عهد الاتحاد.. عندما سبق القرار ميلاد الدولة

مقالات
عهد الاتحاد.. عندما سبق القرار ميلاد الدولة

كتب/ عمر الساعدي

هناك تواريخ لا تبقى مجرد أرقام في الذاكرة، بل تتحول إلى محطات تصنع هوية وطن. و18 يوليو هو أحد تلك الأيام التي غيّرت مسار التاريخ، لأنه اليوم الذي بدأ فيه الحلم، قبل أن يُعلن الاتحاد رسميًا.

ففي ذلك اليوم، لم يجتمع قادة من أجل توقيع وثيقة فحسب، بل اجتمع رجال آمنوا بأن ما يجمعهم أكبر بكثير مما يفرقهم، وأن مستقبل الأجيال يستحق قرارًا يصنع وطنًا يبقى للأبد.

وفي الثامن عشر من يوليو عام 1971، اجتمع -المغفور له- الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وإخوانه الحكام، ليضعوا اللبنة الأولى لمشروع وحدوي استثنائي، استند إلى الحكمة والثقة والإيمان بالمستقبل.

وفي ذلك الاجتماع التاريخي، وُقعت وثيقة الاتحاد، وأُقر الدستور، واعتمد اسم دولة الإمارات. لم يكن ذلك مجرد قرار سياسي، بل كان عهدًا وطنيًا رسم طريق التنمية والاستقرار، ووضع الإنسان في قلب مسيرة البناء.

ومن هنا جاءت توجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة “حفظه الله”، باعتماد الثامن عشر من يوليو مناسبة وطنية سنوية باسم “يوم عهد الاتحاد”. ولم يكن اختيار هذا التاريخ مجرد استذكار لحدث تاريخي، بل رسالة تؤكد أن الأمم التي تعرف قيمة بداياتها، هي الأقدر على صناعة مستقبلها.

فالبدايات العظيمة تستحق أن تبقى حاضرة في الوجدان، لأنها تذكر الأجيال بأن الإنجازات الكبيرة تبدأ دائمًا بفكرة صادقة، ورؤية حكيمة، وإرادة لا تعرف المستحيل.

وربما هنا يبرز سؤال يستحق التأمل: ماذا يعني أن نحتفي بيوم سبق إعلان قيام الدولة بأشهر؟ الإجابة تكمن في أن الاتحاد لم يبدأ عند رفع العلم، بل بدأ عندما توحدت الرؤية، والتقت الإرادات، واتفق القادة على أن مستقبل الإنسان الإماراتي يستحق أن يكون فوق كل اعتبار. ففي تلك اللحظة وُلدت الفكرة، ثم جاءت الإنجازات تباعًا لتثبت أن القرار كان سابقًا لعصره.

واليوم، ونحن ننظر إلى ما حققته دولة الإمارات في الاقتصاد، والفضاء، والذكاء الاصطناعي، والطاقة النظيفة، وجودة الحياة، ندرك أن ما نراه من نجاح لم يكن وليد الصدفة، بل امتداد طبيعي لذلك العهد الذي وُضع قبل أكثر من خمسة عقود. فقد أصبحت دولة الإمارات من بين الدول الأكثر تنافسية عالميًا في العديد من المؤشرات الدولية، بفضل رؤية استشرفت المستقبل، واستثمرت في الإنسان قبل كل شيء.

ولا يقتصر «يوم عهد الاتحاد» على استذكار الماضي، بل يحمل رسالة تربوية ووطنية للأجيال الجديدة. فهو يعرّفهم بقصة وطن بُني بالحكمة، وبجهود رجال آمنوا بأن الوحدة هي أساس القوة، وأن التعاون هو الطريق إلى التنمية. فحين يعرف الأبناء كيف بدأت الحكاية، يدركون أن الحفاظ على الاتحاد مسؤولية مشتركة، وأن الانتماء لا يُقاس بالكلمات، بل بالمساهمة في استمرار مسيرة الإنجاز.

ومن بصمة الوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، التي أرست دعائم الاتحاد، إلى رؤية الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، التي تقود الدولة نحو آفاق جديدة من الريادة العالمية، تستمر المسيرة بروح واحدة. فالقيادة اليوم لا تكتفي بالحفاظ على منجزات الأمس، بل تبني عليها، وتفتح للوطن أبواب المستقبل في مجالات الابتكار والاقتصاد الجديد والعلوم والتكنولوجيا، لتظل دولة الإمارات نموذجًا في تحويل الطموح إلى واقع.

وقد لخّص صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة “حفظه الله” هذه المعاني بقوله: “نجدد العهد مع الله تعالى ثم أنفسنا وشعبنا في اليوم الذي وضع فيه زايد وإخوانه ميثاق الاتحاد، أن تظل راية دولة الإمارات خفاقة، وتبقى وحدتنا السياج الحامي لمسيرتنا.” إنها كلمات تؤكد أن الاتحاد ليس ذكرى نحتفل بها، بل مسؤولية تتجدد، وعهدًا يحمله كل جيل ليحافظ على وطنٍ صنعه الآباء، ويواصل الأبناء مسيرة بنائه.

ويبقى «يوم عهد الاتحاد» أكثر من مناسبة وطنية؛ إنه تذكير بأن أعظم القرارات هي تلك التي تصنع مستقبل الشعوب، وأن قوة الإمارات كانت، وما زالت، في وحدتها وتلاحم قيادتها وشعبها. وسيظل هذا اليوم شاهدًا على أن الحلم الذي بدأ بعهد، أصبح وطنًا يواصل كتابة قصة نجاحه بثقة، ويصنع مستقبله بعزيمة لا تعرف المستحيل.

 


اترك تعليقاً