محركات الاستدامة: كيف تستفيد إفريقيا من النموذج الإماراتي في تطوير الاقتصاد الأزرق؟

مقالات
محركات الاستدامة: كيف تستفيد إفريقيا من النموذج الإماراتي في تطوير الاقتصاد الأزرق؟

أ. د. حمدي عبدالرحمن أستاذ العلوم السياسية بجامعة زايد، الإمارات العربية المتحدة

 

عادة ما يُنظر إلى الاقتصاد الأزرق في إفريقيا على نطاق واسع باعتباره فرصة تنموية كبرى؛ ومع ذلك، فإن وضعه الحالي يتسم بالتفاوت ولا يزال بعيداً عن التطبيق الكامل. ويُقصد بالاقتصاد الأزرق في هذا المقام الاستخدام المستدام للموارد المائية والحفاظ عليها، بما يشمل المحيطات والمناطق الساحلية والمياه الداخلية؛ بهدف تعزيز النمو الاقتصادي وسُبل العيش وفرص العمل مع الحفاظ على صحة النظم الإيكولوجية.

وعلى مستوى القارة الإفريقية، تقتصر عمليات التخطيط في العديد من البلدان على أطر جزئية أو غير رسمية، في حين أن عدداً قليلاً نسبياً منها قد تبنى استراتيجيات رسمية، أو خطط عمل، أو وحدات تنسيق، أو أدوات عملية مثل تخطيط الحيز البحري (تنظيم استخدام المناطق البحرية والساحلية لأنشطة متنوعة)، والمحاسبة الزرقاء (قياس القيمة الاقتصادية للأنشطة المرتبطة بالبحر)، والتمويل الأزرق (تمويل المشاريع التي تدعم التنمية البحرية المستدامة).

وعلى الرغم من أن الهيئات الإقليمية قد بدأت في التحرك أيضاً؛ فإن الفجوة بين الطموحات السياسية والقدرات التشغيلية لا تزال كبيرة. وهنا تبرز أهمية التعاون بين دول الجنوب كعنصر محوري في نهضة إفريقيا؛ إذ يوفر مساراً تنموياً يرتكز على الجغرافيا والتاريخ الحضاري المشترك، والتحديات المناخية المتشابهة، والشراكات العملية. وفي هذا الإطار، يقدم النموذج الإماراتي لإفريقيا درساً مهماً حول توظيف الاقتصاد البحري، والطاقة النظيفة، وحماية النظم البيئية الساحلية، لبناء اقتصادات أكثر مرونة، وترسيخ أسس التنمية المستدامة.

تهميش إفريقيا ومعضلة الحدود البحرية:

في السياق الإفريقي، تلزم العودة إلى التاريخ دوماً من أجل فهم الحاضر. فقد نشأ النقاش حول الاقتصاد الأزرق في إفريقيا من سياق تاريخي أطول مما تشير إليه أوراق الاستراتيجيات الحديثة؛ إذ لا يخفى تعمد استبعاد الدول الإفريقية إلى حد كبير من المشاركة في صياغة مؤتمرات قانون البحار الأولى؛ نظراً لخضوع العديد منها للاستعمار. وبعد الاستقلال، أصبحت هذه الدول أكثر نشاطاً في إدارة المحيطات، حتى مع استمرار إرث الحدود الاستعمارية في إنتاج تداخل بحري وغموض قانوني. وبالفعل حدثت تحولات كبرى في مجال إدارة السواحل الإفريقية، فقد أطلق الاتحاد الإفريقي الاستراتيجية البحرية المتكاملة لإفريقيا لعام 2050، وبرنامج وإطار سياسات إصلاح مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية في إفريقيا، ولاحقاً استراتيجية الاقتصاد الأزرق في إفريقيا؛ التي تُصوّر المحيطات والبحار والسواحل والأنهار والبحيرات كمحركات للتغيير بدلاً من كونها هوامش للقارة، ثم ساعد دليل سياسات اللجنة الاقتصادية لإفريقيا التابعة للأمم المتحدة، على نقل هذا المفهوم إلى لغة تخطيط للحكومات.

