وتهيئتهم لقيادة منصات التواصل الاجتماعي برواية وطنية، عقلانية، ومتزنة، قادرة على تفنيد الخطابات المضللة وبناء الوعي الجمعي المستدام.
إن الصراع في الشرق الأوسط المعاصر لا ينحصر في أبعاده المادية على جبهات المواجهة، بل يمتد ليكون صراعاً مفاهيمياً على دلالات الكلمات، وتصدير مشهد النصر، وتحديد ماهية المستقبل. وفي ظل هذا الاضطراب، تمثل دول الخليج، وفي مقدمتها دولة الإمارات؛ ركيزة الأمان الأساسية للمنطقة. ولكي تنتصر هذه الدول في معركة الرأي العام، عليها مواصلة تقديم مشروعها التنموي كنموذج عقلاني يبعث على الأمل؛ فتميز السردية الخليجية يكمن في تقديمها لإنجازات ومستقبل ملموس بعيداً عن الأوهام والشعارات؛ لذلك، فإن الدفاع عن هذا النموذج ونشره بكفاءة يُعد واجباً استراتيجياً لحماية أمن الدول واستقرارها، ولرسم مستقبل إقليمي يقوم على السلام والازدهار.
” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.