وكان هذا التحول المفاهيمي منطقياً من الناحية الاقتصادية؛ إذ تتوقع منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) أن تؤدي “اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية” إلى زيادة الشحن داخل القارة بنسبة 28%، وارتفاع الطلب على خدمات الشحن البحري بنسبة 62%. كما تؤكد استراتيجية الاتحاد الإفريقي أن القارة تضم 38 دولة ساحلية وعدداً من الدول الجزرية التي تمتلك مناطق بحرية شاسعة. بيد أن هذه الفرصة اصطدمت بانعدام الأمن، واستنزاف المخزونات السمكية، وتزايد مخاطر تغير المناخ، وهشاشة الحوكمة الساحلية، وتصاعد التمردات العنيفة والحركات الإرهابية في بعض المناطق الساحلية، إضافة إلى تنامي الطلب الخارجي على المحروقات والمعادن والخدمات اللوجستية الاستراتيجية؛ وبعبارة أخرى، أصبح الاقتصاد الأزرق نقطة توتر تتقاطع فيها اعتبارات النمو الاقتصادي، وحماية البيئة، والتنافس الجيوسياسي في الفضاءات البحرية نفسها.

ومن خلال تطور الجدل الإفريقي حول الاقتصاد الأزرق، يمكن إبراز مسارين متزامنين؛ إذ عملت إفريقيا على بناء مزيد من القواعد والمؤسسات لحوكمة المحيطات، في حين تزايدت الرهانات المرتبطة بالموارد بوتيرة أسرع. ويُفسِّر هذا التباين إحراز تقدم في التسويات القانونية في بعض المناطق، مقابل تصاعد الصراعات السياسية والتجارية في مناطق أخرى.

مواقع الصراع الراهنة:

تتمثل الساحة الغربية الأبرز للصراع في خليج غينيا؛ حيث تراجعت معدلات القرصنة عن ذروتها المسجلة عام 2020؛ لكن الصيد غير القانوني وغير المُبلّغ عنه وغير المنظم، وعمليات التهريب، وسرقة النفط، وضعف إجراءات الملاحقة القضائية، لا تزال تقوض مفاهيم السيادة الإفريقية. وتشير بعض الأبحاث والتقارير إلى أن خسائر الصيد غير القانوني دون إبلاغ ودون تنظيم قد تتراوح ما بين مليار وثلاثة مليارات دولار سنوياً، في حين سجل “المكتب البحري الدولي التابع لغرفة التجارة الدولية” 21 حادثة في خليج غينيا عام 2025، بزيادة طفيفة عن 18 حادثة المسجلة عام 2024. وقد تحسن التعاون الإقليمي؛ إذ تؤدي كل من منظومة ياوندي، وآليات المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، وقوة المهام المعنية بغرب إفريقيا التابعة للجنة مصايد الأسماك في غرب وسط المحيط الأطلسي، ومركز المراقبة الإقليمي؛ أدواراً مهمة. غير أن المعركة الحقيقية تدور حول القدرة على إنفاذ القوانين في مواجهة الأساطيل الصناعية، التي يرتبط الكثير منها برؤوس أموال أجنبية، مقابل ضمان الأمن الغذائي للمجتمعات الساحلية.

وبالمقارنة، يُظهر شرق إفريقيا مسارين مختلفين، فقد وصل النزاع بين الصومال وكينيا إلى محكمة العدل الدولية، التي حددت الحدود البحرية في عام 2021 ورفضت فكرة وجود خط متفق عليه مسبقاً؛ إلا أن كينيا رفضت الحكم سياسياً؛ مما يعني أن الوضوح القانوني لم يفض بالضرورة إلى تسوية سياسية شاملة. وفي المقابل، يقدم الجوار البحري لتنزانيا دليلاً على إمكانية ترسيم الحدود عبر التفاوض، فقد ساعدت الاتفاقيات المدعومة من الاتحاد الإفريقي بين تنزانيا وموزمبيق وجزر القمر على تسوية الحدود البحرية في جنوب غرب المحيط الهندي. وتتمثل العبرة في أن الدول الإفريقية قادرة على حل النزاعات المتعلقة بالمساحات البحرية، ولكن شريطة التعامل مع الدبلوماسية كأداة استراتيجية لإدارة الدولة، لا مجرد فترة توقف مؤقتة تسبق استئناف التنافس على الموارد.

وتُعد منطقة كابو ديلغادو المثال الأبرز في الجنوب الإفريقي؛ إذ حملت اكتشافات الغاز البحرية في موزمبيق وعوداً بتحول مالي واقتصادي، غير أن أعمال التمرد والنزوح والنزاعات بشأن إدارة الموارد حوّلت منطقة المشروع إلى ساحة للصراع الأمني. وفي يناير 2026، أعلنت شركة “توتال إنيرجي” استئناف مشروع “موزمبيق للغاز الطبيعي المُسال”، بعد رفع حالة “القوة القاهرة” في نوفمبر 2025. وفي الوقت نفسه، تُقر الوثائق الرسمية للمشروع بحدوث عمليات تهجير مادي واقتصادي للمجتمعات المحلية، بما في ذلك التأثير في سُبل عيش الصيادين، بينما لا يزال البنك الدولي يصف الوضع في شمال البلاد بأنه متقلب وغير مستقر. ويجسد ذلك المأزق التقليدي للاقتصاد الأزرق؛ إذ قد تمتلك الدولة أصلاً اقتصادياً ذا أهمية عالمية، في حين يعاني السكان في المجتمعات المحلية من انعدام الأمن والتهميش والمخاطر البيئية.

الأطراف الفاعلة داخلياً وخارجياً:

لا تزال الدول الإفريقية هي الفاعل الرئيسي؛ لكنها لا تتمتع بنفوذ متساوٍ؛ إذ يمتلك الاتحاد الإفريقي استراتيجية قارية ومؤسسة متخصصة في الاقتصاد الأزرق، ولدى المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) استراتيجيتها البحرية المتكاملة، ولدى الجماعة الإنمائية للجنوب الإفريقي (سادك) استراتيجية وخطة عمل للاقتصاد الأزرق للفترة 2023-2032، كما اعتمدت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد) استراتيجية إقليمية للاقتصاد الأزرق في عام 2022، ولا تزال جماعة شرق إفريقيا (إياك) تعمل على تطوير مقاربتها الإقليمية. وتُضيف “اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية” معياراً تجارياً من خلال جعل الكفاءة البحرية ذات قيمة استراتيجية أكبر؛ ومع ذلك، فإن التنفيذ غير متكافئ؛ مما يعني أن بعض الحكومات تتفاوض مع الشركات متعددة الجنسيات والقوى الخارجية من مواقع ضعف مؤسسي.

ومن جهة أخرى، فإن القوى الخارجية ليست هامشية؛ فالشركات الصينية المملوكة للدولة تنشط فيما يُقدّر بنحو 78 ميناءً في 32 دولة إفريقية، ولا تزال المصالح الصينية في مجال الصيد مثيرة للجدل بشدة في غرب إفريقيا. وقد استثمر الاتحاد الأوروبي أكثر من 90 مليون يورو في مشاريع الأمن البحري وإدارة الموارد في خليج غينيا، إلى جانب تمويل إضافي من مرفق السلام الأوروبي. وتواصل الولايات المتحدة ترسيخ التعاون الأمني من خلال مناورات “أوبانغامي إكسبريس”. كما عززت الهند جهودها الدبلوماسية في غرب المحيط الهندي من خلال مناورة بحرية مع شركاء أفارقة في تنزانيا عام 2025. وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل الدور الروسي؛ حيث تُعد موسكو فاعلاً تجارياً أصغر حجماً في بعض المناطق البحرية الإفريقية؛ لكن تحليلات الاتحاد الأوروبي تُشير إلى دورها في التدريب والمناورات واستغلال الثغرات القانونية.

ولا يُعد أي من هذا ضاراً بطبيعته، فالدول الإفريقية بحاجة إلى رأس المال، وأصول الدوريات، والوصول إلى الأسواق. ولكن المشكلة تظهر؛ عندما تصبح الشراكات غير متكافئة وتُشتت قوة التفاوض على مستوى القارة، وهنا تبرز أهمية الشراكات التعاونية مع دول الجنوب العالمي.

ولا تُعد المجتمعات الساحلية والشركات الخاصة أطرافاً هامشية؛ إذ تُشير الدراسات الحديثة إلى أن مشاريع الاقتصاد الأزرق الإفريقية الناجحة يجب أن تُوازن بين الأهداف البيئية والاجتماعية والاقتصادية، وأن تُشرك المجتمعات المحلية بشكل فعّال. لكن في الواقع، غالباً ما يواجه الصيادون المحترفون انخفاضاً في كميات الصيد، بينما تحصل الشركات الكبرى على التراخيص والبنية التحتية والضمانات الأمنية؛ لذا يُصبح الاقتصاد الأزرق مُعرضاً لخطر الهشاشة السياسية ما لم يُحقق قيمة محلية ملموسة من خلال فرص العمل في مجال التصنيع، والتعويضات، وتقاسم المنافع، وتخطيط الحيز البحري التشاركي.

أهمية أطر الحوكمة:

تبقى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار هي الأساس؛ فهي تُنظّم المناطق البحرية، وحقوق الموارد، وتسوية النزاعات سلمياً. وتُعدّ اتفاقية تدابير دولة الميناء التابعة لمنظمة الأغذية والزراعة؛ المعاهدة الملزمة الرئيسية لمكافحة الصيد غير القانوني وغير المبلغ عنه وغير المنظم. وعلى الصعيد الإقليمي، يُرسي قانون ياوندي دعائم التعاون الأمني في خليج غينيا، بينما تُوفر اتفاقية نيروبي إطاراً لإدارة المحيطات في غرب المحيط الهندي. كما دخل اتفاق حفظ التنوع البيولوجي البحري في المناطق الواقعة خارج حدود الولاية الوطنية، حيز التنفيذ في 17 يناير 2026؛ مُضيفاً بُعداً عالمياً جديداً للتنوع البيولوجي يتجاوز الولاية الوطنية. وهذه ليست نصوصاً نظرية، بل هي أدوات تفاوض يُمكن للدول الإفريقية استخدامها.

ومع ذلك، فإن قوة القانون لا تتجاوز قوة التصديق عليه، والتشريعات المحلية، وميزانيات الإنفاذ. فقد تملك إفريقيا استراتيجيات كبيرة على الورق؛ لكن كثيراً من هذه الاستراتيجيات لا تتحول إلى قوة قانونية أو مؤسسية حقيقية؛ ولهذا يمكن القول إن القارة أحياناً تمتلك استراتيجيات بلا قدرة قسرية، وولاية قضائية بلا رقابة، وأحكاماً بلا امتثال؛ ويعني ذلك باختصار أن وجود النص وحده لا يكفي، فالتنفيذ يحتاج إلى تصديق، ومؤسسات، وتمويل، وآليات مساءلة، وإرادة سياسية مستمرة.

أجندة إفريقية للبحار:

يتعين على إفريقيا أن تتعامل مع الاقتصاد الأزرق بوصفه مشروعاً سيادياً، لا مجرد قطاع اقتصادي آخر. ويعني ذلك، أولاً، إعطاء الأولوية لتخطيط الحيز البحري على نحو يتسم بالشفافية، مع الإفصاح عن العقود، واعتماد معايير إقليمية واضحة للترخيص، بدلاً من سياسات الامتياز المبهمة. وثانياً، يقتضي ذلك دمج حقوق المجتمعات المحلية في مشروعات مصايد الأسماك والموانئ والطاقة، بدلاً من الاكتفاء بتعويض المتضررين بعد وقوع الضرر.

وثالثاً، يتعين على الدول الإفريقية توحيد جهودها السيادية حيثما يعزز ذلك نفوذها، من خلال تسيير دوريات بحرية مشتركة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بمصايد الأسماك، وإرساء ترتيبات للملاحقة القضائية عبر الحدود، بل وحتى إنشاء مناطق للتنمية المشتركة، كما هو الحال بين موريشيوس وسيشل. ورابعاً، من الضروري تنويع الشركاء وتبني نمط من الشراكات التعاونية؛ فالاعتماد على ممول واحد، أو علم واحد، أو أسطول واحد، أو مشروع ضخم واحد، لا يمثل استراتيجية، بل يشكل نقطة ضعف.

وأخيراً، ينبغي التعامل مع تعدين قاع البحر بحذر شديد؛ إذ لا يزال الإطار التنظيمي العالمي غير مستقر، وقد ازدادت الضغوط بعد صدور الأمر التنفيذي الأمريكي المعنون “إطلاق العنان للمعادن والموارد البحرية الأمريكية” عام 2025، إضافة إلى استمرار الخلافات داخل الهيئة الدولية لقاع البحار بشأن القواعد المنظمة لأنشطة التعدين.

النموذج الإماراتي:

يُقدم نموذج الاقتصاد الأزرق في دولة الإمارات العربية المتحدة مثالاً عملياً للدول الإفريقية حول كيفية تحويل الموارد الساحلية والبحرية إلى محركات للنمو المستدام. فمن خلال شريط ساحلي يمتد لمسافة أكثر من 1300 كيلومتر؛ طورت دولة الإمارات استراتيجية تربط بين الخدمات اللوجستية البحرية الذكية، وأتمتة الموانئ، والحفاظ على البيئة البحرية، ومصايد الأسماك المستدامة، والسياحة الساحلية، ومبادرات الكربون الأزرق، وذلك في إطار أجندة أوسع تهدف إلى تنويع الاقتصاد وتحقيق الحياد المناخي بحلول عام 2050.

وتُظهر موانئ الدولة كيف يمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي والأتمتة تحديث قطاع التجارة مع خفض الانبعاثات في آن واحد. وفي الوقت نفسه، تُثبت مبادرات مثل “استراتيجية أم القيوين للاقتصاد الأزرق المستدام” -التي تهدف إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي للإمارة ثلاثة أضعاف بحلول عام 2031، ورفع مساهمة الاقتصاد الأزرق في الناتج المحلي الإجمالي لها بما لا يقل عن 40%، وتحقيق الحياد المناخي بحلول عام 2031- أن الطموح الاقتصادي وحماية البيئة يمكن أن يسيرا جنباً إلى جنب.

وبالنسبة للدول الإفريقية، لا تكمن العبرة في استنساخ النموذج الإماراتي بحذافيره، بل في تكييف منطقه بما يتناسب مع ظروفها الخاصة، وذلك من خلال الاستثمار في الموانئ الذكية، وحماية غابات المانغروف والأعشاب البحرية بوصفها أصولاً للكربون الأزرق، وتطوير مصايد أسماك مستدامة، وجذب رؤوس الأموال الخاصة عبر أطر موثوقة لتمويل الكربون الأزرق، ووضع المجتمعات الساحلية في صميم عملية التحول. وإذا ما تبنت إفريقيا مساراً للاقتصاد الأزرق يقوم على المستوى نفسه من التخطيط الاستراتيجي، وتبني التكنولوجيا، والاستثمار القائم على الحفاظ على البيئة؛ فإن محيطاتها يمكن أن تتحول إلى مصدر للسيادة، والمرونة، والازدهار طويل الأمد.

وبالتالي، لن تُحسم معارك الاقتصاد الأزرق في إفريقيا بمجرد إعلان السياسات، بل بالقدرة على تحويل السواحل، والموانئ، ومصايد الأسماك، والنظم البيئية البحرية، والبنية التحتية الرقمية إلى استراتيجية تنموية متماسكة. وهنا يبرز النموذج الإماراتي بوصفه تجربة جديرة بالاستفادة؛ إذ وظّفت دولة الإمارات موقعها الجغرافي البحري، وأجندة الاقتصاد الأخضر، وقدرات موانئها، وسياساتها في الحفاظ على البيئة، وطموحاتها التكنولوجية؛ لتعزيز قوتها الناعمة خارج حدودها، ليس بوصفها مجرد مستثمر، بل شريكاً تنموياً. وقد تجلى ذلك بوضوح خلال قمة قادة مجموعة العشرين في جوهانسبرغ عام 2025؛ حيث أعلنت الإمارات عن مبادرة “الذكاء الاصطناعي من أجل التنمية” التي تخصص مليار دولار أمريكي لتمويل مشاريع الذكاء الاصطناعي في دول القارة الإفريقية؛ بهدف دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية من خلال تعزيز منظومة البنية التحتية الرقمية، والارتقاء بالخدمات الحكومية؛ لرفع الإنتاجية وتحسين مستوى جودة الحياة.

” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”


اترك تعليقاً